28/12/2007

عندما حان الميعاد للتخلّص من صدّام
 
نشرت المقالة بصحيفة قورينا على حلقتين

بالعددين الصاردين بتاريخ 26 و 27 /12/2007.


  أزنار: ما أخشاه عليك هو تفاؤلك!
  قصة الحرب ما بين الحقيقة والتخيّل الأمريكي!
  توظيب الحقائق حسب الطلب لتبرير الحرب!
  العنهجية تجعل بوش يهدد بقطع الأموال والمزايا عن كل من لا يصوت معه!
  فظاظة الرئيس تشابه ما يفعله أبطال أفلام المافيا!
  بوش: أنا الشرطي الخبيث وتوني بلير الشرطي الطيب!
  المصريون والسعوديون يحبذون رحيل صدّام ويساعدون بوش على ذلك!
  كيف يقنع الرئيس نفسه بأن الجهل قوة!
  أنا على حق وأعيش بسلام مع نفسي والإله كلفنى بمهمة تاريخية في سبيل الحرية!
  الاعتماد على اعتقاد وفهم شخصي بدلا من حقائق الواقع!
  الرجل الأقوى في العال ينسى ما قال ولا يعي ما يحدث وينفذ المهمة الإلهية التي افتعلها لنفسه!

في عددها الصادر رقم 54/ بتاريخ 17/11/200717 نشرت مجلة
مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس هذا الموضوع للكاتب / مارك دنز
ترجمة: رمضان جربوع (العناوين الفرعية لم تٌخرج بصحيفة قورينا وهي من صلب نص المقال)
 
هذه المقالة والمحضر نشرت بمناسبة الكشف عن تفاصيل الاجتماع المعقود ما بين الرئيس جورج بوش ورئيس وزراء أسبانيا قبل شهر واحد قبل الحرب وهي تدلنا على طريقة تفكير الرجلين اللذان كانا يمهدان لغزو العراق، ونحن ننقل هنا الترجمة العربية للنص، الجزء الأول عبارة عن تحليل سياسي للأحداث وتحليل نفسي لشخصيتي الرئيس بوش وأزنار وما واكب الأحداث من اتصالات خفية لم نكن نعلم عنها شيئا في حينه والجزء الثاني هو النص الحرفي لمحضر هذا الاجتماع وقد نشر من قبل صحيفة الباييس الأسبانية على أنه سبقا صحفيا لم يتم تكذيبه إلى الأن وبالتالي يتمتع بالمصداقية ولكن هذا لا ينطبق بالطبع على ما كان يقوله الرجلان برفقة كوندليزا رايس التي حاضرة في الاجتماع.
 
في اجتماع حميم ما بين الرئيس بوش وخوزيه ماريا أزنار (رئيس وزراء أسبانيا السابق) علّق أزنار على مشاريع بوش بخصوص العراق قائلا (حسب محضر الاجتماع أدناه): .. الشيء الوحيد الذي أخشاه عليك ... هو تفاؤلك" .. عقد الاجتماع في كراوفورد تكساس بمرزعة الرئيس بيوم 22/2/2003.
 
قطعا، إحدى أكثر سمات عصر ما بعد الحادي عشر من سبتمبر الأكثر إيلاما هي الحاجة اللامتناهية لإعادة إثبات الحقائق على أرض الواقع ... الحقائق التي سبق إثباتها مرة بعد أخرى والتي ينكرها الجالسون على مقاعد السلطة في واشنطن بكل عناد وهي ذاتها التي تجبرنا على العيش محصورين ما بين روايتين متناقضتين للتاريخ الحاضر، الأولى أخذت تكتسب مؤشرات الحياة واللون والقوة اضطرادا مع تنامي علمنا بما حدث حقيقة، والرواية الأخرى أخذ لونها يشحب وركبت الهشاشة في بدنها الذي أخذ يتمزق تحت التشريح والتمحيص .. وبالكاد تبقى هذه الرواية على قيد الحياة بواسطة أجهزة الإنعاش التي توفرها لها السلطة الأمريكية الرسمية.
 
في وسط حياتنا اليوم تقف الرواية الكبرى لهذه السياسة المزدوجة: حرب العراق! .. وهي التي شُنّت لإزالة تهديد أسلحة الدمار الشامل، والتي تبين فيما بعد أنها لم تكن موجودة، وهي الحرب التي أُخرجت على أنها وقد حسمت بطريقة درامية، وبتفاخر قبل أوانه على ظهر حاملة طائرات في يوم مشمس، إلا أن حفل هذا "الانتصار" تحول فورا إلى حالة حرج قومي. كان ذلك منذ أربع سنوات ونصف؛ نهاية الحرب وأيضا بدايتها حددت مفاهيمها في تلك اللحظة المرعشة ... ولكنها اختفت في طيات تاريخ متنازع عليه.
 
آخر إضافات ذلك التاريخ ظهرت بيوم 26 سبتمبر عندما نشرت صحيفة (الباييس) الأسبانية محضر محادثة دارت بتاريخ 22/2/2003 – أي بحوالي شهر قبل الحرب – ما بين الرئيس بوش وخوزيه ماريا أزنار رئيس وزراء أسبانيا (نص المحضر يتبع أدناه).... مكان الاجتماع كان في مزرعة الرئيس في (كراوفورد) بولاية تكساس، إلا أن البعض سرعان ما أطلقوا على المحضر اسم (مذكرة داوننغ ستريت2) وفعلا المحضر يشابه في السمات والمواضيع تلك التي أثيرت في المذكرة البريطانية الشهيرة من حيث إظهار البون الشاسع ما بين ما يقوله الرئيس بوش وإدارته على العلن خلال فترة ما قبل الحرب الوشيكة وما بين ما كانوا يقولونه ويعملونه في مقامات أكثر خصوصية.
 
