21/06/2008

إمرأة من بلادى (1)
 
بقلم: وطنى 100
أرشيف وطنى 100

 

 
طرقات مدوية على باب البيت, يعقبها تكسير وهرج وسوءال اين فلان, ليتم عصب عيناه وتكتيف يداه وليقتاد الى المجهول, تسألت قبل الخروج به اين تأخذوه ؟ اجابوها بأبتسامه صفراء ؟ مجرد ساعه من الزمان. وخرج السجين ليدخل دائره الاعتقال والتعذيب والامتهان.
 
ماذا فعلت ايها البائس بطرقك على بابها وكيف سمحت لنفسك ان تمس كبريائها بهذه القسوة, بهذا الحقد تمكنت ان تختطفه من دارها ؟ كيف تسوغ لك نفسك المجرمة ان تسرق احلامها ؟؟ اين ستذهب من حقدها وغضبها ؟ اين ستذهب من البركان الاتى من ناحيتها ؟؟
 
لا تدرى الى متى سيطول الامر وهى ترتاد المحاكم ومراكز الامن والتنقل بين المطارات داخل اسوار الوطن الواهن. تسأل عن المفقود وما من مجيب.
 
غاب الحبيب وغاب جميع المدافعين عن الحق. مهزلة ان لايعطى المسجون فرصة للدفاع عن نفسه او ان لا يأتى بشاهد او ان لا يعطى الحق بالطعن فى تزوير ضده. فكل اقواله ملعونة وافعاله مُثبتة. فيساق الى قدره الذى لا يعلمه الا الله علام الغيوب سبحانه وتعالى, فيدخل كهوف النسيان الا كهفها هى.
 
كان لابد ان تُلوى جميع المُسميات وان يتخطى المجرمون المزورون كل العقبات, فلا يصح الا باطلهم ولا يُثبت جُرمهم, ويصبح الخونة العصاة, ابطال شرفاء مُنقذون. فكان لا بد ان يتحدث الصامتون ضد الواقفون على حافة الادانة.
 
فى الجلسة الاخيرة حاول القاضى ان ينتزع الحكم رغم جميع اساليب الترهيب والترغيب والمراوغة, بأناة وصبر ايوب وبكلمة صادقة شجاعة, يشرح فيها اسباب حكمه ليعطى هذه المرأة الحق فى معرفة مصير المُغيب ولتجد الاجابة اين هو, اين هم ؟؟ الكل يريد معرفة الحقيقة.
 
كيف تنسى ثوانى ودقائق وايام واسابيع وسنين. طابت نفساً بحكم القضاء فدعت الايام والسنين تفعل بها ما تشاء .بودها لو تغمض عينيها فيمر الوقت ليعود اليها فتراه من جديد لتحتويه بين ذراعيها.
 
ذهبت تستجدى كأساً من سرابه فهى إمرأة نرجسية جعلت من حبها له صورة من العشق الذاتى. فخوفها عليه وحبها له يدفعاها الى إعادته من جديد ليس لحياتها فقط ولكن الى احشاءها كى تحميه وتقيه شر اخطار العالم وشر اخطار البوليس والترحيل وبوابة ابى سليم. احبته اكثر من كل شىء فهى انانيه. حبه يشدها الى ضفاف ناظريه كى تصدق انه مازال حياً. هو والوطن كلاهما سكنا قلبها, كلاهما اعلنا عصياناً عليها وها هى بينهما جثه ملقية من قبل الغسق الى مقبرة الاحباب السرمدية.
 
اصبحت صبح بلا شمس وليل ميت بلا نجوم, تخاف ان يخرج فيجد ان نخلة عمرها قد هرُمت. استنجدت وتوسلت, تقدمت بطلب تلو الاخر لدوائر الامن السرية والعلنية. لم تعجز ان تطرق الابواب الموصدة وان تكسر الحواجز المنيعة لتصل اليه. كانت مصرة ان يصل صوتها الى كل اذن, والا فانها قد قررت بتنويم صوتها , فما معنى الغناء بدون ربابة موسيقية.
 
تنظر الى عصفور قابع فى عشه مسترخياً غير مبالى. يغط فى نوم عميق, تحسده على خلوده لملكوت الفرح والحرية, تحلم بأن تكون مثله فتطير من النافذة المفتوحة الى حيث يوجد الاسير فى اى مكان لتراه.
 
اعوام مضت وهو فى كهف الصمت. لا يستطيع رفع راسه, ناكساً اياه تحت سطوة الجبروت واذلال القوة. ترى فى منامها احذية الجلاد الثقيلة, لامعة, قاسية ذات زاوية حادة مدببة تلسع يديه ورجليه. تصرخ من الالم وتبكى من الوجع , هذا ما يحسه, انه فى جسدها هى.
 
حثالة تاجروا بأوجاعها وبأوجاع وقهر الاسير الذى ضحى من اجل خلاص بلاده من الاستبداد والعهر السياسى. كثيرون استفادوا من دماء وعذابات الاسير النازفة لان غايتهم مال وموءتمرات وحسابات وقصور واستعراض. هوءلاء هم احط الناس سلوكاً وقيماً وخلقاً ,بالطبع لا اقصد العقيد فهو اسواء من ذلك بكثير.
 
