23/05/2006


 
 
... في ما خصّ لاهوت المحسوبية والزبائنية الدولية: بضعة نماذج
 
حسن شامي
 
لا نأتي بجديد إذا قلنا إن الأحداث البارزة تحتمل غير قراءة، وان تعدد القراءات يفتح باب التأويلات على تباينات تتسع الهوة بينها أو تضيق الى هذا الحد أو ذاك. لا جديد ايضاً في القول ان تباين القراءات يعود الى اختلاف في مواقع النظر وفي تشخيص المصالح والآفاق التي يمثلها أصحاب التأويل. على أن تسهيل الاصطفافات وصناعة الرأي والمواقف أرسى ما يشبه التقليد القائم على شد التأويلات وجذبها نحو قراءة دنيا وقراءة قصوى قد لا يخلوان كلاهما من المبالغة والاختزال والتبسيط الدعاوي.
 
والحال ان «قراءة» وزيرة الخارجية الأميركية السيدة كوندوليزا رايس لحدث من طراز استئناف العلاقات الديبلوماسية بين بلدها وبين ليبيا، بعد قطيعة طويلة نسبياً، تكاد لا تترك محلاً لزيادة مزيد. فهي أعلنت بسعادة هذا الاستئناف الكامل وترجمته بفتح سفارة في طرابلس قريباً. والبشارة هذه تحتاج الى تبرير وهو أن الخطوة الأميركية تأتي بمثابة اعتراف بالتزام ليبيا نبذ الارهاب و»تعاونها الممتاز مع الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في المجتمع الدولي (كذا) لمواجهة التهديدات الدولية المشتركة التي تواجه العالم المتحضر منذ اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001».
 
المواطن العادي لا يشعر ربما بحاجة الى النظر مليّاً في العبارات والمصطلحات والصور البلاغية ولا الى تمحيصها واختبارها اختباراً استكشافياً لتهجي دلالاتها وقياس حمولتها الفعلية أو المفترضة.
 
أما الراغبون في تحليل الخطابات نقدياً اضافة الى الراغبين في تأريخ العلاقات السياسية ومنطق اشتغالها، فهم بطبيعة الحال يميلون الى قراءة العبارات ومراميها بعناية تضاهي عناية قارئي ارسطو وشارحيه. وعلى هذا النحو ينبغيربما مقاربة بيان السيدة رايس الذي وزعته وزارة الخارجية الآميركية لتوصيف استئناف العلاقات مع ليبيا وتسويقه. فهي رأت ان القرار الأميركي بهذا الصدد يقدم نتائج ملموسة ترتبت على «القرارات التاريخية التي اتخذتها القيادة الليبية في 2003 لجهة نبذ الارهاب والتخلي عن برامجها لأسلحة الدمار الشامل». ونتج عن هذه القرارات، بحسب بيان رايس، اننا «شهدنا بداية انتقال ذلك البلد للانضمام الى المجتمع الدولي». ومعنى هذا ان القيادة الليبية أقامت مدة ثلاث سنوات، أي منذ اتخاذ قراراتها التاريخية عام 2003 حتى اليوم، داخل المطهر الذي تحتسب فيه نوازع الخير ونوازع الشر وتقرير أرجحية أيهما قبل اعطاء الاذن شبه الالهي بالدخول الى فردوس المجتمع الدولي او على العكس بالطرد منها. ومن يتعرض لمثل هذا الاختبار التطهيري والتغريمي وينجح فيه يصلح لأن يكون قدوة تحتذى. وبالفعل لم تبخل السيدة رايس بتقديم الفوز الليبي في صورة منارة اهتداء أو «سفينة نجاة» لا فرق، لمن يصرّون على الايغال في الضلالة مثل ايران وكوريا الشمالية. فهي تعتبر أن ليبيا «قدمت مثالاً مهماً فيما تسعى دول العالم الى تغيير أداء النظامين الايراني والكوري الشمالي، وهو التغيير الاستراتيجي الذي نحث القيادة في كل من ايران وكوريا على اتخاذه لمصلحة شعبيهما».
 