هانس بليكس، رئيس مفتشي الأمم المتحدة والذي كانت أطقمه تقوم عندئذ بالتجوال في العراق بحثا عن أسلحة الدمار الشامل الخفيّة، لم يقدم تقريره بعد – بعد ذلك بأسبوعين يقوم بإعلام مجلس الأمن بأن الموضوع سيستغرق ليس سنوات أو أسابيع .. بل شهور لكي يستكمل، أي تنفيذ ما تبقى من مهام نزع السلاح. .. جورج بوش فاقدا صبره ومتوثبا للحرب يقول ".. إن هذا يشبه عملية التعذيب على الطريقة الصينية بقطرات الماء ... يجب علينا أن نضع حدا لها".
 
حتى عند مناقشة هاجس (أزنار) الرئيسي المتعلق بالحصول على شرعية دولية عن طريق ضمان قرار ثان من الأمم المتحدة يبرر استخدام القوة – وهو ما لم يتم للأسف أبدا – لم يقم جورج بوش بأي تظاهر من شأنه إنكار أن الحرب على العراق أصبحت يقينا، فلقد قال لأزنار بكل بساطة "في حالة أن يقوم أي طرف باستخدام حق النقض ضد القرار فسنذهب للحرب .. صدام لا ينزع أسلحته وعلينا اصطياده الآن وفورا ... لقد أظهرنا ليومنا هذا قدرا كبيرا من الصبر، لم يعد هناك سوى أسبوعين .. في خلال أسبوعين سنكون مستعدين عسكريا .. سنكون في بغداد بنهاية شهر مارس.
 
لقد تم تحديد البرنامج الزمني .. ليس من قبل المفتشين الذين قد يعثروا أو لا يعثروا على شيء، وليس من قبل الدبلوماسيين وما قد يتفاوضون أو لا يتفاوضون عليه .. ولكن التحديد يتم بموجب الجدول الزمني لنشر واستعداد الطائرات الحربية والجنود والدبابات.
 
ولكن متى أصبحت الحرب يقينا؟ ..
 
التصاعد في موقف الرئيس بوش يكاد يكون مستحيل التصوير بالرسم البياني، ولكن قبل هذا .. أي في شهر يوليو المنصرم، اكتشف رئيس الاستخبارات البريطانية (السير ريتشارد ديرلوف) إبّان زيارته الشهيرة للتشاور في واشنطن، حسب ما ورد عنه في تقريره للوزارة في لندن – وهنا نقرأ أشهر الفقرات في مذكرة داوننغ ستريت ذائعة الصيت .. "العمل العسكري يظهر الآن بأنه لا مفر منه، بوش يريد الإطاحة بصدام حسين من خلال عمليات عسكرية مبررة بصياغة على أساس الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل. ولكن "الحقائق" ومعلومات الاستخبارات يتم الآن توظيبها لكي تدور في مدار هذه السياسة، مجلس الأمن القومي الأمريكي لم يعد لديه صبر على مسار الأمم المتحدة. {1}
 
معظم الدراما المثيرة بنص محضر اجتماع (كرافورد) كانت بخصوص هذه النقطة، أي حاجة الأوروبيين لاستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة يبرر استخدام القوة بمعنى إضفاء الطابع القانوني أو على الأقل الشرعي دوليا على الحرب، ثم التردد وعدم الوضوح لدى مسؤولي إدارة الرئيس بوش بخصوص إتّباع مسار الأمم المتحدة ... كل هذا أدّى لتعارض ما بين الأوروبيين المحنكين الراغبين بإزالة العوائق والتمهيد الدبلوماسي واعتبارهم وخشيتهم من المعارضة الشديدة في أوروبا وخصوصا في أسبانيا لحرب على العراق تقودها أمريكا وبخيارها من جانب وعلى الجانب الاخر (نقرأ نصا في المحضر عن أزنار وهو يقول لبوش:
 
"نحن في حاجة لمساعدتكم للتعامل مع الرأي العام لدينا .. على الجانب الآخر نرى بوش مصرا على تقديم مشروع القرار للأمم المتحدة في يوم الاثنين ..
 
بينما يقول أزنار: نحن نفضل الانتظار إلى يوم الثلاثاء ..
 
ويرد عليه بوش: حسنا فليكن يوم الاثنين بعد الظهر وكان يحتسب فروق التوقيت ما بين أوروبا وأمريكا حيث مقر الأمم المتحدة سيكون الثلاثاء قد حل في مدريد .. أما عن شكوى بوش وتشبيهه عمليات الأمم المتحدة بطريقة التعذيب الصيني باستخدام نقاط المياه ... يتعاطف معه أزنار ويعبر عن تفهمه ويقول: أزنار: أنا أوافقك ولكن من المستحسن التمكن من احتساب أكبر عدد ممكن من الناس معنا .. عليك ببعض الصبر..
 
بوش: إن صبري قد نفذ .. لن أنتظر بعد منتصف شهر مارس.
 
أزنار: أنا لا أسألك بالصبر بلا حدود . ولكن ببساطة أن تحاول عمل كل شيء ممكن حتى نتمكن من التوفيق بين المعطيات .."
 
