07/09/2008

 

 
مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الثاني (3)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي - 1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (رمضان 1429 هجري – 2008 - ميلادي)
 

راجع الحلقات السابقة
 

 
ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي
 
(( رجوع السيد أحمد الشريف إلى الكفرة ))
 
بعد التشاور مع الشيخ (أحمد الريفي) وإخوانه السادة السنوسية والإخوان، قرر السيد أحمد الشريف العودة برفقة العائلات إلى (الكُفْرَة) نظراً لتصاعد وتيرة الحرب بين الليبيين والفرنسيين، وقد أختار السيد أحمد الشريف الشيخ (محمد السني) أحد كبار الإخوان السنوسيين شيخاً على زاوية (قرو) بتشاد ليكون نائباً عنه في إدارة أمور الجهاد؛ وقد ظل السيد (أحمد الريفي) فترة بسيطة بعد ارتحال العائلات قم لحقهم حاملاً معه تابوت الإمام (محمد المهدي السنوسي) وكذلك تابوت ابنه (محمد الريفي) والذي توفي بمنطقة (قرو) أيضا.. وكان وصوله الكفرة عام 1321 هجري - 1903 ميلادي. وبعد وصوله بالتابوتين أمر بدفن ابنه (محمد أحمد الريفي) في مقابر المسلمين؛ أما جثمان الإمام (محمد المهدي) فقد اختاروا له ركناً في المسجد ليكون مثواه الأخير وعملت له مقصورة مخصوصة ورتبوا له أميناً وقيماً خاصاً.
 
أما السيد أحمد الشريف فقد استأنف نشاطه ليل نهار وأخذ في إرسال الإمدادات والمؤن والأسلحة إلى المجاهدين بتشاد طيلة ثمانية أعوام حتى آخر عام 1329 هجري – 1911 ميلادي.
 
(وفاة السيد أحمد عبد القادر الريفي)
 
لقد كان السيد (أحمد عبد القادر الريفي) هو الإمام والمستشار الخاص للسيد أحمد الشريف السنوسي ومرجعه في كل صغيرة و كبيرة ؛ حتى كان شهر رمضان من هذه السنة حيث اختار المولى - سبحانه وتعالى – الشيخ (أحمد الريفي) إلى جواره، ففقد السيد احمد الشريف والسادة السنوسيون وإخوانهم و عموم الأتباع و أهل الوطن تلك الشخصية الفذة المحبوبة النزيهة المباركة مرجع الكل وبقية الإخوان السنوسيين الذين كرسوا حياتهم و أوقفوها على خدمة الحركة السنوسية، والسيد أحمد الريفي هو ذاك الشخص الوحيد الذي خدم الحركة السنوسية في أدوارها الثلاثة أي مدة مؤسس الدعوة السنوسية الإمام العظيم شيخه السيد (محمد بن علي السنوسي). ثم الدور الثاني وهو مدة الإمام السيد (محمد المهدي) و شقيقه السيد (محمد الشريف). ثم الدور الثالث وهو دور قيام السيد (أحمد الشريف) وتفره بالزعامة، وقد قضى السيد أحمد الريفي فترة زمنية تزيد على ستة وستين عاماً في المشاركة في إدارة دفة الأعمال إي منذ تاريخ انتسابه و التحاقه بالإمام محمد بن علي السنوسي عام 1263 هجري - إلى وفاته يوم 9 – رمضان – 1329 هجري – سبتمبر 1911 ميلادي. رحمه الله ورضي عنه وأثابه على جليل أعماله و نفعه للمسلمين خير الجزاء وانزله أعلى درجات الجنان بجوار سيد ولد عدنان آمين. ولقد كانت وفاته صدمة ونكبة وخاصة على الخليفة السيد أحمد الشريف لأنه كان ملجأه عند المعضلات ، كما كان أباً و مرجعاً لعموم أفراد العائلة السنوسية ولعموم الإخوان السنوسيين وأتباعهم، وكان الجميع لا يخالفون له أمراً ولا يعارضون له رأياً إذ كانوا ينظرون إليه بعين التجِلَة والإكبار، وكان بحق إماماً كاملاً في مختلف العلوم العقلية والنقلية وحجة زمانه.. ولقد اشتهر بين الجميع بعلو القدر والمكانة وكرم الأخلاق وسعة الإطلاع ورحابة الصدر ولين الطبع مع صلابة في الحق، وبإختصار كان رحمة شاملة و نعمة عامة تغشاه الله برحمته الواسعة.
((اعتداء إيطاليا على ليبيا))
 
