25/05/2008
 

كلمة أخيرة ...
 
بقلم: جمال سلطان - موقع "المصريون"

 
ستون عاما ونحن شعوب مسحوقة تحت أحذية الطغاة والزعماء والمغامرين باسم النضال وتحرير فلسطين والمقاومة ، ثم نعود بعد كل "هوس" بزعيم لنتجرع مرارة الخيبة والذهول والإحباط ، بعد انكشاف أننا بعنا كرامتنا وحريتنا وعقلنا وحتى حقنا في الحياة من أجل "مغامرين" يبحثون عن مجد شخصي أو مطامع قبلية أو طائفية ، ستون عاما والسجون والمعتقلات تفتح أقبيتها وزنازينها لابتلاع أعمار أجيال من خيرة أبناء الأمة ليغيبوا في هذه القبور عشرات السنين على خلفية خلاف مع الزعيم والقائد والبطل والمقاوم ، والاتهام على رقابهم قائم بالعمالة والخيانة وعداء النضال والثورة والقائد، ستون عاما والمشانق تنصب في بلاد العرب كاحتفاليات شهرية أو سنوية لعشرات الشرفاء والأنقياء والأتقياء تحت ستار تصفية الخونة والعملاء وأعداء الوطن/الزعيم وباسم إخراس أصوات التخاذل والمهادنة مع العدو ، ستون عاما وتلك الأمة المنكوبة بالزعماء والمقاومين والمغامرين تنتكب وتنتكس عاما بعد عام ويتم تخريب مقومات الحياة والنهوض باسم حماية المقاومة وحماية النضال ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، ثم ينفض كل مولد نضالي لنتجرع الحسرة والإحباط ونحاول الوقوف على أقدامنا من جديد ، بانتظار مغامر جديد ، ستون عاما ونحن شعوب بلا حرية وبلا كرامة وبلا أمن وبلا أمل وبلا صوت ، لأن الحرية والكرامة والصوت والأمن والأمل كلها وقف على الزعيم والبطل والرمز الواحد الوحيد ، وبقية الخلق تحت حذائه متساوون ، لم تعذب الشعوب العربية طوال أكثر من نصف قرن على يد جلادين ولا حتى على بد احتلال أجنبي بمثل ما عذبت باسم "المقاومة" وباسم الصمود والتصدي للعدوان ، لم يسجن أو يعتقل أو يقتل من النخبة العربية والناشطين من كل الاتجاهات والألوان مثلما سجنوا وقتلوا تقتيلا على يد "المناضلين" والزعماء الأشاوس الذين رفعوا راية التصدي للعدوان ومقاومة العدوان ، لم تنتكس بلاد العرب ويخرب اقتصادهم وتدمر أي فرص للتنمية مثلما حدث في ظل أنظمة ومشاريع تنتسب إلى المقاومة وردع العدوان ، لم يحدث انقلاب مسلح في تاريخ العرب الحديث حتى لو كان عائليا بدون أن يتمسح في المقاومة وفي تحرير فلسطين ، لم يضع من بلاد العرب من الأرض والعرض والكرامة مثلما ضاع على أيدي النظم التي كانت ترفع راية المقاومة ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، لم تعرف بلاد العرب دكتاتوريات واستبداد سياسي بأبشع وأفظع مما عرفته في ظل النظم التي رفعت شعارات المقاومة وردع العدوان ، لم تعرف بلاد العرب تاريخا من سحق الإنسان وتهميش المواطن واستباحة كرامة الوطن كله تحت أحذية القائد والزعيم مثلما حدث في ظل أنظمة أو تنظيمات حملت شعارات المقاومة والممانعة وتحرير فلسطين ، ولم تعرف بلاد العرب شيئا اسمه "المعارضة السياسية" طوال تلك الحقب الكئيبة التي هيمنت فيها نظم وتنظيمات تتمسح في المقاومة والممانعة ، بل إنه لم يكن هناك أصلا تصور وجود شيئ اسمه "معارضة" لأن كل مخالف أو مختلف مع الزعيم والقائد والمقاوم هو عميل ومرتشي ومتصهين ومتأمرك ومن الكلاب الضالة أيضا ، والحقيقة أن الميزة الوحيدة في تلك المحن السوداء المتتالية ، والتي يتم فيها تغييب العقول وسيادة الديماجوجية والتهريج السياسي ، هي أنها تكشف عن الحقيقة الثابتة ، وهي أن فلسطين بقيت وستبقى هي القضية المركزية لهذه الأمة ، هي الخيال الآسر ومفتاح السلام الذي لن يتخلى عنه أي عربي أو مسلم تحت أي ظرف أو شرط كان ، وأنها ـ رغم محاولات قبرها وخلعها من وجدان الأجيال الجديدة ـ بقيت وستبقى هي أهم وأخطر ملفات العرب والمسلمين سواء على مستوى العلاقة بين نظم الحكم والشعوب ، أو بين العالم العربي والغرب ، وتبقى آمال الأمة حية ونابضة دائما بأشواق التحرير وتطهير الأرض من أسوأ استعمار استيطاني في التاريخ الحديث ، ولكني أعتقد جازما ، أن تحرير فلسطين لن يكون إلا بتحرير العقل العربي والإرادة العربية من أسر الدجل الذي يمارسه محترفو الحديث عن المقاومة ، وأن تكون لدينا القدرة على مقاومة عمليات تغييب العقل التي يمارسها نظم حكم وتنظيمات وميليشيات وأصحاب طموح شخصي وطائفي ، باسم المقاومة وباسم فلسطين ، الأحرار وحدهم هم الذي يحررون فلسطين، ومن حق الأمة جميعها بل من واجبها أن تناقش وتسأل وتحاكم أي شخص مهما كان خطابه آسرا ومهما كان ادعاؤه السياسي ، ومهما كان صراخه ضد الأمريكان والصهاينة والعملاء ، لا نسلم عقولنا لأصحاب الخطب الرائعة والمدغدغة للمشاعر من جديد ، يكفينا خراب ستين عاما ، سلمنا فيه عقولنا للزعماء والخطباء باسم المقاومة والتحدي والممانعة فورثونا الخراب والدمار والتخلف والقمع والديكتاتورية والمعتقلات وسحق الآدمية ثم اكتشفنا بعد كل هذا الثمن أنهم باعوا فلسطين وباعونا معها ، لن نقبل أن نعود من جديد حيوانات تجارب بافلوف الشهيرة ، لن نسلم عقولنا لأحد ، لأننا نريد الحرية والتحرير، لنا وللأمة ولفلسطين.
 
gamal@almesryoon.com
 
 
نقلا عن موقع: المصريون (21-5-2008)
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com