تعيش ايام مُهيبة فى جو روحانى وايماناً مُطلق لا نظير له, تصوم وتصلى وتدعى وتستخير وتتضرع لله بأن يكون الاسير بسلام. يطول سجودها وهى تدعوا الله ان يقر عيناها به, تدعوا ان يكون عملها الصالح بعد وفاتها, تبكى وهى تتخيل انه فارقها يوماً لا تعرفه فلم تكن تتمنى بعده عنها , ولكن البعد فرض عليهما.
 
احياناً يتغلب عليها صخب الحياة والاولاد فتُرهق اعصابها وتتحمل, لانها إمراة عظيمة, عليها ان تصبر وتتجلد, إمراة تعجز الجبال عن مضاهاتها وتقف الرجولة اعجازاُ وإعزازاً وإكباراً لها. صمدت ولا زالت تصمد بقوة ايمانها وبكلمة تعلمتها مع الاسير.... إن الله معنا
 
لن ترهبها الاصوات المتعالية من حولها ولن توهنها , ولا تبالى بالنظرات الساخرة ولا بالاتهامات الجزافى بأنها قد فقدت عقلها. إمرأة لا تخاف الصواب اذا وقفت تصرخ بأعلى صوتها, اريد معرفة مصير السجين. وحيدة تصرخ بكل شجن. تصرخ بأعلى صوتها انتقدونى, حاكمونى, اكتبوا كل مالديكم واسجنونى وسجلوا اراءكم ضدى, فبالنسبة لى ليس هناك خطوط حمراء ولا صفراء ولا سوداء, لانه ليس هناك شىء اُخفيه فأنا الغريق فما الخوف من البلل .مشاعرها جارفة حارقة لن يصيبها الوهن .ونظام لا يقدر مشاعر ونفسية إمراة ترفع عقيرة صوتها صارخة لتتعارك مع المجهول. تحزن وتبكى, تريد من يمسح دمعها ويداوى جرحها ويجد البلسم الشافى لحزنها. إمرأة لها الحق ان يُسمع صوتها. إمرأة تواجه تحديات , بعضها على الجبهة الداخلية للمجتمع, متمثلة فيمن لا يشعر بحرقتها, فمنهم من ينظر اليها كأمراة خارقة عن حدود المألوف, ومنهم من يرى انها خرجت عن حدود المنطق والعقل , الكل يفعل ذلك, الاخ والجار, والكل ضعاف الضمير وهى ممن يطلق عليه ضعيف المبالاة. ظهورها قوى وصوتها اقوى ورغبتها صادقة ونارها حارقة وهى الدافع لها. جبهة اخرى لها تهديدات توءرقها وهى السبب فى تعثر طموحاتها لان النظام يقف وراءها. صوتها العالى وشكواها وصلا الى السماء ومعاناتها وخيمة ولكنها لازالت صامدة, لن تتوسل الوساطة. وضع مأساوى تعيشه الامهات, والزوجات, والبنات والاخوات, قريبات السجين.
 
إمرأة لا تنتمى الى حزب او موءسسة دينية او سياسية وليست من الدُعاة. تخاطب السجين كل مساء فأسمه مكتوب فى قلبها. اسمه احتفال بهى وليلة حقل ندى, وشرايين حبه اذا تعطشت شوق, فهى تسقيها شراب سرمدى. تخاطبه بأنه عليه ان يتذكر بأن هناك بقعة غسق تجعل من صدرها يفيض حُب ابدى.
 
تسمعه يناديها, وتشعر بحنانه وهو غائب عن مقلتيها. فى كل زمن وكل ساعة هو فى قلبها لا يفصل بينهما فاصل. حديقه حبه مليئه بدفء المشاعر داخل اسوار قلبها, فتسقيها وترويها وتنزع الحشائش التى تحاول ان تقضى عليها.
 
تعيش فى دنيا تصفو وتنقلب وهذه سُنة الحياة قبل الممات. ذاكرتها زاخرة بالمتاعب والليالى المُثقلة بالمأسى. لحظات موءلمة تمر بها يصعب الالمام بها او التعبير عنها بالكتابة. كُل شىء على عهده فى انتظاره, والبرد يتسلل فى جميع الاطراف دون استئذان, دون رحمة او شفقة. تسأل البرد بالله ان يكون رحيماً بالسجين فهو يعيش عزلة قاتلة. لا زيارات ولا قلم ولا اوراق ولا موسيقى ولا صوت يبعد عنه المساحات المغلقة والحزن والكأبة.
 
نوم متقطع واحلام مزعجة تراودها, والخوف يتسلل الى اطرافها فيشلها جزءاً جزءاً, تصحوا مذعورة مفزوعة والدمع ينهمر من مقلتيها, صارخةً اين السجين ؟ اين هو ؟ اين هم ؟ ماذا فعلتم به ؟ ماذا فعلتم بهم ؟ وما من مجيب.
 
نظام يرفض الكشف عن مصيرهم, وقائد يتحدى فيعترف, وقضاء يحكم مثل القضاء والقدر ولازال السجين مفقود فى وطنى, لا يعرف له مكان. هل فى الارض او فى الســـماء ؟؟
 
لك الله يا ام وزوجة وبنت وشقيقة السجين.... تحية لكل إمرأة من بلادى وقفت فى وجه الطاغية امام محكمة شمال بنغازى لتنادى بأعلى صوتها اين السجين.
 
وطنى 100
6-20-2008
 
للتعليق على الموضوع
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة
 

libyaalmostakbal@yahoo.com