
محمد حسين القزيري:
مسيرة التوبة الطويلة (الجزء الرابع والأخير)
"ليبيا
العنقاء - العدد الثاني سبتمبر 1980"

الجزء (1)
الجزء (2)
الجزء (3)
هكذا تنتهى بك
مسيرة التوبة الى اعتناق ديانة جديدة تقوم على تقديس الشخصية
القوية الوحيدة داخل جماهيريتك الفريدة, فتخلع جلدك المتشقق
القديم, ويعطونك بدلا منه جلد حرباء اخضر قابل للتحول الى كل
الوان الطيف واكثر. وتمنح صك الغفران القابل للتجديد كل عام
فى مركز الشرطة السرية, وتلعب بالعملات الصعبة كما لو كانت
مجرد ورق للمراحيض, وتتسلى بقراءة القصص البوليسية وتدبيح
التقارير الخيالية عن "اخوتك" الليبيين السذج الذين تسكر على
حسابهم كل ليلة. وتتحول بين يوم وليلة من كلب تائه الى مواطن
صالح وثورى فالح .. فسبحان مغير الاحوال ! ولاحول ولا قوة
الا بالله !
وانا لم استرسل فى رواية قصتك
المشينة على هذا النحو حبا فى سواد عيونك وطمعا فى استغلال نفوذك المؤقت
للشفاعة , كما قد يتبادر الى ذهنك الاجوف , بل تعمدت الاطالة كى اعريك امام
الجميع بالقدر الكافى ليأمنو شرك . فشعبنا لسوء الحظ ’ طيب جدا ... بل اكثر
مما ينبغى !.
ومن تاب للبوليس منافق خسيس! ..
ومن استعان بغير الله ذل. فلا نامت أعين الجبناء ! .. والحرب عليكم وسخط
الله ولعناته دوام, يا معشر اللئام !.
اما انت, يا صديقى المنشق الرافض
ابدا لحكم القتلة واللصوص, فتعال نستعرض معا ابعاد الموقف الراهن باختصار
شديد, لاننا قد اطلنا الحديث عن ذلك التائب الغبى واعطيناه من وقتنا اكثر
مما يستحق. فلم يعد لدينا ما نقوله له سوى ان نذكره بان كل الشواهد
التاريخية تشير الى انه, مهما حاول وامعن فى اذلال نفسه, لن يستطيع
الاحتفاظ برضا "هبل" طويلا . فالمعروف عن هدا الصنم الاعجم انه شديد التقلب
غير مأمون الجانب على الاطلاق الا بقدر مصلحته الشخصية فى استغلال اتباعه
وعبيده بمثابة الآت صماء لتنفيذ مخططاته الاجرامية الواسعة النطاق – كل حسب
مؤهلاته واستعداده لاطاعة الاوامر بلا نقاش ... وما ان تنتهى مهمة الواحد
منهم او ينكشف امره, حتى ينبذه سيده نبذ النواة ويلقى به فى مزبلة لجانه
"الثورية" غير مأسوف عليه.
فلنترك هذا التائب الوثني لمصيره
الموغل فى القدارة, ولنتحدت عما هو انظف واشرف للانسان. فذلك هو الاجدى,
وهو الذى سيكتب له البقاء ... طال الزمان ام قصر.
ان رفضنا جميعا للاوضاع المتردية
السائدة فى بلادنا حاليا لم يأت من فراغ, وليس وليد يومه , بل جاء نتيجة
طبيعية للمعاناة القاسية التى يتعرض لها شعبنا بأكمله منذ بداية هذا العهد
الاسود الكريه وتراكم التجارب المريرة التى خاضها مرغما على امره (ولكن
بجلد يفوق التصور) خاصة خلال السنوات الاخيرة التى بلغ فيها الطغيان ذروته
حتى اصبحت كل انواع الجرائم ترتكب فى حق الشعب الليبي يوميا على نحو سافر,
وتحت سمع العالم وبصره. فلم تبق اية فئة من فئات الشعب الا وقد تضررت بشكل
او باخر من جراء السياسة الحمقاء والتصرفات العشوائية الطائشة للطغمة
الحاكمة وما تمارسه من ظلم سافر وارهاب دموى وكبت خانق للحريات وانتهاك
صارخ لابسط حقوق الانسان.
ومن هنا فان مشاعر السخط والتذمر
الشعبى الشامل, ومحاولات التمرد بين صفوف الجيش, وحركة المقاومة السلبية
المدنية, والتنظيمات الوطنية السرية وغيرها من اشكال الرفض , والمعارضة
التى ظهرت على الساحة الليبية عبر السنوات الماضية – والتى اخدت تزداد حدة
فى الفترة الاخيرة بالذات – انما تمثل فى الواقع الاسلوب العملي الوحيد
الذى التجأ اليه شعبنا الاعزل تلقائيا فى مواجهة نظام بوليسى مسلح, يسيطر
على ثروات طائلة مكنته من استئجار تأييد مصالح الاحتكارات العالمية, او
شراء سكوتها على الاقل كما اتاحت له القدرة على اقامة ستار حديدى هائل
للتعتيم على كل ما يجرى داخل البلاد وخلق جهاز دعائى ضخم يصل صوت ابواقه
الى ماوراء البحار.
