05/12/2007

جالب المطر
 
بقلم: عمر الكدي 
 
(موقع كيكا)

 
(1)
 
تختلف الروايات حول تاريخ ميلاده. هناك من يقول أنه ولد زمن ثورة غومة المحمودي على الأتراك، وهناك من يقول أنه ولد قبل هذا الزمن بأربعين عاما، ويعيده إلى بداية استيلاء يوسف باشا القرهمانللي على مقاليد السلطة في البلاد، ولكن جميع الروايات تتفق حول مكان مولده، والقصة الغريبة العجيبة التي رافقت مولده، وتكشف سر قدرته العجيبة على استجلاب المطر، والذي لم يتوقف عن الهطول فوق رأسه منذ يوم مولده، وحتى وفاته عام 1995 عن عمر قرنين كاملين حسب الرواية الثانية، أو في حدود المائة والستين عاما حسب الرواية الأولى، عندما اكتشف الرجل المكلف برعايته أن المطر قد توقف عن الهطول فجأة، فوق مزرعة تعود إلى العقيد معمر القذافي قرب مدينة سرت، فجرى بأقصى سرعته نحو الفيلا الكائنة بالمزرعة، وهو يصرخ "أمطير مات..أمطير مات"، وعندما كشف عليه الغطاء كان قد لفظ آخر أنفاسه، منذ أن توقفت تلك المطر التي لم تسمح له مطلقا بتأمل الشمس والقمر. حمله في حضنه، وقد انكمش جسده، حتى صار في حجم طفل صغير، و حاول دون جدوى أن يوقظ الأعجوبة التي خدمها طوال خمسة عشر عاما بكل إخلاص وأمانة، معتبرا أن أمطير ولي من أولياء الله، وأحد الأسياد الكبار، الذي لا يرد الله لهم طلبا، و أخيرا استسلم لجلال الموت، فأعاد الجسد إلى السرير الذي كان فيه، وملأ عينيه من هذا الكائن النادر، الذي كان قد ظهرت له أسنان جديدة مرتين، آخرهما كانت قبل اثنتي عشر عاما من وفاته، كما ظهر له شعر أسود. يظهر في أول الأمر ناعما قصيرا مثل شعر الطفل الحديث الولادة، ثم يطول ويخشوشن ويشيب، قبل أن يختفي بالكامل، وينبت شعر آخر غيره. لاحظ العريف خميس أنه كان يمص إبهامه الأيمن طوال الوقت قبل أن تظهر أسنانه الجديدة، وكان لا يتوقف عن رضع الحليب من المرضعة إلا عندما ينام، وتعود على إيقاظه بالصراخ في أي وقت من الليل ليعد له مرضعته، كما أن الحاجة سليمة بنت البصير قد لاحظت نفس الشيء قبل مائة عام من وفاة أمطير، وقبل أن تصل المرضعة إلى ذلك الجبل الذي ولد فيه، لذلك أرضعته عدة نساء في قريته ماريش، عندما لاحظن تهافته على أثدائهن المليئة بالحليب، وكان لا يزال لم يفقد بصره وسمعه بعد، وبعد عدة أشهر تزيد عن العام يتوقف عن الرضاعة، وكأنه بلغ سن الفطام، أما ما يتجنب العريف خميس الخوض فيه، وكذلك فعلت الحاجة سليمة قبله بمائة عام المراهقة الشبقة التي تظهر علامتها جلية على أمطير، بعد ثمان سنوات من ظهور أسنانه الجديدة، وشعره الأسود الذي عادة ما يتركونه يطول، ولا يحلقونه إلا عندما يخشوشن ويتشابك، ويصبح تسريحه صعبا. كانت البنات في مراهقته الثانية التي انتابته وقد تجاوز عمره قرنا واحدا وعشر سنوات قد لاحظن أنه يلعب بذكره طوال الوقت، وقد تفاجأن بانتصابه فكن يتسلين به في غفلة الحاجة سليمة، ويحافظن على سر لعبتهن المثيرة، ولكن الحاجة سليمة عرفت فيما بعد سر لهفة البنات على أمطير، ومبالغتهن في تحميمه، وتسريح شعره الأسود الطويل، الذي كن يدهنه بالزيت، ويظفرنه كما يظفرن شعرهن، ومنذ ذلك الوقت منعتهن من الاقتراب منه، وعيناها الواسعتان تقولان لهن دون مواربة أنها تعرف سر هذا الاهتمام، وكانت تعرف عندما تبتعد عن دارها لشأن ما أن البنات استغلين غيابها للهو بأمطير، من اشتداد المطر، الذي يصل ذروته مع لحظة بلوغه النشوة الجنسية، فتعود مسرعة وهي تخوض في الوحل لاعنة من تجده في دارها بمن فيهم أمطير، لتنظف سرواله الملوث بمنيه الخاثر . لم تكن تؤمن بما آمن به العريف خميس بعد ذلك بمائة عام أخرى. كانت تعتبر أمطير مصيبة ابتليت بها في آخر عمرها، لمجرد أن كل قريتها وجدوا أنها أفضل من يتولى رعايته بما في ذلك أحفاده، وأبناء أحفاده، وأحفاد أحفاد، فأولاده وبناته كانوا قد توفوا جميعا قبل هذا الزمن بربع قرن على الأقل، وبعد وفاته أحصوا أكثر من ستة آلاف بين ذكر وأنثى جاءوا جميعا من صلبه.
(2)
 