خوزيه أزنار، رجل يعتنق المثل الكاثوليكية ويعتقد بحجج حقوق الإنسان كمبرر لإزالة صدام حسين، يجد نفسه على حد شفير سياسي: فتسعة أعشار الأسبان يعارضون الحرب وملايين منهم تظاهروا بشوارع مدريد في حالة صاخبة من الغضب والمعارضة، وهو فعلا يحبذ بشدة التحصل على قرار من الأمم المتحدة تجعل من الحرب مشروعا دوليا معتمدا وليس فقط "كإعتداء" أمريكي..
 
ويرد بوش على إلحاحه بالمزيد من الدبلوماسية بطريقة عنجهية مليئة بالتهديدات الموجهة إلى أعضاء مجلس الأمن فيقول: "دول مثل المكسيك والتشيلي وأنغولا والكاميرون يجب عليها أن تدرك أن أمن الولايات المتحدة هو المعرّض للخطر ويجب عليها التصرف بروح الصداقة تجاهنا" ثم يضيف مفترضا أن (خوزيه أزنار) لم يدرك ما يرمي إليه فيشرح لضيفه الأسباني ما سوف تعانيه كل دولة في حالة عدم تعاطفها مع الولايات المتحدة فيقول:
 
"على رئيس التشيلي، السيد ريكاردو لاغوس أن يعلم بأن اتفاقية التجارة الحرة مع بلده تنتظر مصادقة مجلس الشيوخ وفي حالة موقف سلبي من جانبه فقد يكون من شأن ذلك أن يعرقل التصديق على الاتفاقية .. بالنسبة لأنغولا فإنها تستلم منا أموالا عن طريق "صندوق الألفية" وقد تتعرقل الدفعات إذا لم يظهر موقفا إيجابيا .. أما السيد بوريس بوتين رئيس روسيا فعليه أن يعلم بأن سلوكه قد يؤثر على علاقات بلاده مع الولايات المتحدة.
 
مايثير الانتباه في هذا النص، ليس فظاظته وترفّّعه فقط بل كون أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتلفظ بهذه التهديدات مثل بطل فلم من أفلام المافيا .. وقد يكون راغبا في أن يقوم الزائر الأسباني بنقلها مباشرة إلى مختلف القادة، ولكن هو، كيف فشلت هذه الغطرسة فيما بعد فشلا ذريعا لسذاجتها. ... لم تغير أي من البلدان المهددة من قبل بوش من موقفها بخصوص قرار ثان من مجلس الأمن والذي في نهاية الأمر لم يتم تقديمه للتصويت حيث تبين أن هزيمة مشروع القرار المجيز لاستخدام القوة حقيقة مؤكدة، وجورج بوش بطريقته في إصدار التهديدات قام بفعل شيء لم يكن يجوز لأي رئيس ذو شأن أن يقوم به: لقد قام إصدار أمر لم يكن له أن يطاع وبالتالي أظهر جليّا حدود قدراته وسلطته (حرب العراق نفسها والتي كان المقصود منه أن تكون كذلك كمثابة عامل – صدمة وإرهاب – للعالم وخصوصا خصوم الولايات المتحدة، أدّت لنفس النتيجة التي خلصت إليها مجهودات جورج بوش).
 
ومع هذا التبجح والصخب تأتي الثقة والزهو بالنفس، يقول خوزيه أزنار " هنالك إمكانية أن يقبل صدام حسين بالذهاب إلى المنفى .. والنجاح الأكبر سيكون في كسب اللعبة بدون إطلاق قذيفة واحدة" .. وهنا يرد الرئيس بوش "المصريون يقولون بأن صدام حسين قد أشار بأنه مستعد للذهاب إلى المنفى في حالة السماح له بأخذ مليار دولار وكافة معلومات أسلحة الدمار الشامل التي يريدها" .. وهنا يسأل أزنار فيما إذا كان هنالك أية "ضمانات؟" – من المفترض ضمانات ضد الملاحقة أو التسليم – وهنا يجيب بوش " لا ضمانات .. إنه لص وإرهابي ومجرم حرب ... إذا قارنّاه بميلوسوفيتش يوغوسلافيا فسيكون ميلو كالقديسة تيريزا"
 
من الصعب الجزم فيما إذا كان صدام حسين فعلا يوافق على خيار المنفى وترك العراق، المصريون والسعوديون وغيرهم كانوا يطرحون فكرة المنفى نظرا لمصلحتهم في ترك صدام العراق وبقاء بنية السلطة السنّية في مكانها، ومن المستحيل تصور أن صدام كان سيقبل بذلك بدون شكل ما من أشكال الضمان، وهي إمكانية أقفل الباب في وجهها ...
 
ما يحظى بأهمية كبرى في هذه الفقرة وربما في كامل نص المحضر، هو ما تكشف عنه بخصوص شخصية وطباع جورج بوش، ففي لحظة يهدد ويصخب وفي اللحظة الثانية يتكلم بصوت خاشع نابع من شعوره بأنه على حق وبأنه ملهم "بحس مسؤولية تاريخية" ...
 
"بعد بضع سنوات من الآن، سيتولى التاريخ الحكم علينا، أنا لا أريد الناس أن يسالوا أنفسهم لماذا بوش أو أزنار أو بلير لم يتحملوا مسؤولياتهم، في النهاية ما يريده الناس هو التمتع بالحرية، منذ وقت ليس ببعيد في رومانيا تذكرت حالة تشاوسيسكو، لم يلزم الأمر سوى إمرأة واحدة عندما قالت له بأنه "كذّاب" .. وانهار كامل النظام القمعي وسقط .. هذه هي قوة الحرية التي لا يمكن إيقافها .. أنا مقتنع تمام الافتناع بأنني سوف أحصل على القرار الذي أريد من مجلس الأمن .."
 
