13/10/2008
 

الخبير الإقتصادي الليبي د. الترهوني لموقع جيل:
"ليبيا لا ترتبط بالإقتصاد العالمي بشكل مفهوم أو محدد"

حاوره: طارق القزيري


- أستاذ محاضر في الاقتصاد والأعمال – جامعة ولاية واشنطن – الولايات المتحدة الامريكية
- دكتوراة من جامعة ولاية ميشغن – 1993
- ماجستير من جامعة ميشغن – 1987
- بكالوريس اقتصاد من الجامعة الليبية 1973
 
- للمزيد حول د. علي الترهوني أضغط هنا

 
 
 
كيف تشعر كـ"يساري سابق" في وقت تعود فيه اللكنة الاشتراكية من جديد بعد أزمة الأسواق العالمية، والهجوم على نظام "السوق علاج السوق"؟
 
نعم في الحقيقة كانت رحلتي طويلة من " اليسار القومي" إلى الليبرالية، وعندما أقول لك اليسار القومي فواضح سقوط وانهيار البعد القومي في المشروع اليساري لصالح النموذج الإسلامي المتطرف. لكننا كنا مؤمنين بالليبرالية في بعدها السياسي وتجلياته الديمقراطية والتعددية.
 
ومن خلال دراستي وتدريسي – لربع قرن تقريبا - للاقتصاد الرأسمالي بحكم مهنتي كأستاذ جامعي، فقد بدا يتضح لي وعلى فترة طويلة جدا مدى جاذبية البعد الاقتصادي الليبرالي، وإتاحته للمبادرة وفرص الأفراد. خاصة مع ما عايشناه من تجارب الاشتراكية التي انتهت بتهميش الإنسان نفسه، وفشلها في الوفاء بأقل ما يمكن من شعاراتها.
 
وفي نفس الوقت أمكن لي أن أعرف انه لا وجود لنظام بديع ومتكامل، ولهذا فإن للاقتصاد الرأسمالي والليبرالي عيوبه وأزماته، ولكنه نظام يتيح عبر طرفي معادلته "السياسي والاقتصادي" توازنا يسمح بتخفيف أثاره والتفكير في العلاجات عبر المبادرات الاجتماعية والرفض أو الضغط المدني والشعبي. بعكس التجربة الاشتراكية التي سادت فيها شمولية الدولة وخلفها الحزب والفرد، ما أدى بالنتيجة لضمور المجتمع بالكامل، وفقدان الحيوية، وانهيار تجربته ... كما تعلم.
 
قبل الحديث عن أثر الأزمة على اقتصاد دول مثل ليبيا – دعنا نتحدث عن الأزمة نفسها هل ترى مثلا أن هناك أسبابا سياسية ما، كالخوف من صعود رجل مثل "اوباما" غير الودود بالمبدأ مع "وول ستريت" وان خوف رأس المال من ذلك أدى لحدوث ما حدث !!. خاصة مع تصريح رسمي أمريكي - الرئيس بوش - بوجود تحايل وتلاعبات ؟
 
 

 
نعم بلا شك ثمة بعد سياسي للأزمة، ولكي نعرف ذلك لابد من العودة لتجربة "الكساد الكبير" في الثلاثينات حين كان الاقتصاد يترك لقانون السوق ليعالج نفسه بنفسه – وهو ما يعرف بـ "الاقتصاد الكلاسيكي".
 
حتى استطال الكساد الاقتصادي، وصار هيكليا وليس دوريا مؤقتا، لدرجة سمي بـ "الكبير" وخرجت النظرية الكينزية، التي تقول بتدخل ما للدولة، في تقنين الممارسات والسلوكيات الاقتصادية، بدون احتكار الدولة والنظام الرسمي الحكومي لذلك.
 
يومها كان هناك تضامن أشبه بـ "العقد الاجتماعي" ولكن في بعد اقتصادي، بحيث يترك للسوق حريته في العمل وتشجيع المبادرات الفردية، مع تعهد ضمني من الدولة بحماية المؤسسات ودعمها وتعزيزها عند الحاجة، ودعم الدولة يعني عبر أموال المواطنين دافعي الضرائب.
 
واستمر هذا النظام – أو التعاقد إذ شئت – حتى الثمانينات إذ ظهرت التيارات المحافظة مثلما حدث مع ريغن وتاتشر في أمريكا و بريطانيا. وكان الأمر في أمريكا أوضح، حين سمح للمؤسسات الاقتصادية بالتخلي عن ما تعهدت بها، بإضعاف الدولة ورقابتها ومهمتها التنظيمية وهو ما يعرف بـ(New Deal العقد الجديد). وما أسميه بـ "المساومة الكبيرة" إذ كان هناك انسحاب من "التعاقد" ومن طرف واحد فقط.
 