ولست ارى داعيا لان نعدد هنا
جرائم الجندى المعتوه الحاكم بأمره فى ليبيا. لانك, ان لم تكن انت نفسك احد
ضحاياها فلا بد انك سمعت بها او عرفت على الاقل واحداً من الآف الضحايا,
فلنتجرد من العواطف والانفعالات الهوجاء التى لا تجدى فتيلا ولنحاول ان
ننظر الى الامور بهدوء وموضوعية كافية لكى نتبين طريقنا على نحو واضح فى
هذه المتاهة الرهيبة.
ان شعبنا الان يجد نفسه بين شقى
الرحى . فدوامة القمع والعنف الدموى توالي محاولات سحقه بلا هوادة, بينما
الشعور بالإحباط والعجز عن تغيير الواقع المر يعذبه من الداخل ويؤرق نومه
ويصيبه بما يشبه اليأس القاتل, ونحن جميعاً نعلم – ولا مفر من الاعتراف –
بأن شعبنا الطيب اكثر مما ينبغى كان دائما بحاجة الى التنظيم الجيد وحسن
القيادة, وانه على العموم ظل عبر السنين مفتقرا الى الوعى الضرورى لكشف
مزاعم الادعياء, وحيل اللصوص وحواة السياسة . فكان من ثم فريسة سهلة لكل
المحتالين والمتحذلقين وشذاذ الافاق. لكن هذا التخلف المزرى ليس ذنب عامة
الشعب بطبيعة الحال. بل انه يرجع فى المقام الاول الى ذلك العهر السياسى
والفكرى الشنيع الذى يمارسه الكثيرون من ابنائه "المثقفين" بالذات, عبر
التنافس على خدمة السلطة الحاكمة أيا كان لونها فى كل العهود. فهم ملكيون
اكثر من الملك, وجمهوريون اكثر من الجمهور نفسه, وثوريون الى حد الهوس حسب
الظروف !.
واسمح لى ان اضرب لك مثلا
واحداً. انت مواطن عادى, شأنك شان الآف المواطنين الليبيين, لم تدخل فى
حياتك سوى مدرسة محو الأمية حيث تعلمت ان "مفتاح عربى ليبى" وانه مجرد فلاح
! .. اما ابنك الوحيد, الذى تزهو به فى جميع المحافل المحلية, فقد تخرج من
الجامعة بعد ان صرفت عليه مع كبدك وساعدتك الدولة بمنحة دراسية (ذهبت هى
الاخرى الى جيبه الخاص) شريطة ان يبقى عبدا للحكومة لمدة معينة. ووحيدك
اللامع هذا لم يتخرج من الجامعة فحسب, بل واصل دراسته العليا ايضا حتى نال
ارقى الدرجات العلمية. فاصبح "مشاء الله" يحمل شهادة الدكتوراة المهيبة,
ولم يعد ثمة ادنى شك فى انه صار متعلما جدا ومصدر فخر ثقافى كبير لكل افراد
العائلة وسكان الحى.
فماذا يحدث بعد ؟ .. ولدك
الدكتور يخاطبك من وراء نظارته السميكة بلغة محشوة يخيل اليك خطا انك
تعرفها. لكنها فى الواقع غريبة عنك. وهو فى الغالب لا يتحدث اليك مباشرة,
وانما عن طريق الاذاعة حيث يشترك فى ندوات الفكر الثورى مع امثاله من ذوى
الثقافة "الرفيعة". وفى سياق حديث طويل متشعب تتوه فيه تماما, يقول لك
بنبرات جادة ان "انعكاسات التيارات الدافئة للفكر الاخضر اذ تمر بمحاذاة
سواحل المحيط الاطلسى, وتعرج على شواطى اوربا الغربية فى زيارة رسمية, تؤدى
حتما الى ذوبان الجليد حتى فى القطب الشمالى واغراق كافة المنشقين الرافضين
لاقاويل الاخ العقيد".
وانت فى الحقيقة لا تفهم كل هذا الكلام. ولا احد يتوقع منك فهمه. ومع ذلك
تدرك الفكرة العامة بالسليقة وحدها فتحتار فى امرك ! .. هل تصدق جاركم ,
الفلاح الجاهل الاخر, والذى اقسم لك بالطلاق على ان "الاخ" العقيد نفسه قد
انتزع منه ابنه الوحيد وساقه الى اوغندا لتأكله التماسيح فى بحيرة فكتوريا
؟ .. ام تصدق وحيدك الخاص المنعكس فى تيار نفس العقيد – رغم ان هذا الاخير
لم يكمل حتى دراسته السفلى ؟ !.
