28/04/2007

      


 

 
القذافي ورفع المصاحف ثانية
 
بقلم: ثريا الشهري
 
سئل الحسن البصري عن سبب فساد أمر الناس فقال: «عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، فحكّم الخوارج (قالوا لا حكم إلا لله) فلا يزال التحكيم إلى يوم القيامة». لنتبصر في هذه المقولة ونحن نسترجع خطاب العقيد الليبي معمر القذافي الذي ألقاه في بداية الشهر الجاري، ودعا فيه لإقامة الدولة الفاطمية الثانية في شمال أفريقيا، مؤكداً أن المقصود بالحرمين هما مكة والقدس، أما المدينة المنورة وحرمها النبوي، فما هذا المسجد الذي شيدوه! وأين قبر محمد الذي ادعوه (فحوى الخطاب)! ويتحدى صراحة إن كان الموجود هو قبر الرسول. وللاختصار سأباشر بالقول إن القذافي وبعد كل هذه السنين، لا يجد غير الفاطميين باباً يلج منه باسم توحيد شتات الأمة الإسلامية (في الوقت الذي ينفي فيه المصلحية والمذهبية والطائفية والعصبية) بدعوى أن أهل الصحراء وقبائلها يئنون من ضياع هويتهم، وعليه، وبحسب رأي القذافي فلتكن الهوية فاطمية، وهنا، وكما امتلك العقيد الجرأة في التشكيك بمكان قبر الرسول، بنفس المنطق نسأله وكيف جزم بانتساب الفاطميين إلى ابنة الرسول فاطمة الزهراء! فإذا كان قبر أبيها على قدره قد أنكره، فمن أين جاءت الثقة بهذا النسب المنحول! أم أن جزئية تمكن العبيديين (وليس الفاطميين نسبة إلى مؤسسهم الملقب بعبيد الله) من إخضاع الحجاز والحرمين فترة لحكمهم هي أكثر ما أغرى بهذا الانتساب المتهالك! والعجيب أن يأتي هذا الانتفاض والسجلات ما زالت تحتفظ بذكرى اختفاء الإمام موسى الصدر أثناء زيارته لليبيا! وكل الذنب الذي حذف الرجل بسببه من عالم الأحياء أنه رفض أن يبدّل القذافي أمامه في آيات القرآن حين قرر أنها «هو الله أحد» لاغياً كلمة الابتداء «قل» التي رأى أنها كانت موجهة للرسول وانتفى معناها بموته، فأي جريرة! أما القول بأن كل السنة شيعة في حبهم لعليّ، وكل الشيعة سنة في حبهم للرسول، فهذا صحيح، ولكن لا يجوز أبداً أن نستعين بحق في إثبات مزاعم لا يرتضيها عقل المؤمن وضميره، أو نخطب فنتذمر من التطاول على نبي الأمة وطمس القرآن، ثم نناقض ذاتنا، فعلى الأقل حين يسيء الآخر إلى كتابنا ورسولنا فهو لا يدين بديننا.
 
على كل، الدعوة إلى الفاطمية كان لها سابقة تعود إلى عام 1992، فقبل التأرجح بين الانتماء الإفريقي والعربي خطب العقيد القذافي وحذر من أمريكا (معروف الموقف الآخر منها) بالتصدي لها بالخلافة الإسلامية والدولة الفاطمية، إنما، وبالرغم من توتر الأوضاع الذي كان سائداً بعد حرب الخليج الثانية، إلا أن الجدل السني ـ الشيعي لم يكن مطروحاً بشكله الحالي، فلم يكن من دافع يغذّي النار الفاطمية آنذاك، ولكن الحاصل اليوم مختلف جذرياً، وبصرف النظر عن تفاصيل قمة الرياض الموفقة، بكرسي ليبيا الشاغر، أجد أنه من المؤلم حقاً اللجوء إلى حكاية التقرب بحب آل البيت، خدمة لتطلعاتنا، حتى وإن حرصنا على الإتيان بكلمتين عن الدين وأنه لا علاقة له بالخلافة، وأنه مجرد صراع دنيوي على السلطة (كما جاء في الخطاب)، فحتى مع وجود مثل هذه التطمينات فالأمر لم يعد يخفى أنه في النهاية سيناريو آخر لحمل المصاحف ولكن باسم الدولة الفاطمية.
 
مفهوم السنة والشيعة لم يتبلور معنوياً ولا مادياً إلا بعد ثلاثة إلى أربعة قرون من ظهور الإسلام، والسنية والشيعية لم تتشكل تماماً إلا بعد أن تكرست كتب الحديث في كلتا الجهتين: البخاري ومسلم في جهة السنة، والكليني وابن بابويه في جهة الشيعة، أما قبل ذلك فكان الوضع مقتصراً على مفهوم المسلمين بالمعنى الابتدائي للكلمة، فلم تتبلور الفرق السياسية باسم الدين وتتمايز تاريخياً عن بعضها إلا بعد فترة من الصراعات العقائدية والسياسية والسلطوية والتي هي سبب نكبتنا منذ حينها إلى وقتنا، وبناء عليه، لم يأت القذافي بالجديد ولكنه سعى إلى توظيفه، فإذا اعتبرنا أن «التشيع» هو حب الإمام عليّ فلا يوجد مسلم حقيقي لا يحبه، وإذا اعتبرنا «السنة» هم أهل الحديث، فلا يوجد مذهب واحد لا يعتمد عليهم، ولكن دائماً ما يحمل الفصل بكلمتي الشيعة والسنة معه رمد التمذهب، وإذا كانت أزمتنا السياسية منذ وفاة الرسول في تيار وقف مع الدولة سنة وشيعة، وتيار وقف ضدها سنة وشيعة، أي تيار حاكم، وتيار معارض، ولا ثالث لهما سوى المحايد ولا عبرة به، فلا نعقد الأمور أكثر بحجة أننا نحلها، فننتهي بفصل السنة عن الشيعة في الحكم والمعارضة، وكأن الإسلام لا يجمع بينهما على ملة دين واحدة. كلمة أخيرة: الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى من يثري فكرها السياسي المتراكم بما يكفل تطورها وحمايتها ووضوحها وثقتها بمؤسساتها وانتخاباتها وأنظمتها، وليس بمن يثري فقهها السياسي «بما» يكفل تبريره والانتفاع بتفسيره. كلمة بعد الأخيرة: النموذج الذي قدمته الدول الإسلامية المتعاقبة يبقى داخل إطارها وظروفها، ولا يتعداه إلى زمن آخر بصلاحيات ومتغيرات أخرى.
 
عن صحيفة الشرق الأوسط

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com