ولكن ذلك يحدث، لم يتحصل على "قراره" رغم قناعته الكاملة بذلك، فلا التشيلي ولا أنغولا أو روسيا كانت مستعدة لتغيير تصويتها .. سواء بالتهديد أو بغيره، هنالك فرق شاسع ما بين كون الشخص متأكد وبين كونه على حق، فقناعة بوش في هذا المضمار أو في غيره، لم تتأتّى من تحليل مستقل للحقائق بخصوص مصالح ونوايا الدول المتعلقة بالمسألة، ولكن تكونت لديه من نبع إيمان غزير لديه، لقد اختلط عليه الأمر وشاب اللبس مجادلته ومهما كانت هذه رافعة لمعنوياته إلا أن الحقيقة الواقعة غير ذلك.
 
أما خوزيه أزنار الأوروبي المثقف فإنه يعلق بقلق على هذا، في ساعة درامية بتلك الأمسية في المزرعة بكراوفورد، يكاد المرء أن يشاهد من خلال مطالعتها عقد الحواجب:
 
يقول أزنار "الشيء الوحيد الذي يقلقني حول هذه المسألة هو تفاؤلك"
 
بوش: "أنا إنسان متفائل لأنني أرى نفسي على حق، أنا في سلام مع نفسي، الأمر يرجع إلينا لكي نواجه التهديد الوشيك للسلام"
 
صحيح إنه أمر مقلق كما يقول أزنار، أي الاعتماد على التفاؤل المبني فقط على الإيمان، لقد كان الأسباني يعلم بأن التمكن من الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن وبالتالي إضفاء الشرعية الدولية البالغة الحساسية على الحرب، سيكون أمرا صعبا جدا، ففي العديد من البلدان، شن الحرب على العراق خصوصا قبل أن ينهي مفتشي الأمم المتحدة عملهم سيكون أمرا لن يحظى بأية شعبية على الإطلاق.
 
الإيمان والاعتقاد لا يمكن لهما أن يحلا محل الحقائق، ولا يستطيع ذلك حتى الحس بمهمة ذات أهمية تاريخية، قد تكون هذه المشاعر مطمئنة شخصيا، هي كذلك لجورج بوش ولكنها لا تطمس الحاجة لمعرفة الأمور.
 
أتى جورج بوش لمقعد السلطة وهو لا يعرف إلا القليل عن العالم، لم يسافر خارجا إلا لماما، لم يعرف شيئا عن الكيفية التي تعمل بها السياسة الخارجية والدبلوماسية. وبعد ذلك بسنتين، بعد هجومات الحادي عشر من سبتمبر وظهوره "كما يصف نفسه" - رئيس حرب – تبين له أن النقص في المعرفة ليس نقيصة كبيرة ولكنه ربما حتى مدعاة قوة: كونه لا يحتاج لأن يعرف الأمور لكي يؤمن بأنه على حق ولكي يكون في حالة سلام مع نفسه، لقد قام بإعادة تحديد تعريف نقطة ضعفه - أي عدم معرفته وقلة خبرته- على أنها قوته الوحيدة. إنه يعتقد بانه على حق، الأمر يتعلق بالأجيال والقدر والحرية!: "إن الأمر يرجع إلينا لمواجهة التهديد الوشيك على السلام" .. بالنسبة لبوش، الإيمان والقناعة وشعور محسوس بالقدر – وليس حقائق أو معرفة- هي الضرورات اللازمة للقيادة" {2}
 
وهكذا .. السيد بوش واثق! .. واثق من كسبه لقرار ثان من مجلس الأمن لإضفاء الشرعية على الحرب، واثق لأننا " نحن نطور حزمة قوية من المساعدات الإنسانية" .. بأن "هنالك أساس طيب لمستقبل أفضل للعراق بعد " صدّام" بالطبع، وفي هذه اللحظة التي يخبر فيها رئيس الوزراء الأسباني بأشياء في كراوفورد تكساس، كان التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في واشنطن في منتهى الفوضى، لم يكن منه سوى القليل ولكن هنالك الكثير من الارتباك والحرب الضروس ما بين أقطاب وزارة الخارجية ووزارة الدفاع.
 
خطة "حكم العراق" فيما بعد صدام حسين لا توجد، كافة النقاشات أصيبت بالشلل بسبب نزاع مرير ما بين المسؤولين في البنتاغون ووزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات الأمريكية ولن يتمكن الرئيس من حل هذا النزاع أبدا، يقول بوش لخوزيه أزنار بأن "المجتمع المدني" في العراق يعتبر قوي نسبيا، ولكنه سرعان ما يتحول إلى أنقاض بفعل النهب والفوضى التي تلت دخول الجنود الأمريكيون لبغداد، أمّا "البيروقراطية" الجيدة التي يتفاخر بها في العراق فسيتم تدميرها بسرعة عن طريق برنامج "اجتثاث" البعث التي أمر به نائب الملك في العراق بريمر ومن شبه المؤكد أن الرئيس بوش لم يقم بالتصديق على هذا الأمر، والجيش العراقي الذي قرر بوش بأنه سيتم الحفاظ عليه في بداية شهر مارس لكي يستخدم في إعادة البناء، وبدلا عن ذلك يتم حله قبل الأوان المناسب مما أدى إلى الكارثة.
 