عندما حملت به أمه لم تخبر أحدا بذلك، حتى ذلك اليوم الذي خرجت فيه من القرية نحو الحقول لجمع الحطب، وعندما وصلت إلى الظهرة المعروف اليوم باسم ظهرة سيدي دافن روحه، سمعت صوتا واهنا يطلب الماء. رأته تحت شجرة الخروب التي لا تزال في مكانها حتى اليوم في قمة الظهرة، وعندما اقتربت منه، وأسندته بساعدها ليشرب من مطرتها. لاحظت أن ملابسه ناصعة البياض، لا توحي بأنه كان على سفر، وكانت لحيته كثة بيضاء، وكما قالت فيما بعد، سحرها النور الخافت الذي ينبعث من وجهه، وتلك الهالة التي أحاطت برأسه المعمم بعمامة ناصعة البياض، واستنشقت عبير مسك قوي يفوح من ثيابه وجسده، حتى أنها لم تنتبه عندما وضع يده على بطنها، قائلا لها "سميه أمطير"، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، توجه إلى السماء وقال" اللهم لا تجعله يعطش ساعة واحدة في حياته، اللهم أجعل المطر يسبقه ويعقبه". عندما وصل الرجال بعد أن أسرعت لاستنفارهم، لم يجدوا الشيخ وإنما وجدوا قبرا جديدا، لا يزال في نفس مكانه حتى اليوم، تحت شجرة الخروب، في قمة الظهرة التي أصبحت تعرف منذ ذلك اليوم بظهرة سيدي دافن روحه. وإن فاتهم دفنه، إلا أن أهالي ماريش أقاموا له مأتما، و تقبلوا تعازي القرى المجاورة، وأصبح وليهم الثاني، بعد وليهم الأول جدهم الماريشي الكبير، وكانوا بعد صلاة عيد الفطر، وعيد الأضحى يتوجهون إلى ضريح جدهم الموجود في مقبرة القرية أولا ليقرأوا الفاتحة على روحه، ثم يتوجهوا إلى ضريح سيدي دافن روحه، ولسبب ما كانت النساء اللواتي لا ينجبن الأطفال ينمن عند قبره على الأقل ليلة واحدة، وتحول مع الوقت إلى مزار للعاقرين من الجنسين، مما جعل القرية تبني له ضريحا بقبة بيضاء، منصوب عليها علم أخضر، وبنوا بجوارها غرفة تصلح لمبيت العابرين الذين يأتون من أماكن بعيدة طلبا للخلفة، وكان الذين يأتون لا يعودون مرة أخرى، ولا تصل منهم إلا قصصهم المتواترة بأنهم أنجبوا الأطفال، حتى أصبحوا يضيقون ذرعا من عددهم.
 