عقب وفاة السيد السيد أحمد الريفي مباشرة اعتدت إيطاليا الآثمة على ليبيا ولذلك فزع أهل برقة والإخوان السنوسيون إلى السادة السنوسية بواحة (الكُفرة) ليقفوا على رأيهم ويمتثلوا أمرهم بالمقاومة أو عمدها، فجمع الخليفة السيد (أحمد الشريف) جميع السادة السنوسية وعرض عليهم الأمر مستشيراً في المقاومة أو عدمها فكان الرأي بالإجماع هو "عدم المقاومة" لأنهم كانوا متعبين وخرجوا مرهقين من حربهم مع قوات فرنسا، وليس بأيديهم عدة حربٍ يقاومون بها، وقالوا "هذه دولة أوروبية قوية بمعداتها العظيمة وجيوشها الجرارة، وما دام أن تركيا بعظمتها قد عجزت عن مقاومتها و الوقوف في وجهها فأنى لنا الصمود والمواجهة "!
 
نعم إن ما ذكره السادة السنوسيون هو عين الحقيقة والواقع لأنهم كانوا مرهقين من حرب فرنسا في السودان ومتعبين من الرحلات و التنقلات في الصحارى القاحلة مع خلو أيديهم من مستلزمات الحرب؛ غير أن السيد (أحمد الشريف) القوي الإيمان بالله لم يُرَق له هذا الرأي فاشتط غضباً وقال كلمته المشهورة (والله نحاربهم ولو لوحدي بعصاتي هذه) فنزل الجميع عند رأيه الصائب.
 
أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه  موتُ فريص الموت منع ترًّعدُ
 
(( عزم القائد أحمد الشريف على الجهاد )) (*)
 
انفض المجلس وقد خرج منه السيد أحمد الشريف معلناً عزمه على الجهاد و مقاومة العدو المعتدي مهما كلفه الثمن وكيفما تكون العاقبة مادام أن الواجب يحتم عليه الذب عن الدين الحنيف أولاً ثم عن الوطن ثانياً ثم ثالثاً عن النفس والعرض والمال. فأصدر أوامره الشديدة إلى عموم شيوخ الزوايا السنوسية وحثهم على القيام بالجهاد والوقوف في وجه العدو الصائل بأي وسيلة كانت وبأنه سوف يلتحق بهم شخصياً و حذَّر و تبرأ من كل من يتخلف عن داعي الجهاد و من كل من يمالئ العدو أو يركن إليه. ومن الصدف أن المجاهد (عمر المختار) شيخ زاوية القُصور بالجبل الأخضر وبطل الجهاد فيما بعد كان حاضراً بالكُفرة مع بعض الإخوان فتسلم بعض هذه الأوامر وعاد بها مُسرعاً إلى برقة والجبل الأخضر ومن هناك تم توزيعها وبعد ذلك تشكلت المعسكرات في مناطق برقة و الجبل الأخضر. وعلى إثر ذلك قام الإخوان السنوسيون بتزعم حركة الجهاد في مناطق بنغازي و الجبل الأخضر وطبرق ودرنة وهم كثيرون ونذكر منهم:
 
معسكرات برقة و الحبل الأخضر:
 
السيد أحمد العياري، الشيخ عبد الله الأشهب، الشيخ محمد عبد المولى، السيد الحسن الغماري، الشيخ عمران السكوري، السيد التواتي الكليلي، الشيخ محمد علي المحجوب، السيد محمد الزروالي، السيد محمد علي الغماري، الشيخ محمد بو نجوى، الشيخ عمر المختار.
 