ومرة اخرى تحاول ان تفهم فتدوخ.
ثم تقرر فى النهاية ان تنحاز الى وجهة نظر الدكتور الذلق اللسان, لانه فلذة
كبدك من ناحية اخرى مثقف للغاية .. وليس مجرد فلاح جاهل مثل جاركم العجوز !
هكذا الحال اذن. ومع ذلك فان
شعبك, ايها الاخ المنشق , رغم كل الضغوط الطاحنة التى تنهال عليه من الداخل
والخارج معا, لم يبرح كعادته صامدا فى صلابة الفولاذ متحديا أبالسة الجحيم
نفسها. فما سر هذا الموقف البطولى والتحدي الجبار المنتصب بثبات راسخ فى
وجه غطرسة القوة العسكرية الشرسة والتنكيل المتواصل ؟
لاشك انه نفس سر العظمة
الانسانية لدى كل شعوب الارض بلا استثناء. فليس ثمة شعب واحد عبر التاريخ
البشرى رضى بالذل والمهانة صاغراً او استكان لحكم الطغاة الى الابد. وذلك
ان كل الشعوب الحية, بفطرتها ذاتها وتوقها العفوى للحرية, ترفض الرضوخ
للقمع طويلا ولاتعدم الوسيلة للتمرد والمقاومة حتى تنتصر ارادة الحرية
وتتوهج جذوة الحياة من جديد فى بريقها الساحر ومن المستحيل ان يدين اى شعب
بالولاء ابدا لاي نظام حكم همجي أرعن, يحاول عبثا ان يخفي شمس الحرية
بالغربال فى يوم مشرق !.
وشعبنا الليبى الرائع على
الدوام, مثله مثل سائر العوب فى العالم , وقد يمهل بعض الوقت .. لكنه ابدا
لا يهمل. انه شعب شديد المراس, صبور على المكاره, قوى الاحتمال الى حد لا
يصدق. فهو اشبه ما يكون بجمال صحرائه البالغة القسوة, يصبر ويسير فى طريقه
متحملا اصعب المشاق فى هدوء ملائكى عجيب .. حتى اذا ما بلغ الاستفزاز مداه
او تجاوز حده, يهيج الشعب فى ثورته العاتية فيدوس تحت اقدامه "حادية" نفسه
!.
وانت اليوم , ايها المنشق عن
السلطة الباغية الرافض للطغيان الفاشى فى ليبيا, لست بالضرورة مطالبا بالحج
الى مكة كى تغسل رمتك وتمسح ذنوبك, فالاجدر بك ان تطهر اولا تراب وطنك من
الأفاعى والهوام المحلية الصنع والمستوردة. واكبر ذنوبك الان, على الاطلاق,
ان تقف موقف المتفرج او المتغافل تجاه مأساة بلادك والمذابح التى يتعرض لها
ابناء شعبك فى السر والعلن.
فبأي منطق يذهب الناس الى هناك
لرجم بعض الشياطين الوهمية البريئة من ذنوبهم, بينما شيطانهم الحقيقى متجسد
امامهم بلحمه ودمه الاخضر البارد ... متسلط عليهم , وأنيابه مخضبة بدمائهم
؟ .. وهل ترى يقبل الله توبة أي مواطن ليبى, مهما بلغت تفاهة اثامه
الصغيرة, طالما ظل ذلك المواطن نفسه كالشيطان الاخرس ساكتا عن الحق وجراح
مواطنيه تنزف وكرامتهم تهدر كل يوم على يدى سفاح سرت المتوحش المتعطش
للدماء ؟ .. وما جدوى الشهيق والبكاء والدعاء الحار على سفوح جبل عرفات كل
عام؟ .. الا ترون ان تلك مجرد مظاهرة مخجلة لاثبات العجز المطلق فى موسم
معين من كل عام ؟ .. وهل تعتقدون ان صنم الجماهيرية يسمح لكم طائعا
بالتعبير عن مشاعركم المريضة على هذا النحو, لو كان حقا يخشى خطر ادعيتكم
السلمية وعواقب الاحجبة التى تكتبونها ضده وتمسحكم الذليل بأضرحة الاولياء
؟
إن شيطانكم، أيها السادة، موجود
بينكم متربع فوق رؤوسكم وما عليكم إلا أن تهزوا رؤوسكم هذه بالرفض القاطع
حتى يسقط الصنم نهائيا. ثم أرجموه إذا شئتم، حتى الموت لتستريحوا من شيطنته
وآثامه الى الأبد. فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر ناري. ومن كان منكم
يملك سلاحا آخر، فليرمه بقنبلة يدوية أو قرص "جولاطينة" على الأقل.
فهذا أضعف الإيمان.. ومن تاب
للسفاح "الهبل" خان وكفى الله المنشقين الرافضين الصامدين شر التائبين
الجدد.
إنتهت
نقلا عن موقع
"صوت الطليعة"
راجع:
محمد القزيري (ملف خاص)
|