في نفس الليلة أخبرت زوجها بأنها حامل، ومنذ ذلك الوقت لاحظت وجود غمامة صغيرة تشبه الضباب الخفيف تحوم عالية فوق رأسها أينما حلت، وتكبر كلما كبر الجنين في بطنها وعندما تستيقظ تجد الندى فوق غطائها. وضعته بمفردها دون مساعدة من أحد، وانتبهت لها نساء البيت عندما سمعوا صراخ الطفل بينما كانت تمطر، المطر الذي لم يتوقف منذ ذلك الوقت، إلا في أواخر القرن العشرين.
 
منذ ذلك اليوم تغيرت حياة عائلته رأسا على عقب. من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش بمقاييس ذلك الزمان، وتحملت والدته وشقيقاته الأربع عبء العناية بهذا الطفل الأعجوبة، وكانت أكبر مشاكل أمه وهي تلعن هذا المطر الذي لا يتوقف، هو أن تمنع طفلها الصغير من البلل، وهو الذي لا يكف عن الحركة، والخروج خارج البيت، الذي تحول إلى خيمة تجوب فيافي ليبيا وقفارها لتغمرها مياه مطر لا يتوقف. لم تكن المساحة التي تهطل عليها الأمطار كبيرة، كانت في حدود مساحة القرية في ذلك الوقت، وكان من الممكن تأمل هذه المطر العجيب كلما تنقل أمطير خارج القرية، فيتبعه السحاب الماطر، وخاصة من الهضاب المطلة على القرية، لذلك كان عليه وعلى عائلته التنقل من مكان إلى آخر، حتى أنهم كانوا لا يبقون في ماريش إلا في فصل الربيع، بعد أن يكونوا قد جابوا كل ليبيا، وكانت كل المنطقة الممتدة من غرب ليبيا إلى طبرق، ومن الساحل إلى مرزق في أقصى الجنوب يدفعون نسبة من إنتاجهم إلى عائلة أمطير، بما في ذلك سكان جنوب تونس الذين يستدعونهم كلما توقف السحاب على المرور فوق أراضيهم فتستقبلهم القرى والنجوع بالدفوف والأناشيد التي تنوه بمعجزة أمطير، بينما تنحر الماشية العطشى عند قدميه الصغيرتين، وقد تغطى جسده بطبقة خضراء من الطحالب، وكذلك كل أفراد عائلته. كان والده في البداية يصطحب معه رجالا مسلحين، خوفا من أن يسطو قطاع الطرق على ولده الوحيد. إلا أنه تخلى عن اصطحابهم منذ أن تأكد أن الجميع بما في ذلك قطاع الطرق يؤمنون أن ولده ولي صالح يتبركون به.
 
