28/05/2005


 

 

ذكرى الأسرة العلوية

 

احمد الربعي

 

اليوم تحل المئوية الثانية لتولي الأسرة العلوية حكم مصر في ظل صمت رسمي وشعبي باستثناءات قليلة. والأمر يبدو وكأنه محاولة لجعل الشعوب تفقد ذاكرتها، وتفهم تاريخها فهماً مشوشاً، بعد أن قامت عمليات غسل دماغ جماعية للشعوب العربية، لإقناعها بأن عهد الأسر الحاكمة في العديد من الدول العربية كان عهد فساد وخيانة للوطن وسرقة له. الذين أسقطوا الأنظمة الملكية في عدد من الدول العربية، أقاموا أنظمة فاسدة وعاثوا في الأرض فسادا، وأفقروا الأغنياء، وزادوا الفقراء فقرا، وسقط في عهدهم ما بقي من أرض فلسطين، وأعطوا القتلة والدكتاتوريين هاله وقدسية، وزاد الظلم والفساد، وامتلأت السجون بأصحاب الرأي الآخر، وصودرت الحريات تحت شعار أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وسرقت أموال الشعوب بحجة العتاد الحربي والاستعداد لمحاربة العدو.

 

الصور التي نشروها للأسر الحاكمة قبل عهود الانقلابات، هي صور مشوهة كاذبة انتقائية. فلم يقل أحد إن مصر أقرضت بريطانيا العظمى خمسين مليون جنيه مصري، حين كان الجنيه المصري أغلى من الإسترليني، ولا أحد يتكلم عن التعليم الراقي في جامعة فؤاد الأول، أو جامعة بغداد، ولا أحد يقول إن الأسرة الهاشمية في العراق هربت الأسلحة لثوار فلسطين، وإن الملك فاروق أول من دعا إلى مؤتمر قمة عربية لمواجهة مشروع إنشاء دولة إسرائيل، ولم يقل أحد إن الملك السنوسي في ليبيا لم يكن يحقد على الناس، ولم يفقر بلده ويحولها إلى خرابة ينعق فوقها البوم..!

 

كان العراق بلد الخير «والرز العنبر» وأحزاب المعارضة والصحافة الحرة، رغم كل العيوب والمثالب. وكانت مصر بلد السكة الحديد والبورصة والأوبرا والموسيقى والجامعات والثقافة والسينما. وكانت ليبيا تمارس تعددية سياسية، وكان الحكم رحيما، وكان الناس يخافون الله ويخجلون من الناس.

 

لم تكن عهود الملكيات أوضاعا مثالية، لقد شاب بعضها الفساد والضعف، ولكنها لا يمكن أن تقارن بالأنظمة الثورية التي دمرت البلاد، وعاثت فسادا في أرواح العباد، ودمرت المؤسسات والتقاليد الأكاديمية، وأصبح الجيش مؤسسة للمحسوبيات وشن الحروب على الجيران، وأصبح مجرد التفكير بالمعارضة جريمة، ومجرد كتابة كلمة نقد جريمة. وانتهت الحفلة بملايين المشردين خارج أوطانهم، والعاطلين والمحبطين داخل هذه الأوطان. تمر ذكرى المئوية السنوية لحكم الأسرة العلوية في مصر، كما مرت غيرها من الذكريات بصمت يشبه صمت القبور، وبمحاولة لمسح الذاكرة الجماعية للناس، ولجعل هذا الجيل بلا ذاكرة، وبلا معرفة.

 


الشرق الأوسط - 17 مايو 2006


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com