31/07/2007

على ضفاف مأساة أطفالنا الأبرياء
بقلم: سليمان عبد القادر - موقع المنارة

 

 

سليمان عبد القادر

بإمكان الواصف ان يحيل حياة شعب ما إلى لغة الأرقام, يقيس بها مستوى المعيشة وحجم التضخم والقوة الشرائية وتعداد الناس, غير أن ثمة مآسي في الحياة ضاربة في أغوار المشاعر وتحفر أخاديدها على سويداء القلوب ستبقى عصية على هذه اللغة.
 
إنك تستطيع ان تصف بذاذة ثوب يرتديه طفل ما بتقدير ثمنه وتكلفته, ولكنك لن تستطيع أن تحيل دموع هذا الطفل ونظرته الحزينة المنكسرة ونحيبه المتحشرج في صدره إلى رقم مهما فعلت, بل ولن يستطيع هذا الرقم مهما تراص أمثاله عن يمينه وشماله ان يعبر عن زفرة واحدة من قلبه الحزين.
 
كتبت هذه الكلمات وأنا أنظر المأساة في وجوه أطفالنا الأبرياء المحقونين بفيروس الأيدز وقد تخطفتهم الآلام والأوجاع واغرورقت عيونهم البريئة بالدموع لتسطر على صفحات التاريخ مأساة أخرى في حياة شعبنا, ولتكتب على جبين الزمن المطأطئ خجلا: أن الإنسان المتحضر الذي داس بقدمه سطح القمر وجعل من العالم الكبير قرية صغيرة, لا يزال غـــراً في عالم القيم يتخطاها بأنانيته ولا يأبه حتى للطفولة البريئة ان تقتل في مهدها !.
 
غير أنني على ضفاف هذا الجرح الدامي اقول أن ثمة عبر ودروس تجلت من خلال المأساة هذه إشارات إليها:
 
لقد أثبت التعاطي مع هذه القضية من قبل (رابطة أسر الأطفال الضحايا) أن مؤسسات المجتمع المدني لها أهمية كبرى في التفاعل المجتمعي وحماية مصلحة المجتمع وحقوقه بله وحتى في مقارعة الدول الكبرى, ولقد اطلعت من خلال بعض المواقع الإعلامية المتنوعة على الجهود التي بذلتها الرابطة للتعريف بهذه القضية العادلة ومن خلال وسائل الإعلام, حتى إني شخصيا لمست حجم التعاطف لدى قطاع عريض من أبناء الجالية العربية والمسلمة في عديد من دول اوروبا. لقد وضعت هذه التفاعلات دولة مثل بلغاريا ومن خلفها المجتمع الغربي عموما في مواجهة حقوق صحية منتهكة وأسر مظلومة وأطفال أبرياء. ولقد ترسخ في أذهانهم أن القضية لا ترتبط بقرار فوقي بقدر ما ترتبط بتسوية عادلة مع أسر الضحايا , بل و هيأت الظرف للسلطات الليبية - لو أحسنت الإفادة منه - لتواجه مطرقة الضغط الدولي بسندان الضغط الشعبي.
 
إن فعاليات المجتمع المدني وما فيه من حرية للتعبير وحرية للرأي وسيادة للدستور وللحقوق الدستورية للمواطن واستقلال للقضاء هو الطريق الذي يصنع دولة المؤسسات وهو الطريق الذي يكون فيه الرأي والموقف والقرار مجسداً لمصلحة الوطن ومصلحة المجتمع وحقوق المواطن وصامدا في وجه الضغوطات والإبتزاز السياسي.
 
وعبر أداءات (رابطة أسر الأطفال الضحايا) ونشاطاتها وصلابتها في إحقاق حق الأطفال المحقونين برزت كفاءات متميزة لأبناء مجتمعنا الليبي. لقد كنت أتابع بكل إعجاب وإهتمام آداء الأستاذ إدريس لاغا والمهندس رمضان الفيتوري عبر المقالات والحوارات والمؤتمرات الصحفية, وكان يغمرني شعور جميل بالفرح أن الخير في وطننا وفي ابناء وطننا لا ينقطع, وأن شعبنا الطيب رغم معاناته فإنه يعج بالكفاءات الفذة التي لو أتيح لها الفرص لأثبتت وجودها المتميز. قد يمر هذا بالبعض مرور الكرام, و لكنّي أقول بصدق إن شعور الفخر بهذه الكفاءات المتميزة من ابناء وطننا, والتعلق بكل ما يمت لهذا الوطن الطيب بصلة, له مذاق آخر ربما لا تجده إلا القلوب التي طلَّحتها عصى الغربة البغيضة.
 