كانت الرحلة تبدأ من ماريش الواقعة بمنطقة غريان في الجبل الغربي في آخر الربيع، قبل نهاية موسم المشمش، وقبل أن يخرج التين براعمه الخضر، وقبل أن تتلون عناقيد العنب، لذلك لم يأكل أمطير لسنوات طويلة تين ماريش طازجا، وإنما يأكله جافا عندما يعود من رحلته الطويلة، وفي موسم الصيف يكون الموكب الذي تلازمه الأمطار قد جاب منطقة القبلة في طريقه إلى فزان، وقد هدأت رياح القبلي القادمة من الصحراء في كل مكان يحل به، وفي موسم الخريف يكون قد وصل إلى منطقة الواحات بعد أن عبر قرى الجفرة، في طريقه إلى برقة، مارا باجدابيا التي يتبرك أهلها بمقدم أمطير، فيستريحون أياما من عجاجها العجيب، بينما تتعقب حبات مطره المحاريث التي تجرها الإبل والبغال والحمير، وكانوا يفضلون قضاء الصيف في غابات الجبل الأخضر، حيث تستضيفه قبائل الرعاة البدو الذين لا يجيدون حرفة الزراعة، فيجلس أمطير إلى جوار والده بينما يتنافس الشعراء الشعبيون من حولهم في وصف هذه المعجزة التي تمطر خارج الخيمة. كان الشعراء الشعبيون يأتون كل صيف من بادية طبرق، ومن نواحي اجدابيا، وهي المناطق التي أنجبت فحول شعراء البلاد، بينما تعد أمه وشقيقاته الطعام في خيمة أخرى بعيدة بعض الشيء عن المكان تحت سماء زرقاء خالية من أي سحاب، ما عدا هذا السحاب المجاور الذي يتبع ابنهم، فيعرفون موقعه حتى عندما يجوب الغابة باحثا عن الكمأ، والقعمول، والسلاحف الصغيرة التي تلمع قواقعها تحت المطر، وبقت من تلك القصائد الكثيرة التي تتناقل شفهيا أبياتا معدودة، منها بيت ينسب إلى سيدي أحمد قنانة يقول:" يا أمطير يا سيد السحاب الماطر ويا غيث فضله ما ينكره العطشان".
(3)
 
عندما توفي والده كان لا يستطيع إحصاء أملاكه المتناثرة في ربوع ليبيا، وجنوب تونس، وغرب مصر، حيث كان يزور القبائل الليبية التي تركت ليبيا في فترات مختلفة لتستوطن منطقة مطروح. كانت زوجته الأولى تقيم في بيته بماريش، أما الثانية ففي مرزق الواقعة في جنوب ليبيا، والثالثة في بلدة هون في وسط ليبيا، والرابعة قرب شحات في الجبل الأخضر، وكان أولاده قد وصل عددهم إلى الثلاثين. عشرون ولدا، وعشرة بنات، اكتسبوا جميعا قامته المتوسطة، وجسده الضامر بالرغم من شهيته المفتوحة أبدا، وتوزعت بينهم تقاسيم وجهه اللطيف الودود وصوته المدوي بسبب صوت المطر، بينما احتفظوا بألوان بشرة أمهاتهم، فأطفاله من زوجته الأولى كانوا يميلون إلى الشقرة، بينما مال أولاده من زوجته الفزانية إلى اللون الخلاسي بسبب سواد أمهم الفاحم، وأكتسب أبناؤه من زوجته الهونية اللون البرونزي، في حين كان أبناؤه من زوجته البرقاوية بيض البشرة، وبالرغم من أنهم لم يلتقوا ببعض إلا في وقت متأخر، إلا أنهم كانوا يعلمون عن بعضهم من خلاله بأدق التفاصيل، وحتى اليوم لا يزال أحفاد أحفاده ينظمون اجتماعا مرة كل عام، في أحد هذه المناطق الأربعة، ويرعون مصالح بعضهم في كل مناطق ليبيا.
 
يؤكد باحث في مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي أن أمطير لم يولد عندما توفي محمد بن علي السنوسي في واحة الجغبوب عام 1859، وأن علاقته مع الحركة السنوسية قد بدأت زمن المهدي السنوسي، والد ملك ليبيا إدريس الأول والأخير، ولكنه لم يقابله إلا مرة واحدة، بسبب انتقال المهدي السنوسي من الجغبوب إلى واحة الكفرة في أقصى جنوب شرق ليبيا خوفا من الأتراك الذين كانوا لا يزالون يحكمون البلاد، ولكنه كان يبعث بزكاة أمواله إلى السنوسي بعد موسم الحصاد مباشرة، فتنطلق من واحة أوجلة قافلة تتكون من أكثر من مائتي بعير لتشق أكثر صحاري ليبيا وعورة وجفافا نحو واحة الكفرة البعيدة، وكان يتصدق على كل الزوايا السنوسية التي يصادفها في طريقه.
 