سبق لأحد الفلاسفة (وهو هايدغر) ان رأى في اطلاق صفة العقلانية على اللاهوت المسيحي نوعاً من «الدائرة المربعة» أو من تربيع الدوائر، أي نوعاً من المحال والعبث. في التقديم الرايسي الأميركي لرواية التأسيس الجديد لعلاقات ديبلوماسية بين بلدها وبين ليبيا القذافية، ثمة لاهوت عقلاني من الصنف المشار اليه. يمكن القول، بحسب بيان الخارجية الأميركية، ان نظام العقيد القذافي اهتدى أخيراً وبالجملة، أي توصل الى الاسترشاد بمقاصد الخير العام الذي ترعاه الادارة الأميركية بتفويض ذاتي وأحادي القدرة (وهذا الخير المشفوع بالهداية هو نبذ الارهاب والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل). على أن الاهتداء بالجملة لا يعفي من الحاجة المبدئية الى الاهتداء بالمفرق، وان كانت هذه محل تفاوض واقعي بل مفرط في واقعيته. وهنا بيت القصيد. اذ اعتبرت السيدة رايس ان إعادة العلاقات الديبلوماسية المذكورة تفتح الباب أمام علاقات ثنائية أوسع بين البلدين «تسمح بالبحث في قضايا مهمة أخرى، بما فيها حماية حقوق الانسان ودعم حرية التعبير وتوسيع مجال الاصلاح الاقتصادي والسياسي في ما ينسجم مع أجندة (كذا) الرئيس جورج بوش من أجل نشر الحرية». من نافل القول ربما ان القضايا الأخرى هذه أقرب الى أن تكون «تفاصيل» بالنظر الى زوال الغشاوة الكبرى عن عين القيادة الليبية المستدامة، وهو زوال يحصل، بالأحرى يجري تقديم حصوله، بطريقة كشفية صوفية كما لو أنه نور قذف في الصدر.
 
لنقل ان صورة المثال، في غضون سنوات المطهر الثلاث، تبدلت أو أخذت تتبدل. لم يعد عراق ما بعد صدام ما بعد صدام الأرض الموعودة لتجسيد المثال وتقديمه. فهذا مرشح للانتقال الى أرض أخرى قد تكون ليبيا مصنعاً مؤقتاً له. ما هو غير مؤقت، بل أقرب الى الثبات، ان اعتقاد الإدارة الأميركية بضرورة تقديم مثال إقليمي لشعوب ضلّت طريقها بحيث تحتاج الى الهداية الى سواء السبيل. ومن وجوه الثبات ايضاً، أن ترسيخ العلاقات غير المتكافئة بين المركز الأميركي وأطرافه الاقليمية والمحلية يجري، أو يجدر به أن يجري، على قاعدة المحسوبية والزبائنية. وهذه تحتاج، كما يعلم مؤرخو الاجتماع، الى الكثير من اللاهوت وأخلاقه القائمة على الوعد والوعيد، وعلى الثواب والقصاص... الخ. ولا يشذ عن هذه القاعدة الزبائنية ذهاب وفد لبناني للمشاركة في لقاء نظمه «التحالف اللبناني - الأميركي» مع السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون وتقليده «درع الأرز» من قبل التحالف «تكريماً لانجازاته وسجله الداعم لحرية لبنان واستقلاله». والمشاركون اللبنانيون هؤلاء، القادمون من صفوف قوى 14 آذار (مارس) يحسبون أنهم إزاء زبائنية - نقيض لتلك التي ينسبونها بالجملة الى الوصاية السورية. زبائنية ضد زبائنية اذاً. وقد استحق المشاركون هؤلاء في تكريم رجل اعتبر انتقاله من الادارة الى الأمم المتحدة، في دوائر أوروبية سياسية وإعلامية نافذة، خطأ ان لم يكن كارثة على الديبلوماسية الأميركية، انتقاد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووصفه عملهم بلغته المنقحة والمعتدلة المعهودة بأنه خطوة غير موفقة. واذا كان مطلوباً ترجيح أجندة وطنية لبنانية يمكن للحوار الحالي ان يرعاها ويبلور عناصرها واتجاهاتها، فإن الزبائنية التي يسعى اليها البعض نكاية بالدور والوصاية السوريين وبمن يحسبون في فلكهما من القوى اللبنانية الأخرى من دون تمييز تقريباً، أشبه بمن يقطع الغصن الوطني الذي يجلس عليه. والأمر هذا ينطبق على بعض وجوه التعاطي مع سلاح المقاومة (حزب الله)، حيث يذهب البعض الى حد الوقوع في خطأ الرجل الأرمني الذي ذهب عند الطبيب، بحسب النكتة المعروفة، وطلب من هذا الأخير ان يخصيه فيما كان هو يقصد الختان فقط. والنكتة تقول ان الرجل أدرك خطأه بعد... فوات الأوان.

صحيفة الحياة - 21 مايو 2006

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com