فلم يتم إعفاء الدولة وبالتالي دافعي الضرائب من مهمة تعزيز وحماية المؤسسات التي ترفض رقابة الدولة وتدخلها. كان هذا الأمر صراع بين مراكز قوى في المجتمع الأمريكي، واستطاع المحافظون تمرير قوتهم بتغيير في قوانين اللعبة لصالحهم، الأمر الذي استمر حتى الآن، وكان سببا في الأزمة، لذا وبهذه الخلفية للصراع بين أطراف وموازين القوى المجتمعية يصبح الحديث عن دور أو سبب سياسي طبيعيا للغاية كما ذكرت في سؤالك.
 
هذا عن السبب ماذا عن النتيجة؟ فيكثر الحديث بلهجة شماتة عن تراجع نفوذ الولايات المتحدة ولو على مدى متوسط، أتعتقد انه سيكون العالم أفضل بأقطاب عدة، إذا تذكرنا أن أصول المشاكل الحالية ربما وجدت في عالم كان يسمى متعددا ؟
 
 

 
لهجة الشماتة التي ذكرتها حقيقية، وربما لها ما يبررها فالعالم من الشرق الأوسط إلى أوروبا وكذلك في أمريكا اللاتينية، عاني من هيمنة أمريكية، يكفي فقط أن تنظر لهذه الإدارة وما قدمته للعالم في 8 سنوات لتعرف ما يمكن أن تتوقعه تجاه أمريكا.....!! هذا من ناحية سياسية.
 
ومن ناحية اقتصادية فأمريكا التي تهيمن عبر مؤسساتها من الأمم المتحدة إلى صندوق النقد والبنك الدولي وغيرهم، لم تتوان عن فرض شروطها وأستاذيتها على العالم، مجبرة الجميع على الاستجابة لنظامها الذي تراه أفضل – والأفضل لأمريكا دائما هو الأفضل - كتخفيف القيود والحد من الإنفاق، وتخفيض الضرائب. في حين كان الجميع يرى في هذا تضييقا بشكل أو بآخر.
 
وعندما تأتي أمريكا لتفعل ما كانت تحاربه، فهذا سيكون مبررا للشماتة، بل هو في الحقيقة انهيار أخلاقي. في الواقع كان هناك إذلال سياسي وثقافي واضح للغالبية ولمصلحة طرف واحد فقط.
 
ولذا فأعتقد أن التعدد القطبي وبروز قوى جديدة في العالم لا يمكن إلا أن يكون أفضل، ليس للعالم فقط بل لأمريكا كذلك، فمنع الاستبداد على صعيد عالمي كان سيمنع حدوث ما وقع الآن، لو وجدت عقلية السوق الوحشية في أمريكا، من يعارضها على صعيد عالمي بشكل جاد.
 
مع احتراز واحد وهو انه ربما لا يعود الآمر – كما أرى – لضعف أمريكا بقدر ماهو بروز لقوى جديدة، كالصين والهند مثلا، وكثرة الحديث عن الهيمنة الأمريكية المتفردة مرتبطة بانهيار الاتحاد السوفييتي، وهكذا ربما كان الأمر من ذلك الوقت فترة طبيعية لتشكل بوادر نظام جديد.
 
 

 
في ليبيا: تقول الحكومة في تبريرها لعدم تأثر البلاد بالأزمة أن الودائع الليبية ليست في مصارف أمريكية أو مؤسسات مرتبطة بها بشكل مباشر، وأن الودائع الليبية والاستثمارات هي في مؤسسات ضخمة يضمنها وجود النظام المالي أصلا وبالتالي لا خوف عليها بهذا الاعتبار ما تعليقك ؟
 
أعتقد إنني سأفاجئك وأقول لك أنني اتفق مع هذا المنطق، ولكن ليس بالدوافع نفسها، فليبيا مقارنة بدول الخليج ليست متأثرة بالأزمة، لأن ليبيا أساسا غير مرتبطة بالاقتصاد العالمي بشكل مفهوم أو محدد.
 
ليبيا كمن لديه نقود مخبأة تحت الوسادة أو السرير، أو في مكان لا يعرفه إلا هو فقط فلو أفلست كل المصارف أو سرقت فلن يتأثر ليس لان سياسته صحيحة بل - فقط - لأنه ليس لديه سياسة من الأساس!!!.
 