وثمة من يؤكد بأن أمطير ساهم في ثورة غومة المحمودي ضد الأتراك في الجبل الغربي، وأنه أعاق تقدم الجيش التركي ثلاث مرات بسببه مطره، ولكن جميع الروايات تتفق على دوره في مقاومة الجيش الإيطالي منذ غزوه للبلاد، وأنه لم يحمل بندقية واحدة في حياته، وكان يستخدم مطره فقط لمهاجمة تجمعات الجنود الطليان، الذين كانوا يستشعرون الخطر بمجرد هطول الزخات الأولى، فتنحط معنوياتهم، ويفقدون انضباطهم، وعادة ما يتلازم المطر مع هجوم مباغت من المقاتلين الليبيين، ونسق عدة هجمات مع قائد المقاومة الليبية في الجبل الأخضر عمر المختار، الذي كان يستغل انشغال الجنود الإيطاليين بالمكان الذي يهطل فيه المطر، ليهاجمهم من المكان الذي كانوا يعتقدون أنه آمن، ولم يستطع الإيطاليون منعه من التنقل كما تعود قبل وصولهم إلى البلاد منذ أن ولد، وكان قد تحول في ذلك الوقت إلى رجل مقدس، تتصالح القبائل تحت خيمته، وكان عادة يدفع ديات القتلى من ماله الخاص، ليطفئ الثار المتأجج بين القبائل، وكل من حكم ليبيا لم يستطع الاعتراض على أي ترتيب يخرج من تلك الخيمة المبتلة، ولكنه فقد معظم ثروته بسبب الحرب التي استمرت عشرين عاما، لينجد الأهالي الذين فقدوا كل شيء، وأضطر الكثير منهم إلى الهروب من البلاد، ولكنه عاد فعوض كل الخسائر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وكان أولاده قد تولوا إدارة مملكته الشاسعة.
 
منحه الإيطاليون سيارة بسائق تجوب به كل هذه الفيافي، ووفروا له معاطف واقية من المطر، ومظلات يرفعها مرافقوه فوق رأسه، ومنذ ذلك الوقت اختفت طبقة الطحالب الخضراء، وعاد له لونه الطبيعي الضارب إلى السمرة الخفيفة، ولكنه كان قد أوغل في سنواته الطويلة، فلم يعد قادرا على الحركة الخفيفة التي تميز بها، وهو يرفع كيس الخيش فوق رأسه اتقاء للمطر، وأخذ يجوب البلاد وهو نائم فوق المقعد الخلفي للسيارة التي لا تتوقف مساحاتها الأمامية عن الحركة.
تولى أحفاده تقاسم الرعاية والاهتمام به، ثم تولى أبناء أحفاده نفس المهمة، ليسلموه في أخر الأمر إلى أحفاد أحفاده، وبعد وفاة الحاجة سليمة بنت البصير، تولت فاطمة بنت حميد الاهتمام به، وكانت قد تجاوزت السبعين، وتعتبر إحدى أحفاد أحفاده، وعندما استقلت ليبيا عام 1951 كان في عهدة آمنة بنت المرابط التي تعتبر ابنة حفيدة حفيده، وبالرغم من أن الملك إدريس منحه أكبر وسام في البلاد لكنه لم يقابله ولا مرة واحدة، بسبب خوف الملك على صحته من المطر، وكلف رئيس الوزراء بتمثيله في الحفل الذي نظم في مدينة البيضاء- العاصمة الصيفية للبلاد-، وكان قد تجاوز المائة وخمسين عاما من عمره المديد، وبالرغم من أنه لم يفقد بصره وسمعه بعد، إلا أنه لم يكن يدري بما يجري حوله، حتى بعد أن علق رئيس الوزراء الوسام المذهب في عنقه، وألقى كلمة تحت غابة من المظلات السود المرفوعة فوق رأسه، عن العرفان الذي تشعر به البلاد تجاه أمطير، وعن الخدمات الجليلة التي قدمها للأمة الليبية.
 