ليس هناك من دليل فيما إذا كانت هذه التحولات عن خطة الرئيس المختارة قد خففت من تفاؤله أو إيمانه، أو حتى دفعته لمحاولة اكتشاف ما حدث بالضبط، فعندما قام آخر كاتب لسيرة حياة بوش (روبرت درابر) بسؤاله لماذا لم يتم الحفاظ على الجيش العراقي كما كان قد قرر، أجاب بوش " أيوه .. أنا لا أستطيع التذكر .. أنا متأكد بأني قلت ذلك، كانت تلك هي السياسة.. ماذا حدث ؟ {3}
 
"كانت هذه هي السياسة .. ماذا حدث؟" .. إن هذه الجملة بمثابة عنوان فرعي لتاريخ حرب العراق، صحيح أن الإنسان يستطيع أن يفعل ما هو أسوأ، رئيس وزراء أسبانيا سقط ورحل عن الكرسي، بعدما تم إضعافه بصورة مميتة لدعمه حرب العراق وفشله في استصدار قرار من الأمم المتحدة لدعمها، بعد سنة من بدء الحرب، استهدف "الجهاديون" محطة قطارات في مدريد وقتلوا فيها حوالي المائتين من الأسبان مما أدى لهزيمة رئيس الوزارء في الانتخابات، توني بلير النجم اللامع في "مذكرة داوننغ ستريت" رحل هو الآخر، انخفضت شعبيته بسبب دعمه المتين للحرب.
 
جورج بوش من ناحية أخرى، وبعد خمس سنوات تقريبا من شنه لحربه، لا يزال واثقا من النصر، كما كان واثقا بأنه سيحرز قرارا ثانيا من الأمم المتحدة، ولا توجد علامات تدل على أن ثقته هذه لا تزال متجذرة في الواقع الآن بأكثر مما كانت قبل .. وبدلا عن الواقع لدينا الإيمان (بنفسه) وفي الإله وفي " القوة التي لا أحد يستطيع إيقافها .. الحرية البشرية"، جورج بوش لا يزال حسب ما يقال لنا " في حالة سلام مع نفسه"
 
نص محضر كراوفورد
 
فيما يلي النص الكتابي الكامل لمحضر المحادثة ما بين جورج بوش وخوزيه أزنار في كراوفورد بولاية تكساس بيوم 22/2/2003، وهي ترجمة عن النص المنشور في صحيفة الباييز الصاردة في مدريد بتاريخ 26/9/2007.
 
الرئيس بوش: نحن نؤيد الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن ونود أن يتم ذلك بسرعة، نرغب الإعلان عنه الاثنين أو الثلاثاء (أي 24 فبراير 2003).
 
خوزيه أزنار رئيس وزراء أسبانيا: من المفضل أن يكون ذلك يوم الثلاثاء بعد اجتماع مجلس الشؤون العامة للاتحاد الأوروبي، إنه أمر مهم الحفاظ على الزخم الذي سيتحقق بقرار الاتحاد الأوروبي في اجتماع القمة (في بروكسل يوم الاثنين 17 فبراير). نحن نفضل الانتظار إلى الثلاثاء.
 
بوش: ممكن أن يكون ذلك الأثنين بعد الظهر، محتسبين فرق التوقيت، وعلى أي حال الأسبوع القادم، نحن ننتظر قرارا يحرر بطريقة لا يضمّن فيه عناصر إلزامية، ولا يشير إلى استخدام القوة وبأن صدام حسين غير قادر على الوفاء بالتزاماته .. مثل هذا الأسلوب في تحرير القرار يمكن أن يصوت عليه بالموافقة العديد من (الدول) .. وسيكون مشابها للقرار الذي اتخذ خلال أزمة كوسوفو (بيوم 10 يونيو 1999).
 
أزنار: هل سيقدم المشروع لمجلس الأمن قبل وبمعزل عن إعلان موازي من المجلس؟
 
كونداليزا رايس: في الوقع لن يكون هناك إعلان مواز، نحن نفكر بقرار يمكن أن يكون بسيطا بقدر الإمكان، بدون الكثير من التفاصيل عن عدم وفاء صدام حسين بالتزاماته وهو ما قد يمكنه استخدامه (كعذر للتعطيل عن طريق ) مراحل وبالتالي سيخلّ بها، نحن نتكلم مع هانس بليكس (رئيس مفتشي الأمم المتحدة) وغيره من أعضاء طقمه للحصول على أفكار قد تساعدنا في تقديم مشروع القرار.
 
بوش: صدام حسين لن يتغير وسوف يستمر في القيام بألعابه، الوقت قد حان للإطاحة به، هذا هو الأمر! .. بالنسبة لي .. سأحاول من الآن فصاعدا استخدام الجدل المهذب بقدر الممكن بينما نحن نحاول الحصول على اعتماد للقرار المقترح، إذا قام أي طرف باستخدام حق الفيتو (روسيا والصين وفرنسا وأمريكا وبريطانيا لديها الحق في استخدام حق الفيتو)، في هذه الحالة سوف نذهب (إلى الحرب) ... صدام حسين لا يريد نزع أسلحته، علينا اصطياده الآن ... حتى الآن أظهرنا مقدارا غير معقول من الصبر .. هنالك أسبوعين فقط. .. في خلال أسبوعين سنكون مستعدين، أعتقد بأننا سنحصل على القرار الثاني من الأمم المتحدة، في مجلس الأمن، لدينا ثلاثة أفارقة (الكاميرون وأنغولا وغينيا) ثم لدينا التشيليين والمكسيكيين، سوف أتحدث معهم كلهم، وكذلك مع بوتين بالطبع، سوف نكون في بغداد بنهاية شهر مارس، هناك فرصة 15% بأن صدام حسين سيكون إما ميتا أو هاربا، ولكن هذه الإمكانيات لن تتحقق إلا إذا قمنا بإظهار عزمنا، المصريون يتكلمون مع صدام حسين، ويبدو بأنه أشار إلى أنه قد يكون راغبا بالذهاب إلى المنفى إذا ما سمح له بأخذ مليار دولار معه، وكافة المعلومات التي يرغب فيها عن أسلحة الدمار الشامل، .. حسني مبارك يقول بأنه في هذه الظروف هنالك الكثيرمن الاحتمالات بأنه قد يتعرض للاغتيال. ... نحن نريد العمل بموجب تفويض من الأمم المتحدة، وإذا قمنا بعمل عسكري فسنقوم به بدقة متناهية وتركيز عن قرب على أهدافنا، سوف نقوم بالقضاء على الجنود الموالين له وسوف يعلم الجيش النظامي بسرعة كيف تجري الأمور، لقد أرسلنا رسالة واضحة كل الوضوح لجنرالات صدام حسين/ سوف نعاملهم كمجرمي حرب، نحن لدينا معلومات بأنهم حشدوا كميات كبيرة من المتفجرات لتفجير الجسور وغير ذلك من البنية التحتية، ولينسفوا آبار النفط، لقد خططنا لاحتلال هذه الآبار بسرعة.
 