معسكرات درنة:
 
الشيخ محمد الدردفي، الشيخ محمد حسين الحلافي، الشيخ صالح بن إسماعيل، السيد محمد العربي، السيد عبد القادر فركاش، الشيخ عبد الله يوسف، السيد العلمي الغماري، السيد محمد الغزالي، الشيخ الحبيب بن جلوا، الشيخ المرتضى فركاش، السيد محمد العيساوي، السيد السنوسي الغماري، الشيخ جاد الله الجبالي، الشيخ محمد بو فارس، الشيخ محمد بن عمور، السيد عبد الله سعد فركاش.
 
معسكرات طبرق:
 
السيد محمد الشارف، السيد محمد بن عبد الله، السيد المرتضى الغرياني، السيد صالح الشريف وآخرون.
 
بدأت المعارك ودارت رحى الحرب وثارت حفائظ و حمية القبائل العربية الأبية وتعاقدوا وتعاهدوا على الإستماتة في سبيل الدفاع عن وطنهم الغالي متناسين كل ما كان بينهم من التشاحن والتباغض وإراقة الدماء. ولما شاعت أخبار المقاومة والجهاد ودفاع عموم أهل ليبيا عن حمى دينهم ووطنهم؛ بادرت الحكومة العثمانية بإرسال بعض رجالها المحنكين لتقوية روح المقاومة والدفاع وتدريب المجاهدين و تعليمهم كيفية استعمال الأسلحة الحديثة ومعداتها.
 
كما بادرت الحكومة العثمانية وبعض المدن الإسلامية والشخصيات العربية بإرسال بعض المساعدات المادية والأدوات الطبية، وكان أبرز شخصية بعثت بها الحكومة العثمانية للقيام بدور المساندة والدعم هو ذاك البطل المقدام (أنور باشا) يصحبه جملة من الضباط من بينهم (مصطفى كمال) المعروف بأتاتورك فيما بعد وعزيز علي المصري وأدهم باشا الحلبي وآخرين.. وعند وصولهم إلى أدوار المجاهدين (معسكرات الجهاد) وجدوها على أتم الاستعداد، و بعد استشارة السيد (حمد الشريف) وأخذ رأيه تمت الموافقة على أن يكون (أنور باشا) هو القائد العام ومركزه في جبهة مدينة (درنة) ويساعده في ذلك (مصطفى كمال) وأن يتولى (عزيز علي المصري) قيادة منطقة بنغازي وبرقة؛ أما منطقة (طبرق) فقد أوكلت إلى (أدهم باشا الحلبي). وبذلك رُتِبَت المعسكرات ترتيباً إدارياً وعسكرياً تحت إشراف قادة المناطق ومجالس من حضرات الإخوان السنوسيين وشيوخ العرب؛ واشتدت حركة الجهاد واستمرت المقاومة على الصفة المتقدمة، وبدأ المجاهدون من القبائل العربية الحرة يحضرون أسلحتهم وخيولهم وأرزاقهم ومضاربهم وخدمهم من عندهم "أي أن كل قبيلة تنتدب من بين أفرادها من يأتون إلى ساحة الجهاد ويزودونهم بما يلزم من أسلحة ومؤنٍ وعتاد" وبعد مرور ستة أشهر يستبدل هؤلاء بآخرين، وهكذا دامت حركة الجهاد في ليبيا طيلة الحروب الإيطالية التي استمرت أكثر من ربع قرن على هذه الكيفية التي لم يسبقهم إليها أحد. وأغرب من ذلك كله أن ليبيا كانت في معزلً عن العالم الخارجي بحيث أن إيطاليا الغاشمة الظالمة كانت قد سدت جميع طرق المواصلات من وإلى أرض الوطن ، فلا يُسمع لنا صوت ويقف العالم على حقيقة ما يجري على أرض الوطن إلا من خلال إيطاليا التي تذيع أخبارها على حسب ما تريد و كيفما تريد! ولذلك لم تتلق ليبيا أي عطفٍ أو نجدةٍ من بعد السنة الأولى للغزو عدا الصحافة العربية المصرية وبعض الكتاب المصريين الذين كثيراً ما استصرخوا العالم الإسلامي عامة والمصري خاصة، لكن مع الأسف دون جدوى حيث لم يسمع لهم أحد لأن حكومة مصر حينذاك والحاكم المصري (عباس حلمي باشا الثاني) كانوا يعاونون إيطاليا ويجاملونها على حساب الشعب الليبي وكانوا يقولون (الدولة المصرية محايدة) وكانت إيطاليا تنتهك الحرمات الدينية المقدسة وتعبث بالنفوس البريئة التقية وتعتدي على الأعراض الكريمة المصونة العفيفة يستوي عندها في ذلك المحارب والعالم وتفننت فيه.. كل ذلك جرى من إيطاليا دون إنكار عليها من أحدٍ سواء في ذلك المسلمون والدول المعظمة النصرانية الذين يَدَّعون المدنية و يقولون بالحرية واحترام حقوق الإنسان وحرية المقدسات.. وكل هذه الإدعاءات هراء؛ وهذا بعكس الوقت الحاضر، فما من صغيرة أو كبيرة تقع في بلد من البلدان إلا تُشاع وتذاع وتتوالى من أجلها الإجتماعات والإحتجاجات. ومن هنا يتبين لنا أن ما قاسته ليبيا لم يقاسه أحدٌ و لقد قامت بجهادٍ لم يسبقها إليه أحدٌ عدا القرون الأولى من صدر الإسلام ....؟
 