وعلى جانب آخر فإن ثمة مراجعات ينبغي أن تكون من هذه المأساة الإنسانية و أخطاء يجب أن نواجه بها أنفسنا , فقد يعيب المرء زمانه ويرميه بكل نقص, والعيب فيه لكنه يغفل عما جنته يداه. في نظري لقد أعطت السلطات في بلادنا الذريعة للآخر ليستخف بمعاناتنا وبمشاعرنا, ليستخف بهذه الطفولة البريئة التي أنتهكت ولا يلقي لمعاناتها بـالاً, بل ويسدر في غيِّه وفي إستخفافه ويصدر قرار العفو على أرض المطار . فالبرغم من التصريحات بعدم التدخل في عمل القضاء واحترام القرار الذي يصدر عنه, لكن ما صدر عن بعض المسئولين كان يوهن هذا الشعار بل ويحيله أنكـاثا. لقد ذهلت وأنا استمع إلى تصريحات أحد المسئولين الليبيين يقول فيها أن الجريمة كانت نتيجة للإهمال ! فهل هذا التصريح من شخصية مسئولة يصب في إحترام الحكم القضائي الذي صدر ؟ وهل نتوقع من الطرف الآخر أن يحترم على الأقل مشاعرنا بعد هذا التصريح ؟ وهل ستنتهي القضية في نظر هذا المسئول إذا أحيلت إلى الإهمال الصحي !
 
ثم إن جريمة بهذا الحجم نفذت في مكان يقصده المواطن للشفاء من أمراضه و أسقامه فإذا به يرجع بأشنع وأخطر مرض في هذا العصر, لا شك أنها قد هددت الأمن القومي لوطننا, بل و كادت أن تقطع شعرة الثقة للمواطن حتى في مستشفيات بلاده - إن لم يكن قد قطعتها فعلا - . وإني أستغرب ان يكون جواب أحد المسئولين في المؤتمر الصحفي حين سئل عمَّن يقف وراء هذه الجريمة ولمصلحة من نفذت ؟ فيقول أن القضاء قال كلمته في هذه القضية, ضاربا بحق الدولة الليبية عرض الحائط وغير آبهٍ بمن يقف وراء هذه الجريمة النكراء !.
 
إن القضاء تعامل مع الأدلة والقرائن و أصدر حكمه على هذا الأساس ضد من نفذ هذه الجريمة مباشرة, ولكن السلطات في ليبيا مسئولة عن مواصلة البحث للكشف عمَّن يقف وراء هذه الجريمة البشعة, ولمصلحة من نفذت ؟. إن السلطات الليبية مسئولة على أن تعيد الثقة للمواطن وأنه سيأمن على نفسه وأولاده وأن يد الغدر الآثمة التي أغتالت فلذة كبده في المستشفى قد كشفت تماما ولن تعيد الكرة مرة أخرى , ولن يكون هذا إلا بكشف من كان وراء هذه الجريمة الشنيعة. وبقدر سعي السلطات الليبية للإجابة عن هذا السؤال بقدر ما يعكس اطمئنانها واحترامها للحكم الصادر عن القضاء.
 
إن مثل هذه التصريحات ومن قبلها تاريخ من الإجراءات الإستثنائية التي همشت بموجبها مؤسسة القضاء وإستعيض عنها بالمحاكم الإستثنائية الثورية والشعبية تارة والخاصة تارة أخرى والإنتهاكات التي مورست ضد سجناء الرأي والفكر والضمير من أبناء هذا الوطن الطيب هو الذي أعطى ويعطي الذريعة للطرف الآخر أن يستخف بالمؤسسة القضائية وحكم القضاء الليبي, بله ويمارس الضغوط الدولية للتدخل في سير القضية, بل ويستخف حتى بمشاعر الأطفال المحقونين ومشاعر ذويهم ضاربا بكل قيم التسامح التي أبدوها عرض الحائط , بل ويصر على براءة مواطنيه رافضا أن يدفع التعويض لهؤلاء الاطفال المغدورين لتتكبده تشيكيا وسلوفاكيا من خزينتيهما !
 
وأخيراً إلى أطفال وطننا المغدورين أهمس : برغم يفاعتكم وصغر سنكم فأنتم العمالقة الذين لا يزايد على معاناتهم وتضحيتهم أحد, ومن مأساتكم ومعاناتكم وآلامكم نتعلم, وإن حقكم عند الله سبحانه وتعالى لا يضيع, وإن عجزت أسباب الدنيا عن رد حقوقكم فالله سبحانه لا يعجزه شيئ و إنما يمهل ولا يهمل, و ويـل لجاني الأرض من قاضي السماء.
 
عن المنارة - 31 يوليو 2007

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com