17/06/2007
 

 

متابعات المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة

جامعة قاريونس - بنغازي

http://www.libya-alyoum.info/


 
المؤتمر الأول للسياسات العامة في ليبيا يبدأ أعماله صباح امس وسط تجاهل وسائل الإعلام الرسمية
 
خالد المهير  - 12/06/2007
 
بنغازي - خاص ليبيا اليوم (متابعة ثانية): وسط تجاهل وسائل الإعلام الرسمية وبحضور عدد من المسئولين أبرزهم الطيب الصافي أمين شئون النقابات بمؤتمر الشعب العام، وأمبارك الشامخ أمين شئون اللجان بمؤتمر الشعب العام وأيضاً فرحات بن قدارة محافظ مصرف ليبيا المركزي ،إلى جانب رئيس جامعة قاريونس الدكتور عطية الفيتوري ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الدكتور زاهي المغيربي،وعلي سعيد البرغثي المدير التنفيذي لمركز البحوث والإستشارات ،إضافة إلى عدد من الباحثين أبرزهم الدكتورعلى عبدا للطيف حميدة (جامعة نيو إنجلاند بالولايات المتحدة الأمريكية) د. فتحي البعجة، د. أم العز الفارسي، د.عبدالله شامية، د.عبدالكريم بوسلوم،د.محمود الفاخري،د.آمال العبيدي،د.صالح المنصوري،د.مصطفى التير،د.مصطفى خشيم،د.عبدالهادي موسى رئيس جامعة العرب الطبية،د.عبدالسلام خماج رئيس جامعة الزاوية انطلقت صباح امس الثلاثاء فاعليات المؤتمر الأول للسياسات العامة في ليبيا الذي تنظمه جامعة قاريونس بالتعاون مع مجلس التخطيط الوطني.
 
وناقشت الجلسة الأولى الصباحية بحوث المشاركين صالح المنصوري (دور المذهبية الاقتصادية الرأسمالية في صناعة خيارات السياسة العامة) و الدكتور مصطفى خشيم بدراسة (نظرية السياسة العامة) وبحث للدكتور على عبد اللطيف حميدة حول السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية.
 
وفي الجلسة الثانية المسائية قال الدكتور أبوبكر أبعيرة أستاذ التنظيم والإدارة بالجامعة الأمريكية أن وضع ليبيا علي مقياس الشفافية الدولية لا يزال يقع بالقرب من أسفل السلّم .
 
وأشار الدكتور أبعيرة في بحث بعنوان (السياسات العامة للتنمية الإدارية) بالحرف (بالنسبة للوضع في ليبيا ؛ فإنه رغم تأخر ليبيا على مقياس درجة الشفافية في المجتمع ، فإن الأمر المقلق هو أن بعض القيادات الإدارية العليا في البلاد لا تستشعر هذا القلق ، فمثلاً رفعت إحدى القيادات العليا للدولة تهنئة لقيادة البلاد السياسية تهنئها فيها على الموقع الذي احتلته ليبيا علي مقياس الشفافية الدولية ، مع أن الترتيب الليبي في تلك السنة كان غير مرضٍ للغاية (عام 2003 في الجدول رقم 3 أدناه !)
 
ولكن حدث بعد ذلك، إدراكا لأهمية الموضوع، أن عمّمت اللجنة الشعبية العامة، منشوراً على الهيئات القضائية الليبية تشير فيه إلى الوضع غير المريح لترتيب ليبيا على مقياس الشفافية العالمية، وطالبت فيه بتكثيف الجهود لمحاربة الفساد والتحسين من مستوى الأداء الإداري العـــام .
 
كما قامت الدولة الليبية ، بناء علي توجيهات من القيادة السياسية أواخر عام 2006، بالطلب من جميع شاغلي الوظائف القيادية في الدولة بتعبئة ما أصبح يعرف بإقرارات الشفافية يفصحون فيها عن مصادر دخولهم وثرواتهم المختلفة ، وذلك بغض النظر عن الفترة التي قاموا خلالها بشغل مناصبهــــــم) .
 
