موقف أهل السنة من
الأنظمة الطاغوتية والعربية
(كلام
الشيخ العلامة الدكتور سفرالحواليا)
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد:
(وسار في ركابهم –
اليهود والنصارى – من المنتسبين إلى الإسلام زعامات عميلة وقيادات ذليلة
انسلخت من دينها وكفرت بوعد ربها وكذّبت خبر رسولها صلى الله عليه وسلم
واستحوذ عليها حب الدنيا وحطامها فتجدهم أحرص الناس على كرسي ولو تحت أقدام
اليهود. هذه الزعامات ربطت مصيرها بعجلة الكفر وخانت أمتها في أعز ما تملك
وحضرت مؤتمر مدريد وما أدراك ما مدريد ؟) القدس بين الوعد الحق والوعد
المفترى ص7
(ولئن كان هذا
المؤتمر المتآمر هو سبب المحاضرة المباشر فإنني لم أخض في تفصيلات الأحداث
وتحليلات الوقائع فيه أو فيما تلاه بل لم أجهد نفسي للبحث في ذلك لسبب واحد
هو أن الإسلام قد غاب – بل غيب – عن المؤتمر وإنما حضره اليهود والنصارى
وأولياؤهم الذين لو فتحوا روما لما كانوا إلا مرتدين ملحدين فكيف وهم يتكففون
السلام ويقبلون الأقدام ويدفعون الجزيات الجسام . وما مدريد إلا زيادة في
الكفر وإيغال في الردة.)ص7 المقدمة وهي في النسخة المصرية طبع مكتبة السنة (بتقديم
وتصحيح وزيادات المؤلف) كما كتب عليها.
(أما التحاكم إلى
الشرع – تلك الدعوى القديمة
– فالحق أنه لم يبق للشريعة عندنا إلا ما يُسميه أصحاب الطاغوت الوضعي
الأحوال الشخصية وبعض الحدود التي غرضها ضبط الأمن (ومنذ أشهر لم نسمع شيئاً
منهم عن حد أقيم)، ومع ذلك وضعنا الأغلال الثقيلة على الأمر بالمعروف
والنهيعن المنكر وصفدنا الدعوة والموعظة بالقيود المحكمة، وهذا من استحكام
الخذلان وشدة الهوان ومن يُهِن الله فما له من مُكرِم).
وعد كسينجرص61
(أقول: ذلك
الانحراف على خطورته أين منه ما وقع فى العصور الأخيرة، من تحكيم صريح
لقوانين الكفار ومناهجهم وطرق حياتهم ، وتقديم ذلك على الكتاب والسنة،
ومحاربة الداعين إلى التمسك بالدين وتحكيم الشريعة ، واستئصال شأفتهم ؟! ومع
هذا يدعى أصحاب هذا الكفر المبين ورجال دينهم محبة الله ورسوله ويعبرون عن
هذا الحب المزعوم بالمظاهر والاحتفالات البدعية، وأعمال " الضرار" الأخرى
ويستدرجون بها عقول بعض العلماء الناصحين، فيتورعون عن الحكم عليهم بما حكم
الله عليهم به متذرعين بأنهم غير مستحلين !!
إن الصورة العصرية
المناقضة لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أي لتوحيد العبادة
وتوحيد المتابعة – تتجرد عن التأويلات والأقيسة، وتتعرى عن قصد المصلحة
والإخلاص، وتتجلى فى صورة افتئات صارخ على مقام الألوهية، وتحكم مقنن في حكم
الله ورسوله.
هذه الصورة التي
من مظاهرها المتكررة الدائمة عرض حكم الله ورسوله وتوقف إقراره على موافقة
السلطة التى منحها القانون حق التشريع المطلق.
مثال ذلك: تحريم
الخمر، وهو حكم قطعى ضرورى فى الشريعة الإسلامية، يتوسل الدعاة والعلماء
الطيبون إلى السلطة الحاكمة أن تقره لكى يصبح تشريعا رسميا ملزما، فإن تكرمت
السلطة وقبلت الطلب عرضته على المجلس التشريعى الذي أعطى بحكم الدستور حق
التشريع المطلق – ليبدي رأيه بالموافقة أو عدمها!
ثم في المجلس تدور
معركة الأصوات بين المؤيدين والمعارضين الذين يعترضون بكل ثقة وبكل جرأة،
لأنهم يمارسون عملهم الطبيعي وسلطتهم المشروعة.
وفي أحسن الحالات
– بل على احسن الافتراضات – يحصل القرار على الأغلبية، وهنا فقط يصبح حكما
ملزما، ويدرج ضمن مواد التشريع الوضعي على انه فقرة من فقراته.
ومع ذلك يظل حق
السلطة التشريعية الثابت في إلغاء هذه المادة – متى شاءت – محفوظا بحكم
الدستور. أي لو فرضنا إن دولة ما طبقت بعض أحكام
الشريعة ، كجلد شارب الخمر مثلا ، فهذا الحكم لم يكتسب صفة القانون والإلزام
والتنفيذ لصدوره عن الله عز وجل، بل لصدوره عن السلطة التشريعية الرسمية التي
أقرته بعد عرضه عليها !!