(4)
 
وبالرغم من حماس وزراء الزراعة المبكر بعد الاستقلال، في العثور على الطريقة المثلى لاستغلال معجزة أمطير لمنفعة البلاد، إلا أن خططهم ظلت في الأدراج نظرا لاعتراض أولاد أمطير على تدخل الحكومة، وبعد اكتشاف النفط وتدفقه بكميات كبيرة، عرفوا كيف يعالجوا النقص في الإنتاج الزراعي بسبب الجفاف بعوائد النفط، وتركوا أمطير لرحلته التي كانوا يعتقدون أنها أبدية، وأستاجروا له بدل السيارة الإيطالية، التي كان قد أبلى عدة سيارات غيرها، طائرة فوكر من شركة أوكسيدنتال الأمريكية، كانت تنقله من مكان إلى آخر، يقودها طيار أمريكي، وبصحبته مضيفة شقراء، لم تفلح إلا بالنظر إلى وجه أمطير الذي امتلأ بالتجاعيد والأخاديد، بينما كانت آمنة بنت المرابط التي تحتفظ به في حضنها تمنع المضيفة المفتوحة العينين من الاقتراب، وهي تقرأ تعاويذها المبهمة، وفي الخارج تصارع الطائرة وهي تترنح تحت سحاب قاتم الأمطار التي تشتد كلما اقترب أمطير من عنان السماء.
 
في يوم الانقلاب الذي قاده الملازم أول معمر القذافي في أول سبتمبر عام 1969 فقد سمعه، حتى أنه لم يسمع بما حدث للبلاد، وبعد خمس سنوات كان قد فقد بصره أيضا، وبدأ جسده في الانكماش حتى صار في حجم طفل يحمل بيد واحدة، وبعد أن قضى القذافي الذي ترقى فجأة إلى رتبة عقيد على كل أشكال المعارضة لنظامه في البلاد، انتبه ذات يوم قائض وهو في سرت إلى أمطير، فقرر مصادرته.
 
مهد للأمر بحديث طويل عن الثورة الزراعية بث على القناة الوطنية الوحيدة بعد نشرة الأخبار المصورة. تطرق خلاله إلى إصرار الثورة على تحويل الصحراء إلى جنة خضراء، وعن خططه لبناء مشروع النهر الصناعي، الذي سيحمل المياه الجوفية من جنوب ليبيا المقفر، إلى شمالها حيث يتمركز أغلبية السكان، وقال أن أمطير هو آخر محاولة ربانية، وأن النهر الصناعي هو آخر محاولة بشرية لإنقاذ الحياة في شمال إفريقيا. صادر في البداية الأراضي القبلية، وأنشأ مجموعة من المشاريع الزراعية في عدة أماكن، وكان يظهر على شاشة التلفزيون كل ليلة وهو يقود جرارا زراعيا، أو يتجول بين السنابل الطويلة الخضر، أو يتأمل أبقار الفريزيان المستوردة من هولندا وهي تأكل الأعلاف بنهم عجيب، وفي بعض الأحيان يجز صوف الغنم في خيمة كبيرة، بينما ينشد الرعاة أغانيهم البدوية، وأخيرا أوعز لمؤتمر الشعب العام بإصدار قرار مصادرة أمطير. مهد وزير الزراعة والثروة الحيوانية للقرار بتقرير طويل عن تراجع معدلات المطر في البلاد، وعن مشكلة التصحر المتفاقمة، وعن ضرورة استغلال كل قطرة من المياه الاستغلال الأمثل، بينما طلب أمين المؤتمر من المجتمعين التفكير في أفضل السبل للتغلب على هذه المشكلة، وعندها طلب أحد أعضاء المؤتمر الكلمة، وطلب دون مواربة وضع أمطير تحت إشراف وزارة الزراعة والثروة الحيوانية. على الفور اشتبك الحاضرون في جدال طويل، وفقد أمين المؤتمر السيطرة على القاعة، فقد كان أربعون شخصا من أعضاء المؤتمر، الذين يمثلون كل مناطق البلاد ينحدرون مباشرة من سلالة أمطير، ورأوا أنه ليس لأي شخص الحق في التدخل في شئون أمطير ما عدا ورثته الشرعيين. احتاج القرار لتمريره إلى عدة جلسات صاخبة، وإلى ضغوط متزايدة، بدأت بمسيرات نظمتها اللجان الثورية ترفع شعار "أمطير ملك الشعب"، وتهدد بسحق كل القوى المضادة للثورة، ووصل الأمر إلى تهديد أحفاد أحفاد أمطير بمصادرة ممتلكاتهم التي تحصلوا عليها بفضل معجزة جدهم، وأخيرا صدر القرار بدعم من الأغلبية العظمى كما قال أمين المؤتمر في ختام الجلسة العاصفة، التي نقلت مباشرة على الهواء، ومنذ اليوم الثاني نقل أمطير إلى عهدة الدولة بينما تجاوز المائة والثمانين من عمره المديد.
 
