
جمعية الفساد بجانب جمعية الحقوق
إن أكثر الناس ضياعا هم المتوهمون {
قُلْ
هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا
(103)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
(104) } الكهف ، وإن أكثر ما يوقعك
في حبائل وشراك العدو هو جهلك به أو تجاهلك لحقيقته ، وإن الوهم الذي تعيشه
في تعاملك مع من سخر طاقاته وقدراته في قهرك لا يقع خطره عليك لوحدك بل
سيقع فيه كل من خلفك عندما توهمهم بأن العدو قد يكون صديقا وأن الذئب قد
ينقلب حملا وديعا ، ولعل هذه القصة التي سأرويها لكم تعبرعن هذه المأساة
التي وقع فيها من قرروا أن ينشئوا جمعية ليبية لمقاومة الفساد .
وللحافظ على أن تعطي القصة معناها بدقة سأضطر أن أكتب بعض
مصطلحاتها بالغة العامية والتي تدور أحداثها حول رجل يسكن بين أفراد قبيلته
وكان يوهم زوجته وأبنائه بأن أبناء عمه هم سنده في هذه الدنيا إلا أنه وفي
يوم من الأيام هجم عليه أبناء قبيلته وبدأوا يضربونه بكل قسوة فخرجت زوجته
من البيت وهي تهرول وتولول فنادى عليها زوجها وقال لها
وين ماشيه ياوليه)...
قالت له (ماشيه انفزع في عرب
ايفكوك)...
قال لها (تعالي جاي راهم هاذول
هم افزعي) أي الذين يضربونني هم (افزعي).
وهنا نجد أن الإخوة الذين يحاولون إقامة جمعية لمقاومة
الفساد قد قاموا بخطوة شجاعة ولا أحد يشك في أنها خطوة شجاعة ولكنها لم تكن
في الاتحاه الصحيح وهذا يرجع لعدة أسباب :
أول هذه الأسباب وأخطرها
: أنهم يستنجدون ويطلبون الحصول على الموافقة ممن تأمرا على البلاد ليوصلها
إلى ما وصلت إليه فهم بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار وهم بذلك يضللون
الناس من جهة ويعطون الشرعية لمن اغتصب البلاد ظلما من جهة أخرى ، وكان
الأجدر بهم أن يطالبوا من يحكم ليبيا اليوم أن يضع لها دستورا يحدد
معالمها ويضمن حقوق العباد ويكون فيه الحاكم والمحكوم سواء ، كما فعل ذلك
فتحي الجهمي وغيره من الرجال وبدون أي خوف أو وجل ، ويتحملون ثمن ذلك .
ولي ملاحظة على أعضاء تلك الجمعية المنشودة وهي أنهم جمعيا
ولدوا قبل الانقلاب ولكن هل جميعا لم يستمعوا إلى خطاب زوارة الشهير ، وهل
جميعا نسوا ما لقيه من طالب بأن يكون للدولة دستورا ، فأصبح أمام كل مفكر
ومثقف بارز أحد الخيارين إما الإنظمام إلى اللجان الثورية أو أن تتم تصفيته
جسديا ، ومن أراد أن يعرف فليسأل عن المحامي المعروف عامر الدغيس والمحامي
محمد الصغير، والقانوني الشهير محمد حمي الذي صُفي في مارس 1980 ثم المهندس
محمود بانون في أبريل 1980 . أما في الخارج فقد استهدفت الحملة سالم
الرتيمي (رجل أعمال) في مارس 1980 وكلا من محمد مصطفى رمضان (إذاعي)
وعبدالجليل العارف (رجل أعمال) وعبداللطيف المنتصر (رجل أعمال) ومحمود نافع
(محام) في أبريل1980 . ثم توالت العمليات واحدة بعد الأخرى ، وكل أولئك ممن
تم اغتيالهم لم يكونوا ينتمون لأحزاب سياسية أو غير ذلك بل كانوا يطالبون
من يحكم ليبيا بوضع دستور للبلاد وكانوا يحاورون الإنقلابي من خلال قنوات
رسمية وكان ذلك عن طريق كلا من موسى كوسا وأحمد قذافي الدم ، إلا أن
المستبد استكثر على نفسه محاورتهم بالحجة ولمصلحة الدولة فحاورهم بالذي
يجيده وهي التصفية الجسدية ـ كما فعل مع سجناء أبي سليم ـ وبكل بجاحة
اعترفت اللجان الثورية بتلك التصفيات وصار الأمر إلى ما صار إليه وسرعان ما
بدأت عيوب الإنقلابي تتعرى، خاصة إثر خطاب زواره المشهور في 7 أبريل 1973
الذي أعلن فيه ما أسماه "الثورة الثقافية". أودع على إثر ذلك الخطاب مئات
من خريجي الجامعات والكتاب والمفكرين والإعلاميين والمثقفين السجن لمجرد
مناهضتهم لأطروحات القذافي. وازدادت الأمور سوءا بعد تنفيذ حكم الإعدام عام
1975 في مجموعة من الضباط بتهمة الإشتراك فيما عرف بمحاولة عمر المحيشي عضو
مجلس قيادة الثورة سابقا.
ثاني هذه الأسباب
أن أعضاء الجمعية المنشودة يحصرون السرقة في أمناء اللجان الشعبية المعينين
ووصفهم بأنهم يمثلون مراكز الفساد ، فهل حقا هؤلاء هم من يمثلون مراكز
الفساد في ليبيا ؟
ولو تجاوزنا عن الإنقلابي بحكم أنه حاكم لليبيا قصرا ، فهل
يصح للجمعية أن تتجاوز عن أبناءه ـ وما حفل البنقدية عنهم ببعيد ـ أم أن
هذه الجمعية بدأت من قبل أن تبدأ بوزن الأمور بمكيالين أو أكثر ، هذا غير
الحاشية ورؤساء الأجهزة الأمنية وغيرهم الكثير والكثير ، فهل تستطيع
الجمعية المنشودة محاسبتهم ، هذا إن منحت الترخيص.
وثالث هذه الأسباب
أن أعضاء الجمعية المنشودة يؤمنون بالسلطة الشعبية وذلك من خلال قولهم أن
أغلبية الشعب الليبي أصبح محروما من المشاركة فيها ، وأقول لهم أنه لا يصح
أن يؤمن بهذه السلطة عاقل فكل الشعب الليبي بما فيه من يتبوؤن المراكز
الحساسة في البلاد يعلمون أن السلطة الشعبية هي غطاء اخترعه الإنقلابي
ليغطي به الفساد السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي جاء من أجله ، وإن
كانوا يؤمنون بالسلطة الشعبية فلماذا يطلبون الموافقة من الحاكم ولا
يطلبونها من مؤتمر الشعب العام مثلا ، ولكن هذا يؤكد معرفتهم بأن الحاكم
الفعلي في ليبيا هو من سألوه الموافقة على أنشاء الجمعية.
والحديث حول هذه الجمعية وفي هذا الوقت وبهذا العرض لدور
الجمعية يضع الكثير من علامات الاسفهام .
ومع هذا كله ومع عدم معرفتي بمن قاموا بالتوقيع إلا أنني
أشتم رائحة السلطة في ليبيا وراء هذا الأمر والذي أخشى أن تتم الموافقة
عليه شريطة أن يديره أحد أبناء الحاكم أو أحد المقربين وهنا سنعيش في
أسطورة جديدة تسمى مؤسسة الجمعية الليبية لمقاومة الفساد في ليبيا تعيش إلى
جانب أسطورة جمعية القذافي الخيرية لحقوق الأنسان في ليبيا.
|