22/04/2008

 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (14)
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري
 
الجزء االثاني: دليل القارئ الذكي إلى عالم أبي العلاء (دراسة)
 
الفصل السادس: الطبيعة الشفرية لرسالة الغفران

راجع الحلقات السابقة
 
ماذا عن الجزء الثاني من رسالة الغفران؟ وكيف نأخذ هذا الجزء هو الآخر.. أعلى الوجه الوارد به، أم على الوجه المعكوس؟ أعلى الوجه المباشر أم غير المباشر؟ أعلى الوجه الظاهري أم الباطني؟!..لقد فرغنا ـ فيما أرجو ـ من إثبات الطبيعة الشفرية لرسالة الغفران كلها وكذلك رسالة ابن القارح، كما رأينا ديالكتيك أبي العلاء يفرق بين المتناقضات ويجمع بينها ويبادل بعضها بالبعض في وقت واحد، ورأينا كيف أنه يتحدث عن المباشر بطريقة غير مباشرة وعن غير المباشر بطريقة مباشرة، ويستبدل هذا بذاك وهكذا. ولكن على أي وجه أُخذت رسالة الغفران عامة والجزء الثاني منها خاصة ـ والمفروض أنه الجزء المباشر ـ فلسوف نكتشف هنا أشياء هامة وخطيرة وباعثة على الفضول!
 
والمهم أنك على أي وجه أخذت الجزء الثاني من الغفران، فإنك ستكون قد أخذته بالطريقة التى يراها أبو العلاء!! تلك الطريقة التى أفشاها على لسان عمرو بن أحمر، حين جعل ابن القارح يسأله عن قوله:
 
بان الشبابُ وأخلف العمرُ
وتغير الإخوانُ والدهـرُ
 
ويقول له: إن الناس اختلفوا في تفسير "العمر" ـ بفتح العين ـ فقيل إنه يريد "البقاء"، وقيل إنه أراد "الواحد من عُمُور الأسنان، وهو اللحم الذي بينها". فيقول عمرو متمثلا:
 
خُذا وجه هرشي أو قفاها فإنه
كلا جانبي هرشي لهن طريق
 
أي أن التأويلين صحيحان..الوجه والقفا. وبهذا يعطيك أبو العلاء أحد المفاتيح الرئيسية اللازمة لفهم كل ما كتب! فلنأخذ وجه رسالة الغفران أو قفاها، فإننا سنكون على الطريق إلى عالم أبي العلاء!
 
إنه أولا يحذر ابن القارح من المنافقين والخونة.. حرصا منه بالطبع على سلامة الكتيبة الخرساء!.. ثم يحضه على الاحتراز منهم إلى أبعد الحدود وبخاصة النساء..ونساء معينة بالذات كما سنرى، لا النساء عامة وعلى إطلاق كما ظن القدماء والمحدثون من الشراح والنقاد على السواء. يقول المعري: "لو قالت شيرين الملكة (ملكة الفرس وزوجة كسرى أبرويز) لكسرى(أبرويز): جعلني الله فداءك ـ وهي نفس العبارة التى قالها ابن القارح لأبي العلاء فى مطلع رسالته والتى وقفنا عندها بما فيه الكفاية ـ لخالبته فى ذلك ونافقته، وإن راقته بالعطل (أي بغير حلي، لاستغنائها عن الحلي بجمالها) ووافقته"..
 
إلى هذا الحد كان الرجل يكره ويخشى المنافقين والخونة وخصوصا من جانب النساء، لأن بينهن ـ كما سنرى ـ اليهوديات والمهودات، وسيكرر الإلحاح على هذا فى كل أعماله، ويقول: "..وإنما أفرقُ من وقوع هذه الرسالة فى يد غُلام مُترعرع، ليس إلى الفهم بمتسرع، فتستعجمُ عليه اللفظةُ، فيظل معها فى مثل القيد..وكم خالبت الذئاب السلقُ (جمع سلقة وهي أنثى الذئب)، وفي الضمائر تكن الفلقُ (جمع فلقة وهي الداهية).. يقول القائل: بأبي أنت، جاد عملُك وأتقنت! ولو قدر لبت الودج (عرق الذبح)، وإنما جامل وسدج (أي كذب)...وكيف يُعتبُ الزمنُ على تجافيه؟ وإنما خُشي بشر وغدر...وما أقل صدق الآلاف".
 