وحقيقة لا أدري كيف يمكن الحديث عن تأثر البلاد من عدمه في حالة الغموض التي تحيط بالثروات الليبية في الداخل والخارج، ليس هناك شفافية ولا استثمارات واضحة وعلنية بشكل دقيق، ليمكن متابعتها وتقديرها.  
 
ولكن أيضا إذا كانت هناك استثمارات فعلا، وضمانة نجاتها وسلامتها هو طبيعة المؤسسات محل الإيداع أو الاستثمار فهذا غير مسلم به. فالأموال والاستثمارات في القطاع المصرفي أو القطاع العقاري، لا يمكن أن تسلم بشكل مبدئي ودائم، مهما كانت قيمة وحجم المؤسسات المستثمر فيها.
 
ولكن أعود وأقول لك لا استطيع الحديث عن تأثر أو عدم تأثر في غياب أي علامات أو مؤشرات علمية وموثوقة لدى أي طرف حول وضع الاستثمارات الليبية في الداخل أو الخارج.
 
 

 
بمناسبة ذلك: هل يمكن وصف وضع اقتصادي ما، بمصطلحات العجز الهيكلي أو الدوري أو التضخم .. الخ، طالما أنه لا إنتاج ولا مردود إنتاجي أو مالي ولا نظام ضريبي فاعل ؟ أو نظام مالي ومصرفي وهو واقع الحال في ليبيا ؟
 
نعم هذا واضح واتفق معك فلا معنى لما يقال في النظريات في غياب واقعه. في ليبيا ليس هناك حركة سوق، ولا ضمانات، وإذا كنت تسمع بأمثال بورتر وغيره ممن ذهبوا لليبيا وتحدثوا بكلام نظري فهولاء حصلوا على أجورهم وانتهى الأمر. فمن يستطيع أن يصف وضع اقتصادي بدون إحصائيات أو معلومات محددة ؟.
 
وما هو دخل ليبيا الفعلي ؟ ما هي مصروفاتها؟ فائضها ؟. كل ماهو متوفر يأتي من جهات خارجية نتيجة التجارة الخارجية مع أطراف أخرى وليس من الحكومة الليبية.
 
والموجود ليس نظام اقتصادي بل نظام غنائمي – من الغنيمة - توزع فيه الغلة بطريقة ما، تخضع لاعتبارات غير معروفة أو على الأقل غير مفهومة. هل يوجد حقا ديوان محاسبة، ونظام رقابي جاد وشفاف ؟ لا أتصور انه سيكون المرء جادا بالحديث عن النظريات عن ما يقع في ليبيا.
 
أنشأت ليبيا سوقا للأوراق المالية - المفارقة أن بدايته كان بـ 3 مصارف وشركتي تأمين وليس بمصانع وقطاعات إنتاجية – ما هي مصداقية وجود سوق مال في ليبيا الآن ؟ وهل يمكن أن نبدأ مما يفترض انه نتيجة لنمو إنتاجي واقتصادي فعلي ؟
 
يضحك ... "هذا كمن عرف أن قاربه سيغرق فأشترى له مجدافا".
 
ولكن دعني أقول لك : المشكلة التي لا حل لها في النظام النقدي والمصرفي والبورصة مثلا، هو مالا تستطيع تخزينه في مصرف، ولا تجلبه بأي طريقة أخرى، مالم يكن موجودا في صلب النظام. وهو الثقة، لا يمكن الحديث عن نظام مالي بدون عنصر الثقة. الآن الأزمة في أمريكا والعالم هي بشكل ما أزمة ثقة، وبدون نظام رقابي – كما أسلفنا – وشفافية، كيف يمكن لرأس المال أن يوجد ناهيك عن أن يتحرك أو تدرس اتجاهياته ؟
 
طبعا ليس هناك ما يمنع – نظريا – من قيام بورصة في ليبيا. ولكن الحديث عن فائدة لها، أو دور اعتقد صعب، ثم أن هناك خطر أن تكون تجربة ليبيا مثل تجربة دول الخليج في الثمانينات، عندما تحول سوق المال، لساحة نصب على العموم والبسطاء، وانهيارات مثلما حدث في سوق المناخ بالكويت في الثمانينات. فالمخاطرة هنا قائمة، في مثل الواقع الحكومي والقانوني السائد حاليا.
 
وبغير ذلك فتدريب الكوادر وإقامة المؤسسات المالية ربما يكون مقبولا – وأكرر نظريا – أما ما يحدث فعلا فصعب أن تتوقع مردود في مثل الواقع الحالي بليبيا.
 
* أجري هذا الحوار عبر الهاتف.
نقلا عن موقع "جيل" 12 أكتوبر 2008
للتعليق على الحوار
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com