السعوديون سيقومون بمساعدتنا عن طريق ضخ أي كمية نفط إضافية حسب ما يقتضيه الأمر في السوق، نحن نطوّر حزمة كبيرة من المساعدات الإنسانية، نحن نستطيع الانتصار بدون تدمير، نحن الآن نقوم فعلا بوضع برنامج لما ستكون عليه العراق بعد صدام حسين، وأنا أعتقد بأن هنالك أساسا جيدا لمستقبل أفضل، العراق لديه بيروقراطية جيدة ومجتمع مدني قوي نسبيا، من الممكن تأسيسها على شكل اتحاد فدرالي، في هذه الأثناء نحن نقوم بما نستطيع لتلبية الحاجات السياسية لحلفائنا وأصدقائنا.
 
أزنار: من المهم جدا (القدرة على) الاعتماد على هذا القرار، ليس نفس الشيء التصرف بدونه، سيكون من المناسب جدا الاعتماد على الأغلبية في مجلس الأمن بحيث تدعم هذا القرار، في الواقع الحصول على أغلبية أكثر أهمية من كون أحدهم يقوم باستخدام حق الفيتو، نحن نعتقد بأن القرار يجب أن ينص على أن صدام حسين فقد فرصته .. إلى جانب عناصر أخرى.
 
بوش: نعم بالطبع ... سيكون ذلك أفضل من الإشارة إلى " كافة الوسائل الضرورية" .. {هنا يشير بوش إلى صيغة القرار الاعتيادية لمجلس الأمن عندما يخول استخدام القوة حيث يشار إلى استخدام كافة الوسائل الضرورية}
 
أزنار: صدام حسين لم يتعاون، لم يقم بنزع أسلحته، علينا أن نحرر موجزا عن اختراقاته ونرسل رسالة أكثر وضوحا، بحيث يكون من شأنها على سبيل المثال إتاحة الفرصة للمكسيك بعمل شيء ما (إشارة إلى التغير بموقفها حيث أن أزنار سمع بنفسه من الرئيس فسينتي فوكس يوم الجمعة المنصرم 21 فبراير خلال زيارة له للعاصمة المكسيكية)
 
بوش: القرار يجب أن يفصّل لمساعدتنا بقدر الإمكان، أنا لا تعنيني كثيرا القارة الأوروبية.
 
أزنار: سوف أرسل لك بعض النصوص.
 
بوش: ليس لدينا أي نص محدد، فقط شرط واحد، صدام حسين يقوم بنزع سلاحه، نحن لا نستطيع السماح لصدام حسين بالمماطلة حتى نهاية الصيف، في نهاية الأمر كان لديه أربعة أشهر في هذه المرحلة النهائية، وهذا أكثر من كاف لنزع سلاحه.
 
أزنار: النص سوف يساعدنا على تبنيه ويجب أن يكون مشترك الإعداد (من أكثر من دولة) حتى يقنع أكبر قدر بتبنيه.
 
بوش: ممتاز
 
أزنار: الأربعاء القادم (26 فبراير) سوف أقابل شيراك، ويمكننا توزيع القرار عندئذ.
 
بوش: هذا يبدو لي جيدا، شيراك يعرف الواقع جيدا، أجهزة مخابراته شرحت له ذلك، العرب يرسلون رسالة واضحة لشيراك: صدام حسين يجب أن يذهب، المشكلة هي كون شيراك يعتقد بأنه (المستر عرب) وفي الحقيقة إنه يجعل الحياة مستحيلة لهم ... ولكن أنا لا أريد أي منافسة مع شيراك، أبلغه أطيب تحياتي .. كلما قلّ شعوره بالمنافسة بيننا كل ما كان ذلك جيدا لنا جميعا.
 
أزنار: كيف يمكن إدماج تقرير المفتشين والقرار معا ؟
 
كونداليسا رايس: في الواقع لن يكون هناك تقرير بتاريخ 28 فبراير، المفتشين سيقدمون تقريرا مكتوبا بيوم 1 مارس، وظهورهم أمام مجلس الأمن لن يتم قبل يوم 6 أو 7 مارس 2003، نحن لا نتوقع الكثير من التقرير، مثله مثل التقارير السابقة سيكون ستة من واحد ونصف دستة من الأخر. أن لدي الانطباع بأن هانس بليكس الآن أكثر سلبية من قبل بخصوص النوايا العراقية، عندما يظهر المفتشون أمام مجلس الأمن علينا استباق التصويت على القرار بأسبوع بعده، في هذه الأثناء العراقيون سيحاولون شرح أنهم يوفون بالتزاماتهم، وهذا لا هو صحيح ولا كاف، حتى في حالة أن يعلنوا تدمير بضع صواريخ.
 