ثم يقول بحزن شديد وحسرة مرة إزاء الافتراءات عليه وعلى سبيل التغطية فى نفس الوقت: "إني لمكذوب عليه كما كذبت العربُ على الغُول...وكما تقولت الأمثالُ السائرةُ على الضب... وكما تكلمت على لسان الضبع وهي خرساءُ. يُظن أنني من أهل العلم، وما أنا له بالصاحب ولا الحلم. وتلك لعمري بلية، تُفتقد معها الجلية. والعلُومُ تفتقر إلى مراس...ويُقالُ إنني من أهل الدين، ولو ظهر ما وراء السدين (بمعنى الستر والحجاب)، ما اقتنع لى الواصفُ بسبب... ولو أني لا أشعُرُ بما يُقالُ في، لأرحتُ من إنكاري وتلافي، وكنتُ كالوثن: سواء عليه إن وُقر من الوقار، وإن أُوقر من الأوقار، وكالأرض السبخة: ما تحفلُ أن قيل: هي مريعة، أو قيل لها بئست الذريعة"! وهنا نذكر قوله فى اللزوميات:
 
ولما رأيت الجهل فى الناس فاشيا
تجاهلت حتى ظن أني جاهــل
وقوله:
أقررت بالجهل وادعى فهمي
قوم فأمري وأمرهم عجـب
وقوله:
الله يشهد أني جاهــــل ورع
فليحضر الناس إقراري وإشهادي
 
لكم يخشى ضياع الرسالة ثم وقوعها فى يد من يصبر على قراءتها وفك رموزها!
 
ثم نرجع إلى قوله: "..وكيف أغتبطُ إذا تُخرص على، وعُزيت المعرفةُ إلى؟ ولست آمنا فى العاقبة، فضيحة غير مُصاقبة؛ ومثلي إن جذلتُ بذلك مثلُ من اتهم بمال... فسرهُ قول الجهلة: إنه لحلفُ اليسار، والذهب فى يمينه واليسار. فطلب منه بعضُ السلاطين أن يحمل إليه جُملة وافرة (من المال)، فصادف أُكذُبة زافرة، وضربهُ كي يُقر وقُتل فى العقوبة ولم يُعط البر"!
 
إلى هذا الحد يتوقع الرجل القتل ويخشاه فيما لو انكشف أمره أو سره، ويفرق من أن تؤدي الأقاويل عنه ـ المفتراه وغير المفتراه ـ إلى لفت نظر "السلطة" ـ أية سلطة ـ إليه فضلا عن أن هذا يمكن أن يجتث كتيبته الخرساء من جذورها ومنها ابن القارح!
 
أعرفنا لماذا أوصى مريديه وبإلحاح بأن يتعمدوا هجاءه ويتجنبوا مدحه، وأن يتهاجوا فيما بينهم بدلا من أن يتقارضوا المدح مما سبق أن أشرنا إليه؟!
 
وأزهد فى مدح الفتى عند صدقه
فكيف قبولي كاذبات المدائــح
 
من ثم يقول لابن القارح: "..وقد شهد الله أني أجذلُ بمن عابني، لأنه صدق فيما رابني، وأهتم لثناء مكذُوب...فغفر الله لمن ظن حسنا بالمسيء"! وهنا نذكر قوله فى اللزوميات:
 