وتابع الدكتور أبعيرة في حديثه بقوله (خلاصة الرأي هي أنّه بالرغم من أن ليبيا قد انضمّت إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة الفساد حسب ما تمت الإشارة إليه ؛ فإن وضع ليبيا علي مقياس الشفافية الدولية لا يزال يقع بالقرب من أسفل السلّم ، الأمر الذي يستدعي بذل المزيد من الجهود للتحسين من هذا الوضع وهو أمر نجحت فيه دول عربية أخرى بشكل ملحوظ ، رغم قلة خبرتها الإدارية مقارنة بالخبرة الليبية ، ومن أمثلة تلك الدول: قطر والبحرين وعمان والأردن) .
 
وكشف الدكتور أبوبكر أبعيرة خلال حديثه عن نسبة 55% في إختيار القيادات والمناصب الإدارية بالدولة الليبية ترجع لأسباب الولاء السياسي وهي أعلى نسبة مقارنة بالمؤهل العلمي،الإنتماء القبلي،والصفات الشخصية للفرد.
 
وقال في هذا الشأن ما نصه(هذه هي إحدى المعضلات التي واجهت سياسات التنمية الإدارية في ليبيا خلال العقود الماضية ؛ فمن المعروف لدينا جميعاً أن الدولة الليبية قد تبنت مبدأ الولاء السياسي (والقبلي في بعض الأحيان) لاختيار قياداتها ، بغض النظر عن قدرة هذه القيادات علي إنجاز مهامها من الناحية المهنية البحتة ، ومثل هذا الأمر يحدث استثناء في أغلب المجتمعات إن لم نقل كلها ، ولكن المشكلة بالنسبة للإدارة الليبية أن هذا الأمر أصبح هو القاعدة وليس الاستثنــــــاء) .
 
وتابع أستاذ الإدارة بالجامعة الأمريكية بقوله (وفي استبيان جزئي تم استطلاع آراء عينة (Sample Convenience) من أعضاء هيئة التدريس بجامعة قار يونس حول أهم الأسس المناسبة لاختيار القيادات الإدارية في الدولـــة ، وقد أتضح من نتائج ذلك ما يلي :-
 
1- يرى 12.5 % فقط من أفراد عينة البحث أن المؤهل العلمي المناسب تجري مراعاته عند اختيار القيادات الإدارية الحالية ، في حين يرى 85 %من أفراد العينة أن هذا الأساس ينبغي مراعاته عند اختيار القيادات ، وقد يمكن تفسير هذا الاهتمام الكبير بقضية المؤهل العلمي إلى طبيعة التكوين الخاص لأعضاء هيئة التدريس الجامعي ؛ حيث يلعب المؤهل العلمي دوراً حاسماً فـــي هذا التكوين .
 
2- يرى 35% من عينة البحث أن الانتماء القبلي يتم أخذه بعين الاعتبار حالياً في اختيار القيادات الإدارية ، في حين يعتقد 2.5 % فقط من أفراد عينة البحث أن هذا الأساس يجب أن يؤخذ بعين الاعتبـــار .
 
3- يرى 55 % من عينة البحث أن عنصر الولاء السياسي يتم التركيز عليه حالياً عند اختيار القيادات الإدارية ، في حين يعتقد 10 % فقط من أفراد العينة أن هذا الأساس من أسس اختيار القيادات الإدارية يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار .
 
وانتهى الدكتور أبعيرة إلى جملة من التوصيات أهمها:
 
تأسيساً على ما سبق عرضه من المحاور الرئيسية لسياسات التنمية الإدارية والمؤشرات المصاحبة لها في منظورها الكلي ، فإن هذا البحث يخلص إلى تقديم التوصيات التالية :-
 
أولاً - إن قضايا وتجارب التنمية الإدارية هي أمور ذات طبيعة تراكمية يستفاد فيها من الخبرات السابقة محليا وإقليميا ودولياً ، وعليه فلابد من الانفتاح علي ما قدمه الآخرون والاستفادة منه ، وتطويعه ليناسب البيئة الليبيـــــة .
 
ثانياً - التركيز علي دراسة قضايا التعليم بمختلف مراحلها باعتبارها الأداة التي تهيئ قادة الغد ، وهذا ينبغي أن يشمل أيضا الاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي باعتباره يمثل القاعدة الأساسية للتعليم .
 
ثالثاً - إنشاء أمانة (وزارة) لشؤون التنمية الإدارية والإصلاح الإداري ، وفصل هذه الأنشطة عن تلك المتعلقة بأمور العمل والقوى العاملــة .
 
رابعاً - إنشاء مركز لدراسات واستشارات السياسات العامة ، يلحق باللجنة الشعبية العامة أو بأية جهة أخرى مماثلة ، يقوم بالتنسيق علي أساس مركزي بين كل ما يتعلق بأبحاث ودراسات السياسات العامة، والاستفادة من نتائج تلك الدراسات والأبحاث في ميدان التطبيق العملي.
 
خامساً- تفعيل دور مؤسسة التنمية الإدارية القومية (المعهد الوطني للإدارة) وخاصة في مجال الإصلاح الإداري .
 
سادساً- تفعيل دور القطاع الأهلي (الخاص) في مجال التدريب الإداري.
 
سابعاً- إعادة النظر في السياسات غير المدروسة لأنظمة التقاعد الوظيفي التي أفرغت الكثير من الأجهزة الإدارية من عناصر كفؤة ذات خبرة ، دون وجود داعٍ منطقي لذلك، وفي ضوء استمرار هؤلاء الأشخاص في تقاضي مرتبات دون أن يسهموا بتقديم أي عمل لوجودهم خارج الجهاز الإداري للدولة .
 
وفي نفس الجلسة ناقش المشاركون بحث للأستاذ صالح العلام الزوي (دور القانون في تنفيذ السياسة العامة) حيث تسآل العلام في ضرورة الدستور (بعد آن عرفنا أن السياسات العامة فى كافة الدول تحتاج فى وضعها وتنفيذها إلى صياغتها فى صورة قوانين وقرارت، وأنها أهداف وخطط توضع من اجل خدمة المجتمع. والمجتمع لا يحترمها الأ إذا جاءت فى صورة قرارا ت وقوانين أو بمعنى أخر، لا يكون لها وجود بدون ذلك، وحتى لا أتوسع فى الحديث وأكرر نفسي، سأقوم فى هذا المطلب بإعطاء بعض الأمثلة التى توضح دور القانون بمفهومه الواسع فى تنفيذ السياسات العامة مركزا على السياسات الصحية وذلك لكونها أقرب إلى تخصصي من جهة، ولآن ذلك سيساعدني فى أعطاء أمثلة واضحة من واقع متابعة وتجربة شخصية من جهة أخرى.
 
لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك فجوة وغموض يصحب العمل المؤسساتي فى ليبيا فى كافة جوانبه السياسة،الاقتصادية، القانونية،الاجتماعية....... الخ.
 
ولهذا نجد السؤال الذى يطرح دائما بين العامة والخاصة فى ليبيا، داخليا وخارجيا، وطنيا و دوليا، لماذا ليبيا وهى تمتع بموقع جغرافي متميز، واقتصاد نفطي كبير، وعدد سكان صغير تعانى مشاكل اقتصادية و قانونية واجتماعية خاصة فى جانب السياسات ؟ لماذا سياستها غير واضحة وغير مثمرة وغير مستقرة.[1]
 
فى هذا الإطار لن أذهب إلى القول بان الأمر مستحيل أو صعب الإصلاح، كما ذهبت إلى ذلك ألسون بارجتر فى مقالها السابق الإشارة اليه (ليبيا، تجديد المستحيل) بل أقول بأن هذه المقومات التى أصبحت المؤدى إلى وجود مثل هذا التشاؤم يمكن أن نستعملها للوصول إلى ما يجب أن يكون عليه الحال، وإنهاء مثل هذا التساؤل او على الأقل إعطاء إجابة مقنعه بشأنه.
 
ولعل أختيارى للحديث عن السياسات الصحية سيؤدى إلى توضيح هذا المفهوم مفهوم أن ليبيا كدولة تستطيع أن تكون أكثر تطور واستقراراً لمصلحة الجميع، مؤسسات وشعب ونظام وحتى على المستوى الدولي أو الأقليمى.
 
وفيما يخص جهاز القضاء قال العلام بالحرف ما نصه (الانحراف الآخر بتطبيق السياسات العامة والقوانين المنفذة لها يأتي من القضاء وهو أمر لاشك خطير، فإذا كانت السلطة التنفيذية تسعى لتقوية نفسها، والسلطة التشريعية هي الأخر قد تسعى لذات الهدف، فأن القضاء ينبغي أن يسعى إلى شئ فيه تقوية له ولكن باقتناع الجميع وهو العدالة، العدالة التى تؤدى إلى التوازن، فما دام القضاء عنوانا للعدالة فهو أيضا عنوان للقوة قوة المؤسسات والقانون.
 
ولكن للأسف نجد بأن هذا أصبح يفتقد فى القضاء الليبى إلى حد ما وخاصة فى قضايا الدولة والمواطن، حيث أصبحت أمانة العدل تحاول أن تتكلم من خلال سلطتها على القضاء كطرف يمثل الدولة، وهى فى الحقيقة ليست كذلك فمهمتها هي تحقيق العدالة، وخدمة القضاء إداريا وماليا وليس تقييد عقيدته أو سلطانه فى الفصل فى المنازعات.
 
ولتوضيح ما أود ذكره اشيرالى مثال على تقييد لسلطة القضاء، وهو مثال جيد يجمع بين انحراف السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية فى وضع السياسات العامة والقوانين المنظمة لها وبين صمت القضاء وتقيده بالعمل وفقا لما ترغب فيه السلطات الأخرى.
 
ففي عملية التأمين ضد حوادث السيارات وهو تأمين اجبارى وضروري فأن سيطرة السلطة التنفيذية على الشركة القائمة بهذا العمل فى ذلك الوقت دفعها إلى أن تقيد مقدار التعويض فى حالة الوفاة بحادث سير بعشرة الآف دينار ليبي وذلك لتخفيف من خسائر الشركة التابعة لها باعتبارها شركة قطاع عام، وهى حماية واستثناء لم يعرف النظام القانوني مثيل لها على حد علمي و ما كان يجب أن تتمتع به مثل هذه الشركة التى تعتبر قطاعا خاصا وفقا لتكييف الفقه والقضاء ولكن هذا الأمر مر ووضع فى نص قانوني صدر عن مؤتمر الشعب العام، وأصبح ملزما رغم عدم مشروعيته ولو كان هناك قضاء متيقض لامتناع عن تطبيق مثل هذا النص أوعلى الأقل قام باستعمال صلاحياته فى تقدير التعويض المناسب بكل حالة من الحالات وفقا للقواعد العامة المعمول بها فى القانون المدني بشأن التعويض لا أن يلتزم الصمت ويعمل وفقا لقانون هو فى إعتقادى ليس بالدستوري.
 
وبناءا على ذلك نعود إلى موضوعنا وهو أن القضاء الذى يجب أن يكون أداة للتوازن بين السلطات فيما بينها من ناحية وبينها وبين المواطنين أوالجهات الخاصة الأخرى من ناحية أخرى لا أن يصبح جزء من عملية تعطيل السياسات العامة والقوانين الصادرة تنفيذا لها.
 
وفى مناسبة أخرى تتعلق بقضية طلب تعويض رفعت من قبل أحد الأفراد كان قد صدر قرار عن اللجان الطبية المختصة بإيفاده للعلاج فى الخارج، إلا أن بطء الإجراءات وتدهور حالته الصحية دفعه إلى السفر على عجل وتحمل مصاريف العلاج فى سويسرا بل والاستدانة من أجل هذا الأمر مما كبده خسائر مالية طائلة، وبعد عوده طالب أمانة الصحة بتسديد هذه الأموال فرفضت، فقام برفع قضية أمام محكمة بنغازي وقد أخذت المحكمة الابتدائية هذا النوع من المسئولية فى حسابها فقامت بالحكم له بتعويض مناسب ولكن للآسف أن محاكم الدرجة العليا التى يفترض فيها أن تكون أكثر كفاءة ودقة فى تقيم الأحكام قامت بنقض الحكم والحكم بعدم أحقية ذلك المواطن فى الحصول على تعويض على أساس أن قرارالعلاج فى الخارج قرار تقديري وهو لم يكتمل بعد.
 
مقارنة بالقضاء الإنجليزي حكمت أحد المحاكم بتعويض مريض 90 ألف جنيه إسترليني بسبب إصابات حدثت له عندما حاول الهروب من المستشفى وذلك بسبب إهمال الممرضات فى متابعته عند ذهابه إلى دورة المياه ..!!![2]
 
شخص مصاب بمرض مؤدى إلى الموت لا يعوض وشخص موجود فى مستشفى ويتلقى فى العلاج ولكن أهملت رقابته يقضى له بهذا التعويض، كيف لنا أن نقيم المؤسسات القضائية. سأكتفي بهذا القدر من الأمثلة عن تطبيقات السياسات العامة والقوانين المنفذة لها فالمتابع والمتمعن فى تلك السياسات والقوانين لن يجد صعوبة فى الوقوف على مثل هذه الانحرافات أو القصور فى فهمها وتنفيذها، بل وحتى إهمالها من قبل السلطات العامة فى الدولة.
 
فى نهاية المطلب الثالث يمكن القول بأن السياسات العامة هي روح القوانين التى بناء عليها تصدر، فالقوانين لا تصدرأعتباطا وإنما تكون معبرة عن أحتياجات المجتمع المرسومة فى شكل سياسة عامة لمجال من المجالات. هذا الترابط بين القانون والسياسة يحتاج أن تكون الجهات المنفذة للسياسات العامة و المتبنية لأهدافها على دراية بغاياتها ومدركة للترابط الذى يمكن أن يوجد ما بين موضوعتها، فالسياسة العامة فى المجال الصحي لايمكن أن تفصل عن السياسة العامة فى المجال التعليمي أو ترشيد استهلاك المياه ......... الخ.
 
اكتشاف هذا الترابط سيؤدى إلى تكييف السياسات المختلفة ووضعها فى شكل تكاملي لا تصادمي يؤدى فى النهاية إلى تحقيقها أو على الأقل تحقيق نسبة عالية من الأهداف المرجوة منها.
 
وطالب الباحث العلام في ختام مداخلته بالقول (بعد أن رأينا العلاقة بين القانون والسياسة وأتضح لنا بان هذه العلاقة علاقة مترابطة ومتبادلة يحتاج كل طرف فيها للأخر فى وجوده واستمراره فى هذا الوجود، فالقانون يهدف – كما اشرنا- لتحقيق أهداف المجتمع وهى فى الغالب تفرغ فى سياسات لها موضوعات مختلفة.
 
والسياسات العامة تحتاج للقانون لتصبح مشروعة وقابلة للتنفيذ، ولهذا حاولت فى هذه الدراسة أن ابرز هذه الروابط المتداخلة والمتبادلة بين كلا الطرفين ولهذا أكدت على دور المشروعية فى وجود كلا الحقلين كما ركزت على هذه المشروعية من حيث أساسها وهو القانون ودوره ليس فقط فى تنفيذ السياسات العامة وإنما حتى فى تقبل تلك السياسات وتأهيل الرأي العام للمضى قدم فى إنجاحها،وفى هذا الإطار يمكن أن نذهب إلى أن السياسات العامة والتي هي أهداف المجتمع والقانون الذى هو وسيلة المجتمع لتحقيق هذه الأهداف لابد أن يخضعا لمبدأ المشروعية والذي بدوره يتطلب هو الأخر وجود الوضوح فى التدرج القانوني وترتيب الأهداف التى يرغبها المجتمع مؤسسات وأفراد.
 
ولتحقيق ذلك الهدف تخلص الورقة إلى الملاحظات والتوصيات والمقترحات التالية:
 
1- أن السياسات العامة فى كافة مراحل خلقها اى من كونها فكرة إلى أن تصل مرحلة التنفيذ تستلزم القانون ليضفى عليها طابع الشرعية والقبول.
 
2- أن مبدأ المشروعية يجب أن يحكم كافة العمليات التى يتطلبها وجود السياسات العامة يجب أن يتميز بالوضوح والإ انعكس على هذه السياسات سلباً، هذا الوضوح يتطلب كما ذكرنا سابقا وجود قواعد عليا فى المجتمع تعمل السياسات العامة فى إطارها وتحت ظلها وهو ما يتطلب إعادة النظر فى القواعد العليا السائدة لدينا من خلال مراجعتها وتقييمهاوبالتالى تعديل ما يحتاج منها لتعديل او إلغائها وإيجاد البديل المناسب لها، فيجب أن نعترف بأننا فى حاجة إلى خطوة شجاعة تستهدف رفع الضبابية عن القواعد العليا السائد فى المجتمع وهو ما يؤدى بنا إلى النقطة الموالية.
 
3- إذا ما اعترفنا بضرورة اتخاذ الخطوة السابقة فان الأمر يستدعى القيام بأحد الأمرين التاليين:
 
أ‌- تقوية وتعزيز القواعد العليا السائدة لدينا فى صورة قوانين أساسية ورفع صفة الإعلانات والوثائق عنها اى إعطائها الصبغة القانونية الكاملة وفى أعلى درجات سموها بحيث تزال كافة أنواع الشكوك التى تعترى قيمتها القانونية وهو ما يظهر واضحا من خلال تفسيرات الفقه والقضاء لمكانتها فى البناء القانوني للمجتمع، وكذلك فى نظرة المواطن لها من الناحية الواقعية.
 
ب_ وضع دستور للدولة تفرغ فيه هذه القواعد وربما يضاف إليها كل ما من شانه توضيح توزيع الاختصاصات ورسم حدود الحقوق والواجبات وتحديد المسئوليات بين الأطراف المختلفة المكونة للمجتمع.
 
ويمكن أن أقول باننى أحبذ هذا الحل والذي كما أشرت سابقا سيكون له أثرا ايجابيا كبيرا من مجرد تفريغ الإعلانات الموجودة فى صورة قوانين، وأشير إلى أن تحبيذي هذا لا يعنى المطالبة بتغيير النظام السياسي فى المجتمع، ولكن يمكن أن يستمر مع الالتزام بالتطبيق الصحيح للقانون و إلى ما يذهب اليه من سياسات فى ظل دستور يوضح للمواطن ماله وماعليه و يحدد واجبات وحقوق المؤسسات القائمة على خدمته وان كانت نابعة عن اختياره فاليوم يظهر واضحا بان هنا نوع من التسلط يمارس على المواطن من قبل هذه المؤسسات وهو الذى من الناحية النظرية سبب وجودها.
 
4_ إيجاد مبدأ شرعية واضح يفترض أن يترتب عنه أمر هام آخر لا يمكن أن يسمى مجتمع ما مجتمع بدونه وهو استقلال القضاء ،وبالتالي تحفيزه للقيام بدوره فى ترسيخ مبدأ المشروعية من خلال الرقابة الدستورية على القوانين وهى فى ذات الوقت رقابة على مشروعية السياسات العامة التى صدرت اغلب القوانين أن لم يكن كلها من اجل تنفيذها، وينهى بذلك حقبة كونه قضاء محاكاة او عقاب وتعويض ليصبح قضاء يعبر عن طبيعة المجتمع ومكانة العدالة فيه.
 
5- يجب أن يلتزم الجميع بتنفيذ السياسات العامة ،وإنجاحها كما وضعت وفى الوقت المحدد لذلك ، والا نتج عن ذلك عواقب وخيمة يأتي على رأسها فقد الثقة بين المواطن والمؤسسات فى الدولة، كما أن ذلك سيزيد من تكاليف تنفيذها وبالتالي إهدار المال العام وإتاحة الفرصة للفساد الادارى ليقوم بدوره، أيضا ولكون السياسات العامة كما يعرف الجميع مترابطة ومتداخلة فان عرقلة او تأخير تنفيذ أيا منها سيؤدى إلى التأثير على الأخريات وبالتالي تعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهو ماتهدف هذه السياسات إلى تجنبه بل وتحقيق عكسه من خلال رفع المستوى اقتصادي واجتماعي للمواطن وتحقيق استقراره.
 
6- إذا كانت السياسات العامة مبنية على المشروعية فأنها ستؤدى إلى تعزيز فكرة المشاركة الجماهيرية والتي هي هدف نظامنا السياسي الأول، كما أن فى الأخذ بهذه المشاركة إنهاء لكل مقومات قيام اى نوع من أنواع الفساد الادارى لأنها ببساطه وكما يقال كل شيء مطروح على الطاولة ابتدءا من سبب وضع سياسة ما إلى المعلومات التى بناء عليها تم تبنى هذه السياسات وانتهاء بالأموال المخصصة لهذا التنفيذ والقانون الصادر بشأنها، وتعطى هذه المشروعية والشفافية الناتجة عنها الحق لكل ذي مصلحة فى اللجوء للقضاء لصد المخالفين وعقاب السارقين.
 
7- المشاركة الجماهيرية الفعالة والحقيقية تتطلب توفير الأجواء المناسبة للقيام بها ويأتي على رأسها التوسع فى الحريات وعدم وضع العراقيل أمام ممارسيها وهوما سيعطى المواطن الشعور بالثقة بأنه يمتلك القدرة على المساهمة فى بناء وطنه، كما أن ذلك سيجعل المواطن قادر على وزن الأمور واخذ الموقف الصحيح اتجاه بلده ومن يشاركه الحياة فيها وبذلك نغلق الأبواب على كل من يحاول الطعن فى سياساتنا او توجهات معينة علينا، هذه الحريات تستلزم أن نفتح الباب أمام وجود مجتمع مدني ليبي منظم بقوانين واضحة وان ننهى اى نوع من الحساسية اتجاهه وهو ما سيكون له دور ايجابي كبير على رفع مستوى الوعي لدى المواطن وبالتالي تخفيف مسئولية الدولة فى القيام بذلك وان كان هذا لا يعنى إنهاء دورها فى هذا المجال.
 
فيجب أن نضع فى اعتبارنا ايجابيات هذه المؤسسات قبل سلبياتها فهي التى وقفت أمام سياسات البنك الدولي فى السلفادور ودافعت عن فكرة عدم إخضاع القطاع الصحي لبرنامج الخصخصة الموضوع من قبل البنك. كما أنها من جهة أخرى كان لها دور هام واساسى فى كسر احتكار إنتاج الأدوية المتعلقة بالإيدز وتحديد أثمانها. وفى حالتنا نحن ليبيا لا احد يستطيع أن ينكر الدور الذى قامت به هذه المنظمات فى دعمنا أثناء فترة الحصار الجائر.
 
المهم هنا اذكر بـأن هذه المنظمات غير الحكومية تستطيع أن تقوم بدور هام فى توعية المواطنين وكذلك أجراء الدراسات المتخصصة والفاعلة فى المجالات الحياتية المختلفة وذلك حسب اختصاص كل منها بالطبع إذا أعطيت الحريات اللازمة لرفع مستوى السياسات العامة وأهدافها، وأيضا مستوى اقتناع ومشاركة الجماهير فى تنفيذها، كما يمكن أن تسهم فى تجنب السياسات القاصرة منها او تقويتها من خلال تجنب ما يعتريها من قصور.
 
8- يجب أن يدرك الجميع بان السياسات التى تؤسس على المشروعية تتطلب وقبل كل شيء أن يتم تحديد اولوياتها بشكل واضح وضوح شرعيتها، وبالتالي يجب ترتيبها على حسب درجة أهميتها هذه الأهمية يجب أن تكون نابعة من احتياجاتنا نحن كمجتمع ليبي وليست قائمة على متطلبات او محددات صادرة عن دول او مؤسسات أخرى خارجية فنحن من يعيش هذه الظروف وليسوا هم وان كان هذا لا يعنى رفض عونهم او نصحهم إذا كان لمصلحتنا.
 
وفى تحديد الأولويات وانبثاقها من الداخل تعزيز الاقتناع بها وتوفير البيئة المناسبة لتنفيذها من قبل الموجودين في الداخل من ناحية، ومن ناحية أخرى فيه رد مقنع للآخرين بأننا نبنى مجتمع ديققراطى حقيقي قائم على المشروعية يجب أن يحتدى به ونجعل النتائج وما يحدث فى الواقع من أعمال هو دليلنا الظاهر الذى يضفى التقدير والاحترام على من قبل الجميع.
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com