بوش: هذا يشبه التعذيب على الطريقة الصينية، علينا أن نضع حدا لهذا.
 
أزنار: أنا أوافق، ولكن سوف يكون من المستحسن أن نتمكن على ضم أكثر عدد ممكن، عليك ببعض الصبر.
 
بوش: صبري نفذ، لن أنتظر فيما وراء منتصف مارس.
 
أزنار: أنا لا أسألك صبرا لا ينفذ، فقط أن تفعل كل ما هو ممكن حتى نتمكن من ترتيب كل الأمور.
 
بوش: بلدان مثل المكسيك والتشيلي وأنغولا والكاميرون عليها أن تعرف بما هو الأمر، إن الأمر يتعلق بأمن الولايات المتحدة وعليها التصرف بطريقة ودية تجاهنا.
 
الرئيس التشيلي ريكاردو لاغوس، عليه أن يعرف بأن اتفاقية التجارة الحرة لا تزال قيد التداول للتصديق عليها وفي حالة موقف سلبي على هذه القضية قد يكون من شأنه عرقلة التصديق، أنغولا تستلم أموالا منا عن طريق حساب الألفية وقد يمكن أن يتعرقل هذا إذا لم يبدوا موقفا إيجابيا نحونا، وبوتين روسيا عليه أن يعرف بأن موقفه يخل بالعلاقات ما بين الولايات المتحدة وروسيا.
 
أزنار: توني بلير يرغب في تقديم الموعد إلى يوم 14
 
بوش: أنا أفضل يوم 10، إن هذا يشبه الشرطي الطيب والشرطي الخبيث، أنا لا امانع في دور الشرطي الخبيث ويقوم بلير بدور الشرطي الطيب.
 
أزنار: هل صحيح أن هنالك إمكانية أن يذهب صدام حسين إلى المنفى ؟
 
بوش: نعم الإمكانية موجودة، حتى وإن كان سيتم اغتياله.
 
أزنار: منفى مع بعض الضمانات ؟
 
بوش: لا ضمانات، إنه لص وإرهابي ومجرم حرب، وإذا قمنا بمقارنته مع ميلوسيفتيش سيكون الأخير مثل القديسة تيريزا، عندما نذهب إلى هناك سوف نكتشف العديد من الجرائم وسوف نأخذه إلى المحكمة الدولية في لاهاي، صدام حسين يعتقد بأنه تمكن فعلا من الإفلات بجلده، إنه يعتقد بأن فرنسا وألمانيا توقفتا عن تحميله المسؤوليات، إنه يعتقد كذلك بأن مظاهرات الأسبوع الماضي (15 فبراير) سوف تحميه، ويعتقد بأنني أصبحت ضعيفا، ولكن الناس حوله يرون أن الأمور تختلف عن ذلك، إنهم يعرفون بأن مستقبله هو المنفى أو التابوت، ولهذا السبب من المهم جدا أن نحافظ على الضغط عليه
 
أزنار: في الواقع، أكبر نجاح نستطيع إنجازه هو الانتصار بدون إطلاق قذيفة واحدة عند ذهابنا إلى بغداد.
 
بوش: بالنسبة لي سيكون ذلك الحل الأمثل، أنا لا أريد الحرب، أنا أعرف ما هي الحروب، أنا أعرف الدمار والموت الذي يتأتي منها، أنا الذي سيقع على حمل مواساة أمهات وأرامل الموتى، بالطبع بالنسبة لنا سيكون ذلك هو أفضل حل .. إلى جانب أن ذلك سيوفر لنا خمسين مليار دولار.
 
أزنار: نحن في حاجة لمساعدتكم بخصوص الرأي العام لدينا.
 
بوش: سنعمل كل ما يمكننا، يوم الأربعاء سأتحدث عن الوضع بالشرق الأوسط وسأقترح إطار جديد للسلام كما تعرف، وكذلك عن أسلحة الدمار الشامل ومزايا المجتمع الحر وسوف أضع تاريخ العراق في سياق أوسع .. ربما يساعدك ذلك.
 
أزنار: ما سنقوم به سيكون تغييرا جذريا لأسبانيا والأسبانيين، نحن نغيّر السياسات التي اتبعتها بلادنا على مدى المائتي سنة الماضية.
 
بوش: أنا أيضا ملهم بحس المسؤولية التاريخية مثلك، عندما تمر السنين سوف يحكم علينا التاريخ، أنا لا أريد الناس سؤال أنفسهم لماذا بوش أو أزنار أو بلير لم يواجهوا مسؤولياتهم، في النهاية ما يريده الناس هو التمتع بالحرية، منذ زمن ليس ببعيد تذكرت ذلك في رومانيا، رأيت مثال تشاويسكو، لم يكن الأمر يحتاج أكثر من صراخ إمرأة تقول له: أنت كذّاب! حتى تهاوي كامل نظام القمع، هذه هي قوة الحرية التي لا يمكن إيقافها، أنا مقتنع بأنني سوف أتحصل على القرار الذي أريد.
 
أزنار: سوف يكون ذلك أفضل شيء.
 
بوش: لقد اتخذت القرار بالذهاب إألى مجلس الأمن، على الرغم من المعارضة في إدارتي، لقد أخبرت رجالي بأنه يجب العمل مع أصدقائنا، سيكون رائعا أن نتحصل على قرار ثاني.
 
أزنار: الشيء الوحيد الذي يقلقني عنك هو تفاؤلك.
 