فالله جل جلاله –
عندهم – ليس من حقه التشريع لذاته، ولا هو أهل لان يطاع ، وليس لحكمه صفة
الإلزام لذاته، وإنما ينتقي ويختار من أحكامه بناء على موافقة مصدر السلطات
ومالك حق التشريع، وهم البشر !!
ونحن نسأل هؤلاء
المدعين للإسلام السؤال نفسه الذي سأله الإمام ابن القيم أسلافهم، فنقول: لو
قدر إن الرسول صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرنا، وواجهنا بكلامه وبخطابه
وتلا علينا حكم الله في أي أمر، أكان فرضا علينا إن نتبعه ونطيعه رأسا – أم
نعرض ما يأتينا به على تلك المجالس ؟
فسيقولون: بل لابد
من الامتثال والطاعة توا، فنقول: أغياب شخص النبي صلى الله عليه وسلم، مع
بقاء دينه غضا طريا كما نزل هو السبب إذن في إعراضكم عن شرع الله، وتطاولكم
على مقام الألوهية، وجلوسكم على عرش الربوبية ؟!
ورحم الله الشيخ
محمد بن إبراهيم حين قال في بيان النوع الخامس من أنواع الحكم بغير ما انزل
الله التي تخرج صاحبها من الملة وتناقض الشهادتين:
" الخامس: وهو
أعظمها واشملها وأظهرها – معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله،
ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا، وإمدادا، وإرصادا وتأصلا، وتفريعا،
وتشكيلا، وتنويعا ، وحكما، وإلزاما، ومراجع ومستمدات.
فكما إن للمحاكم
الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتي، وقوانين كثيرة،
كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، ومن مذاهب بعض
البدعيين المنتسبين للشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن
في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب،
يحكم حاكمها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون،
وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة
للشهادة بان محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة ؟ " [1] .) .2\583ظاهرة
الارجاء في الفكر الاسلامي.
(وهذا مما يفرق به
بين حكم اتباع طواغيت التدين والخرافة واتباع طواغيت الحكم المرتدين (أي
في الحكم الظاهر في الدنيا لا ما عند اله). فان
اتباع الأحبار والرهبان ونحوهم – كمشايخ الطرق الغلاة وأئمة الفرق الدينية
المرتدة يتبعون رؤساءهم تدينا وتعبدا، فيجمعون لهم بين التعظيم والمحبة والذل
والطاعة، فلهذا كان عملهم ذلك شركا في الربوبية، وسمي الله تعالي متبوعيهم
أربابا فقال: (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله)، ومن هنا استوي
حكم الاتباع مع حكم المتبوعين في الكفر والضلال.
وهذا بخلاف اتباع طواغيت الحكم والقهر، فان شبهة الإكراه في حقهم واضحة،
والله تعالي لم يخبر عن فرعون وامثاله إن قومه اتخذوه ربا وعبدوه كما اخبر عن
الأحبار والرهبان، وإنما اخبر انه هو ادعي الربوبية.
وأما قوله تعالي:
(فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)، فمعناه خاضعون خضوعا لا
يلزم منه المحبة والتعظيم، بل كانوا يسمونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم
ويستحيون نسائهم. فاتباع طواغيت القهر المرتدين – دعوى الإكراه منهم أو
الأعذار به من غيرهم لها وجه، لان تسلطهم وجبروتهم يستدعي إن يقدم الاتباع
لهم الطاعة والذل وإظهار الموافقة، مع احتمال إبطان الكره والبغض، ولهذا قد
تنتهي العبودية لهم بانتهاء دولتهم، كما حصل في مصر حين حكمها صلاح الدين،
فانتقل أهلها من إظهار الرفض والزندقة إلى الإسلام والسنة دون عناء، فتكفير
هؤلاء الاتباع مطلقا غلو وإسراف. أما من جمع منهم
بين المحبة والذل والتعظيم للطواغيت، فهذا موافق لهم علي ردتهم وحكمه حكمهم
بلا خفاء، ولكن معرفة ذلك علي الحقيقة ليست بالأمر اليسير بالنسبة لكل أحد من
الاتباع، لاشتباهه واختلاطه بمن يتبعهم هوى وشهوة
والمقصود بيان إن ما جاء في كتابات بعض الدعاة المعاصرين في هذه القضية من
إطلاق التسوية بين الطائفتين من الاتباع يجب تقييده، وان قياسهم الشعوب
الإسلامية علي الاتباع والمستضعفين من الكفار، الذين ذكر الله مناظرتهم
لمتبوعيهم في النار ، وبراءتهم منهم حين لا تنفع البراءة – قياس فيه غلو
وإسراف نعم هؤلاء الاتباع مسؤولون ومؤاخذون كل بحسبه، ولكن التكفير بالجملة
والعموم أمر آخر .) 2
ظاهرة الارجاء في الفكر الاسلامي, تحكيم القوانين
ص 587-588
أرسل هذه
المساهمة: ترهونا
|