وأبعد عن قائل لا سلمت
وآخر قال ألا يا سلمـى
 
ويقول إنه فهم من رسالة ابن القارح أو ربما بلغه بطريق أخرى أن ثمة جماعة تماليء على أمر ليس بالحسن ولا الطاعة، أي اتفقت على الخيانة. وقد احتدم غضبه وغيظه لهذا حتى كاد أن ينتحر!!: "..كدتُ ألحقُ برهط العدم، من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب قدومي على الجبار...ولولا حكمة الله جلت قدرته، وأنه حجز الرجل عن الموت، بالخوف من العلز (القلق والهلع) والفوت. لرغب كل من احتدم غضبه... أن تُترع له من الموت كؤوس"! ما عساها تكون تلك الجماعة المتمالئة؟! وعلام كان التمالؤ؟! ولماذا غضب أبو العلاء إلى هذا الحد.. حد التفكير فى الانتحار؟
 
لا نعلم.. ولكن ابن القارح كان يعلم حتما، وضمن ذلك شفريا ـ ربما ـ رسالته إلى أبي العلاء، أو ربما علم الأخير بالواقعة من طريق أخرى.. فكيف علم؟!
 
المهم أن الرجل عدو الخيانة.. أليس هو القائل في اللزوميات:
 
أحاذر أن تجعلوا مضجعي
إلى كافر خان أو مسلــم
وفي سقط الزند:
وفيت وقد جزيت بمثل فعلي
فها أنا لا أخون ولا أخـانُ
 
ويلفت النظر هنا قوله عن ابن القارح: "..وأما وُروُده حلب حرسها الله، فلو كانت تعقلُ، لفرحت به فرح الشمطاء المنهبلة... شحط سليلُها الواحدُ، وما هو لحقها جاحد، وقدم بعد أعوام، فنقعت به فرط أُوام...فالحمدُ لله الذي أعاد البارق (ضوء البرق) إلى الغمام الوسمي"!
 
وهذا يؤكد مدى تقدير أبي العلاء لابن القارح، ومدى إدراكه لمنزلته الكبيرة، مما هو برهان يضاف على أنه لم يكن بالشخصية الهامشية أو غير ذات البال ـ كما ذهب البعض ـ خاصة وأن المعري يستطرد في التعبير عن احترامه الشديد له فيقول: "..وهو ـ قدر الله له ما أحب ـ قد جالس ملوك مصر... وقد أقام بالعراق زمنا طويلا... وبالعراق مملكة فارس، وهم أهلُ الشرف والظرف... ولا ريب أنهُ قد جالس بقاياهمُ واختبر فى المعاشرة سجاياهم"!
 
ويورد كامل كيلاني ـ الذي لا يفوتني أن أسجل أنه من أعظم من تفرغوا لدراسة وتحقيق وشرح ونشر وضبط أعمال أبي العلاء من القدماء والمحدثين والمعاصرين عامة ودون استثناء! ـ أقول يورد ما قاله ابن عبد الرحيم أحد المعاصرين للمعري في ترجمته لابن القارح وقد أخذ عنه ياقوت فى معجمه ما يلي: "وموجز القول أن ابن القارح ذكي لا أكثر ولا أقل، ولكن ذكاءه سطحى يشركه فيه الكثيرون، فهو ليس مفكرا عميقا ولا واسع الاطلاع، ولكنه ثرثار طيب القلب... وربما كان أوجز ما يُقال فيه أنه فقيه صالح للوظيفة التى مارسها وهي تأديب أولاد الملوك، وهذه صناعة لا تتطلب من الذكاء أكثر مما نراه فى ابن القارح"!
 
هذا على العكس تماما مما توحي أو تؤكد أقوال أبي العلاء فى الرجل، مما سلف بيانه ومما لاشك فيه. وقد سبق أن عددنا حيثيات ابن القارح حتى لقد ذهبنا إلى أنه قد يكون هو نفسه داعي الدعاة الفاطمي!
 
فلماذا إذن هذا "الهجاء" من جانب بن عبد الرحيم للرجل؟!
 