يتبع.
 
تصنيف - صلاح عبد العزيز
salahalimami@yahoo.com
 

(*) في كتابه القيم (جهاد الأبطال في طرابلس الغرب) تعرض مفتي ليبيا الأسبق الشيخ الطاهر الزاوي رحمه الله لصفحة نيرة ساطعة لدور أبطال ليبيا وجهادهم ضد الغزو الإيطالي لليبيا في المنطقة الغربية (من سرت حتى رأس جدير). وإن كان مؤلف كتاب (الفوائد الجلية) الشيخ عبد المالك عبد القادر بن علي لم يتعرض لجهاد المنطقة الغربية.. فإن عذره أنه كان راوياً ومؤرخاً لتاريخ العائلة السنوسية خاصة أن رواياته جاءت مشافهة من طريق شيخه (أحمد الشريف السنوسي) والذي كان يشغل جغرافياً المنطقة الشرقية من القطر الليبي، وإن كان ذلك لم يشغل القائد المجاهد (أحمد الشريف السنوسي) عن الدفاع عن كل شبر من أرض الوطن... ولقد كان لسان حال المؤلف (عبد القادر بن علي) من قبيل (ما شهدنا بما علمنا). ويجدر بنا و نحن نحمل أمانة التوثيق التاريخي العلمي لحقبة تاريخية مشرفة لوطننا العزيز، يجدر بنا أن نترفع عما يبدر من بعض الأقلام والتي تشيد بتاريخ منطقة دون أخرى.. فلا يستطيع أحد أن ينكر أن لواء الجهاد الليبي ضد العدو الصائل الإيطالي قد رفرف عالياً في سماء ليبيا من رأس جدير غرباً حتى أمساعد شرقاً ومن الكفرة جنوباً حتى سواحل ليبيا شمالاً. وإذا جمعنا - جهود الشيخ الطاهر الزاوي في كتابه (جهاد الأبطال في طرابلس الغرب) وجهود الشيخ عبد المالك بن علي في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تصنيفه وتهذيبه - أشرقت علينا شمس الحقيقة كاملة ساطعة مبددة دياجير النعرات الإقليمية.
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com