بوش: أنا متفائل بطبعي، لأنني أعتقد بأني على حق، أنا في سلام مع نفسي، الأمر يرجع لنا لمواجهة أي تهديد جدي للسلام، أنا منزعج جدا عندما أتأمل في عدم اكتراث الأوروبيين بما يقاسيه العراقيين من صدام حسين، ربما لأنه قاتم البشرة وبعيد ومسلم لذلك يعتقد الأوروبيين بأن كل شيء على ما يرام عنده، أنا لن أنسى سؤال خافير سولانا (سكرتير الحلف الأطلسي السابق): لماذا نحن الأمريكيين نعتقد بأن الأوروبيين معادين للسامية وغير قادرين على مواجهة مسؤولياتهم، إن هذا الموقع الدفاعي شيء رهيب، على أن أقر بأن لدي علاقة رائعة مع كوفي عنان.
 

هوامش:
 
{1} مشاورات (ديرلوف) رئيس الاستخبارت البريطانية جرت بتاريخ 20 يوليو 2002 في واشنطن بمقر الاستخبارات الأمريكية المركزية، ولقد تحدث عن اجتماع "لمجلس حرب" بريطاني في الوزارة بشارع داوننغ ستريت عقد بعد ثلاثة أيام، أنظر كتاب مارك دانر (الطريق السري للحرب: مذكرة داوننغ ستريت) وكذلك (تاريخ حرب العراق الدفين) – نيو يورك بوك ريفيو. 2006.
 
{2} وليس ذلك لجورج بوش فقط، سحر القيادة وتغليب الاعتقاد والإيمان على الحقائق جذب أيضا في مساره كونداليزا رايس، فهاهي على سبيل المثال تقوم بالتدخل الغريب في المحادثات وتطمئن الرئيس بوش ورئيس الوزراء الأسباني بأنه لديها "انطباع" بأن هانس بليكس رئيس مفتشي الأمم المتحدة والذي سيقدم تقريره الأسبوع التالي بأنه سيكون "سلبيا أكثر من السابق بخصوص نوايا العراقيين" وفي الواقع الذي حدث كان العكس، هانس بليكس أخبر مجلس الأمن بأن "المهام الرئيسية لنزع السلاح يمكن إنجازها ليس في خلال سنوات أو أسابيع بل بضعة شهور" .. وهذا ما قاله هانز بليكس لمجلس الأمن بيوم 7 مارس 2003:
 
"كم من الوقت سأستغرق لإنجاز المهام الرئيسية لنزع الأسلحة المتبقية؟ .. في نفس الوقت الذي الذي يمكن فيه التعاون وفورا، نزع السلاح والتحقق منه لا يمكن أن يكون عملا فوريا، حتى مع موقف نشط من قبل العراقيين، الذي يمكن تحقيقه بضغط خارجي، فإن ذلك سيتغرق أيضا بعض الوقت للتحقق من المواقع والبنود، تحليل المستندات ومقابلة الأشخاص ذوي العلاقة ومن ثم استخلاص النتيجة .... لن يستغرق ذلك سنوات ولا أسابيع ولكن شهور" المفتشين والحكومات لا يريدون أن تستمر عملية التفتيش إلى الأبد، يجب علينا تذكر أنه طبقا للقرارات السائدة، نظام تفتيش مستمر ورقابة يجب أن يبقى في المواقع بعد التحقق من نزع السلاح وذلك لتوليد الثقة وإطلاق الإنذار إذا ما بدت أية علامات تشير إلى إعادة تنشيط أية برامج أسلحة ممنوعة.
 
خلاصة تقرير هانس بليكس لم تكن فقط "أكثر سلبية من قبل عن نوايا العراق" بل لقد اقترح بأن عمليات التفتيش لكل المواقع المشبوهة يمكن أن تنجز في بضعة شهور، الرئيس بوش بالطبع لا يرغب في الانتظار لأشهر، أو حتى أسابيع لكي تنتهي عمليات التفتيش الإضافية ... ماذا كان يمكن أن يحدث إذا وافق بوش على الانتظار؟ .. فمن ناحية، موافقة الإدارة الأمريكية في التأجيل قد كان يمكن له أن يضمن صفقة قد يمكن بموجبها دفع المزيد من الدول لتأييد نص "كافة الوسائل الضرورية" للتعامل مع صدام حسين، ومن ناحية أخرى عندما يعطي المفتشين المزيد من الوقت فلن يعثر على أية أسلحة وهو ما قد يؤدي الى أن تجادل الإدارة الأمريكية بأن عمليات التفتيش نفسها غير ذات جدوى .. ليس لإن الأسلحة لم توجد بل لأن زخم الحرب قد تم إحباطه.
 
{3} طبقا لصحيفة النيويورك تايمز في تقريرها عن الحوار: السيد جورج بوش اعترف بفشل واحد فقط خلال أوائل فترة احتلال العراق عندما تحدث عن حلّ الجيش العراقي من عهد صدّام قائلا "سياستا كانت ترتكز على عدم المس به .. وهذا لم يحدث" ولكن عندما أشار له المؤرخ (دريبر) بأن حاكم العراق السابق بول بريمر أقدم وأجبر الجيش على الحلّ والإلغاء وساأه كيف كان رد فعله عن هذا العمل، أجاب بوش ".. أيوه .. أنا لا أستطيع التذكر ... أنا متأكد بأني قلت هذه هي سياستا، ماذا حدث؟" .. ولكنه أضاف " مرة أخرى (هادلي لديه ملاحظات عن كل هذه المسائل" وكان يشير هنا إلى ستيفن هادلي مستشاره لشؤون الأمن القومي.
 

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:
 

 
 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة