01/04/2007

      


 

 
شيء من
أفلس فغاب
 
بقلم محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
 
وأنا أتابع برنامج قناة الجزيرة الذي استضافت فيه العقيد القذافي، تذكّرت المثل الذي يقول: (وافق شن طبقة)!. ويبدو أنّ معمر القذافي و(العاملين) في قناة الجزيرة كبارهم وصغارهم (لا فرق)، كلٌّ منهم وجد ضالته في الآخر. فالعقيد والعاملون في هذه القناة بينهم عوامل مشتركة كثيرة، من أهمها إثارة الزوابع (الإعلامية)، حتى ولو كانت اختلاق (جعجعة) توهم الناس بأنّ ثمة طحناً سواء في خيمة (القذافي) الشهيرة أو أختها (التوأم) هذه الأيام (قناة الجزيرة)؛ بينما أنّ الواقع يقول للقذافي وكذلك لكبار (المشرفين) على هذه القناة، والمنظرين لبرامجها: بيدك أنت، لا بيد زيد أو عمرو، تعيش هذه العزلة، التي يضيق خناقها عليك يوماً بعد يوم.
 
لقاء القذافي في قناة الجزيرة كان مضحكاً، ومثيراً بالفعل للسخرية. فقد ظهر فيه الرئيس (الملهم)، عميد رؤساء بني يعرب كما وصف نفسه في اللقاء، (أراجوزاً) بامتياز، يكاد يقسم من رآه أنّ العقيد قام لتوِّه من سبات عميق، أو ما يشبه (السبات)، ليجد كاميرا الجزيرة في انتظاره. والجميع يدرك أنّ ما أراده القذافي، والعاملون في قناة الجزيرة، كان (التشويش) على أعمال قمة الرياض، وعلى قيمة المملكة في المنطقة، واضطلاع قائدها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وبامتياز وتمكن، بإدارة كل الملفات الساخنة في المنطقة، حتى أصبحت العاصمة الرياض (أهم) نقطة محورية مؤثرة وفاعلة في توجيه العمل الدبلوماسي والقرار في المنطقة.
 
والقذافي، وخطابه السياسي، هو مثال (جيد) للتخلُّف العربي بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. (الثورة)، والعبارات الثورية، والشعارات (العروبية) المعلبة، والتي هي من القدم وكأنّه حين يتلفّظ بها يُثير زوابع من (الغبار) المتكدس بحكم الفارق الزمني؛ هي مرتكز كل خطاباته، رغم أنّ الجميع يدرك أنّ آخر من يتحدث عن القيم والأخلاق والمبادئ نظرياً وعملياً هو القذافي، وكل ما تحتاجه لتتأكد مما أقول مجرد قراءة تاريخ الرجل البعيد والقريب، وزيارة ولو قصيرة للعاصمة الليبية (طرابلس) لترى (تخلُّفها) الحضاري المخجل، وفي كافة المجالات، والذي يندى له جبين كل ليبي وطني مخلص، وانتمائها شكلاً ومضموناً لحقبة (الستينات)، رغم أنّها عاصمة إحدى الدول (البترولية)، ذات التعداد السكاني القليل، لتدرك أنّ (الانقلابات) العسكرية التي جاءت بالعقيد القذافي و(أمثاله) من حكام المنطقة إلى سدّة الحكم، كانت بالفعل كارثة على أوطانهم قبل أن تكون (وبالاً) على المنطقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
 
القذافي قفز إلى الحكم من على ظهر دبابة، وسرق السُّلطة في ليل حالك السواد. وكما هم زعماء بني يعرب الثوريون (الأشاوس) اعتبر سرقته للسُّلطة (ثورة)، و(تربُّعه) على هرم السُّلطة في ليبيا (نصراً) للإنسان الليبي. لذلك حكمَ ليبيا بالحديد والنار؛ وكان (السجن) و(السوط) هما الوسيلة المفضلة لدى (حبيب الجماهير والجماهيرية) كي يسوس بهما شعبه الذي مات - كما يقول - في (دباديبه)؛ وإذا اضطر الزعيم الملهم، (مجرَّد اضطرار)، فإنّه لا يتردّد في (الإعدام) بأيّة وسيلة، لأنّ أعداء قائد الثورة هم بالضرورة التي لا تقبل أي نقاش أعداء الشعب!. لذلك فإنّ كل من وقف في وجه (أبولاسا لاسا نايلون) كما وصفه الكاتب المرحوم (عوني بشير)، فإنّ باطن الأرض أولى به من ظهرها. هكذا هي تعليمات قائد الثورة العظيمة لأجهزته المخابراتية!
 
ولعلّ أهم ما يجيده القذافي في مؤتمرات القمة التي يشارك فيها، أنّه يتحوّل إلى (ممثل)، ويحوِّل مؤتمرات القمة إلى (مسرح) تضحك جماهيره منه وعليه، فيتابع الناس خطاباته ووصلاته (الفنية)، لا احتراماً له، وإنّما انتظاراً (لتقليعاته) للتندُّر بها والسخرية عليها.
 
وإذا أردت أن تضحك أيضاً، بل وأن تستلقي على قفاك من الضحك فاقرأ كتاب (العقيد) الذي سمّاه (الكتاب الأخضر)، فهو كرّاس ذو نتوءات فكرية غاية في الخطابية والشعاراتية، يحمل بين دفّتيه أفكاراً ومقولات وشعارات مبعثرة ومتناثرة ومتناقضة، تفضح بالفعل فكر القائد (الملهم)؛ وفي الوقت ذاته يكشف هذا الكرّاس و(بجلاء) كم هو مصاب ليبيا كبير، بل و(كارثي) عندما تولى هذا الإنسان دفّة القيادة في غفلة من الزمن على ما يبدو، وفي أرض أنجبت قامة تاريخية في حجم (عمر المختار)!
 
تذكرت وأنا أستمع للقاء القذافي في قناة الجزيرة القطرية، ذلك (التاجر) الذي عندما أفلس، وشعر أنّ بضاعته كسدت، أغلق (دكانه) وبقي في بيته، عسى ولعل أن يكون (غيابه) مبرراً وغطاءً لكساد بضاعته وإفلاسه المحتوم. والقذافي - على ما يبدو - أفلس حتى من قدرته على إضحاك الناس: (بضاعته العريقة)، فقرر الغياب.
 
***
عن صحيفة الجزيرة - الأحد 1 أبريل 2007

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com