عينت آمنة بنت المرابط في وظيفة الحاضنة بمرتب يعادل مرتب مدير إدارة في وزارة الزراعة، بالرغم من أنها تجاوزت سن التقاعد منذ ثلاث سنوات، وتم انشأ قسم جديد في الوزارة اسمه قسم المطر الطبيعي تمييزا له عن قسم المطر الصناعي، الذي كان مكلفا برش السحب بنثرات الفضة لاستحلاب المطر، ومنذ ذلك الوقت تغيرت رحلة أمطير السنوية، فقد أرسل لري مشروع السرير الزراعي، الذي كان قد أنشأ قبل خمس سنوات، وتديره شركات أجنبية تعتمد على الري الدائري من خلال أنابيب تدور على عجلات كبيرة. لم ينجح المشروع اقتصاديا، حيث وصلت تكاليف إنتاج طن واحد من الحبوب في تلك الصحراء القاحلة ما يزيد بعشرين مرة عن تكاليف استيراده من الخارج، ولكن القذافي الذي وضع كل الخطط ساهم في فشل المشروع، حيث كان على الجرار الزراعي أن ينفق ثلاثة أرباع عمره في التنقل بين الدوائر المزروعة بالحبوب، والتي جعلت بعيدة عن بعضها خوفا من استنزاف المخزون الجوفي من المياه، لذلك كان القذافي مصرا على مصادرة أمطير ليتخلص من الدوائر المتباعدة، ففي وجود أمطير يمكن زراعة كل مساحة المشروع التي ستكون على شكل مستطيل، وبالرغم من التكاليف الباهظة اعتبر المشروع استراتيجيا ، خوفا من الحصار الذي قد تفرضه دول الغرب على البلاد تحت قيادة النظام الثوري، لذلك راجت الشعارات التي كتبها القذافي والتي تقول" لا حرية لشعب يأكل من وراء البحار"، ثم عدلت إلى لا حرية لشعب يأكل من وراء حدوده، كما ركزت خطط التنمية الثلاثية والخماسية، وطويلة الأجل على الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من كل شيء.
 
منذ وصول أمطير إلى مشروع السرير المقام على مساحة ستين ألف هكتار، توقفت العجلات الكبيرة عن الدوران، وكان السائق المكلف يتولى اصطحاب أمطير، وهو يلوك الخبز المغموس في الحليب في حضن حاضنته الرسمية آمنة بنت المرابط، في سيارة ذات دفع رباعي، ليجوب المشروع من أدناه إلى أقصاه مرتين في اليوم، بينما يتولى العاملون في المشروع التأكد من أن كل المساحة المزروعة قد تم ريها، وبعد ذلك تتوجه السيارة جنوبا نحو مشروع الكفرة الزراعي، الذي أقامته شركة أوكسيدنتال منذ الستينات على مساحة عشرة آلاف هكتار.
 