إنني أحس من لهجته التحاملية أنها لهجة متعمدة، وأن ابن عبد الرحيم ليس صادقا مع نفسه ولا مع ابن القارح ولا مع ياقوت ولا مع الآخرين! وأنه من نفس نوع الهجاء والهجوم التمويهي الدخاني التكتيكي الذي تعمده ياقوت إزاء أبي العلاء ـ التفاصح والتشدق ـ وذلك نزولا على تعاليم أبي العلاء نفسه وعلى تقاليد والتزامات الكتيبة الخرساء وتجنبا للأخطار المحدقة والاحتمالات المتوقعة، مما لا يدع مجالا للشك في أن ابن عبد الرحيم أيضا كان زميلا لابن القارح ولياقوت تحت لواء أبي العلاء..الكتيبة الخرساء. وإلا فلماذا اهتم ابن عبد الرحيم بترجمة ابن القارح؟ ولماذا سجل ياقوت هذه الترجمة؟! إن هذا التسجيل ذاته قرينة على التمويه والمناورة، ودلالة على الرغبة فى التستر على أبي العلاء وعلى ابن القارح وعلى ابن عبد الرحيم نفسه!.. وانساق المؤرخون والباحثون وراء ترجمة ابن عبد الرحيم وجازت عليهم جميعا اللعبة.. حتى طه حسين، وحتى كتابة هذه السطور!
 
إن طه حسين قد افترى على ابن القارح حين وضعه مع كثيرين من "أمثاله" وضعا مزريا للغاية، وذلك حين قال في تقديمه لطبعة كيلانى من رسالة الغفران: "..وأحسب ـ أستغفر الله ـ بل أثق بأن أبا العلاء إنما أراد أن يسخر من ابن القارح وأمثال ابن القارح، وأن يلهيهم عن نفسه ورأيه وفلسفته، بما كانوا يتهالكون عليه من نحو وصرف وعروض وقافية وغريب ونادرة ودين، فحشى لهم الرسالة حشوا من هذا كله، ولكن دون هذا كله ما لم يفقهه القوم ولم يفطنوا له. ولو فقهوه وفطنوا له لكان لأبي العلاء شأن غير شأنه ولكان لهم شأن غير شأنهم أيضا"!
 
لا يا دكتور طه!
 
فابن القارح كان أعظم وأخطر من أن يسخر منه أبو العلاء! وابن القارح لم يكن بالذي يتلهى بمثل تلك الألهيات أو يتهالك عليها فيمن كانوا يتهالكون!
 
ثم إن الرسالة ليست محشوة بهذا كله حشوا عفويا أو عشوائيا أو كما اتفق، وانما هي محشوة به لمعان وأهداف وغايات مقصودة ومحسوبة ومدبرة تدبيرا ويعرفها ويفهمها ويفقهها ابن القارح بالذات جيدا.
 
إن الكبار لا يقرأون ـ عادة ـ للصغار!..وكم أتمنى أن يقرأ طه حسين والعقاد، كما أتمنى أن تقرأ بنت الشاطيء ولويس عوض ما كتبته حتى الآن عن أبي العلاء وعن ابن القارح! كما أتمنى لو أنهم لو أنهم أخذوا العبرة مما أورده أبو العلاء على لسان ابن القارح، حين قال له رؤبة بن العجاج متفاخرا: "أليس رئيسُكم... كان يستشهدُ بقولي ويجعلُني له كالإمام؟". فيرد ابن القارح قائلا: "لا فخر لك أن استُشهد بكلامك. فقد وجدناهم يستشهدون بكلام أمة وكعاء (حمقاء)...وكم روى النحاةُ عن طفل، ما لهُ فى الأدب من كفل"!
 
فلأكن مثل تلك الأمة الوكعاء أو مثل ذلك الطفل الذي ليس له في الأدب!..فأبو العلاء هو الذي يقول:
 
لا تزدرن صغارا في ملاعبهم
فجائز أن يروا سادات أقـوام
ويقول:
لا تهاون بصغير من عدى
فقديما كسر الرمح القلــم
ويقول:
رب شيخ ظل يهديه إلى
سبل الحق غلام ما احتلم
 
يتبــع >>>
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com