(5)
 
في موسم الحصاد الأول بعد مصادرة أمطير وصل الإنتاج إلى معدلات قياسية، فقد توقفت البلاد عن استيراد الحبوب للمرة الأولى منذ اكتشاف النفط، بل فاض الإنتاج حتى صدر للبلدان الثورية الصديقة، وانخفضت أسعار الأعلاف واللحوم، ووزع الحليب مجانا على تلاميذ المدارس، وبدأ المسئولون في وزارة الزراعة يفكرون في زراعة القطن والأرز وقصب السكر، وأتسع مشروع السرير ليصل إلى مائة ألف هكتار، حتى تمكنوا من تصويره بالأقمار الصناعية، فظهر على هيئة مستطيل أخضر مثل ملعب لكرة القدم، وسط صفرة موحشة، ولكن سرعان ما أنهار كل شيء عندما اختفى أمطير فجأة.
 
بعد سنتين عثروا على أمطير الذي اختطفه الجيل الخامس من أحفاده، وتوغلوا به في أكثر صحارى ليبيا جفافا عند بحر الرمال العظيم حيث لا تستطيع حتى الإبل التوغل إلى حتفها الأكيد، وقد آمن لهم جدهم القدرة على البقاء في تلك البقعة التي لم تسقط عليها قطرة مطر واحدة منذ أكثر من عشرة آلاف عام، وتكونت واحة صغيرة خضراء اجتذبت غدرانها، وجداول مائها الطيور المهاجرة، ونبتت على الفور مئات الأنواع من النباتات بزهورها الوحشية ذات الألوان المتعددة الخلابة.
 
بعد عامين كاملين هبطت في الواحة المعزولة البعيدة عن كل الطرق المعروفة طائرات عمودية تحت وابل من مطر لا يتوقف. نزل منها جنود ينتمون لكتائب الحرس واعتقلوا الأحفاد العشرة، واستعادوا أمطير، ولكن مشروع السرير كان قد تقلص تحت لهيب الشمس إلى عشرين ألف هكتار، ترويها أنابيب مثبتة على عجلات ضخمة، تدور في وهن حول الآبار، وفقد القذافي حماسه للثورة الزراعية، فأمر بإرسال أمطير إلى مزرعته قرب مدينة سرت، حيث يحتفظ بأنواع عديدة من الحيوانات البرية، مثل الظباء و الغزلان والمها، وخيول من فصائل نادرة، وناقة بعينين خضراوين، وببغاوات وصلته من أدغال الأمازون، ونمرين آسيويين يلهو معهما أبنه، وكلف العريف خميس وهو من أبناء قبيلته برعاية أمطير، ولم يبق من تلك المعجزة أي آثر سواء مقال كتب في صحيفة الجماهيرية تحت عنوان " أمطير يهزم الدولة"، كتبه رئيس التحرير بعد خطف أمطير، واستفز المقال العقيد القذافي فأرسل رجاله لمعاقبة رئيس الحرير، حيث أوقفه أربعة من الحرس الخاص يرتدون ملابس مدنية في عرض الشارع، وانهالوا عليه باللكمات والركلات، وهو يحاول أن يحمي وجهه بيديه، وبعد أن تركوه ملقى على الأرض، نهض بصعوبة وركب سيارته، حيث تأمل في مرآتها الصغيرة وجهه المليء بالكدمات، بينما ملامح وجهه الخلاسي تؤكد أنه ينحدر من سلالة أمطير من زوجته الفزانية.
 
كاتب ليبي، مقيم في هولندا
دلفت – 1 ديسمبر 2007
elkeddi@hotmail.info
 
المصدر: موقع "كيكا"

 

libyaalmostakbal@yahoo.com