01/02/2008
 

إعادة الحياة الدستورية: شعار مرحلى ومطلب إستراتيجى *
 

(إعادة نشر)

 
بقلم: عبد الرحيم صالح

 
تكمن المأساة الحقيقية داخل أسوار الوطن فى التغييب المتعمّد للدستور، والاستفراد بالسلطة، واستخدام العنف والإرهاب لتكريس احتكار العمل التنظيمى والاقتصادى والسياسى والفكرى والإعلامى، وهيمنة حفنة جاهلة، جشعة، جبانة، تخشى الرأى الآخر وتقمعه بوحشية لا نظير لها فى تاريخنا القديم أو الحديث، وتسعى جاهدة إلى تدجين حالة من الخنوع والاستكانة فريدة من نوعها فى العالم المعاصر، وتتفادى الخوض بالقضايا الأساسية لتطوير البلاد، وعاجزة تماماً عن اتخاذ زمام المبادرة والتصدى لهدم مؤسسات المجتمع المدنى. بل وتتفادى المطالب العاجلة التى تتوحد حولها الجماهير فى نضالها اليومى، ضد تقهقر متوسط دخل الفرد، وإهدار المال العام، واستشراء البطالة، وتفاقم حجم السوق الموازية، وانكماش القيمة الشرائية للعملة الرسمية، وارتفاع معدلات التضخم، وانتشار الفساد المالى والأخلاقى والإدارى، وتدهور الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقص فى المياه، وانهيار البنية التحتية، ودمار للبيئة - خاصة أزمة تلوّث الشواطىء بالنفط ومشتقاته التى تنذر بكارثة بيئية لم تشهدها ليبيا من قبل -، وباختصار شديد: تلويث سمعة مجتمعنا المنكوب، وتعريضه لاستحقاقات باهظة نتيجة تهور من يحكمه بقوة الحديد والنار، ويدفعه نحو المزيد من التراجع والانحسار فى كل جانب من جوانب الحياة فيه.
 
ولتجاوز هذه المحنة القاتلة، فإن شعبنا بفئاته المختلفة، وفى مقدمتها ما تبقى من بقايا مثقفيه الوطنيين، مطالب بشحذ الهمم، وحشد كل الطاقات المتوفرة – رغم شحّها -، فى أطر نضالية تعبوية، تواكب المتغيرات الحثيثة، وتنتهج أسلوب العمل الديموقراطى العلنى السلمى – رغم عنف وعنجهية وهمجية الحكم القبلى المتأخر -، وتطالب بإعادة الحياة الدستورية، وتدعم كل الجهود الوطنية الرامية إلى خلق نظام دستورى ديموقراطى عادل.
 
"جماهيرية" استبدادية أم دولة ديموقراطية دستورية ؟
 
فالدستور هو قانون البشر الأعلى الذى يعبر عن الفلسفة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لمجتمع ما، فى مرحلة تاريخية معينة من مراحل تطوره. أو بمعنى آخر، الدستور هو مجمـوع القوانين والنصوص – المعتمدة والمقبولة من قِبل الغالبية العظمى من الشعب – لتنظيم علاقات الأفراد وتوضيح حقوقهم وواجباتهم الأساسية من ناحية، وتحديد علاقات الأفراد بالدولة ومؤسساتها من ناحية ثانية. وهكذا يصبح الدستور ذلك العقد الجماعى الذى يحدد ويرسم بدقة علاقة الحكام بالمحكومين، ويضمن للمواطن حق المواطنة، الذى ينطوى على حق المشاركة – الطوعية – بصناعة القرارات التى تهمه وتهم الجماعة التى يعيش بينها. وهو المنهج الصحيح لاتخاذ القرارات فى حالات تتعدد فيها الآراء والمواقف، وتتنافس فيها المصالح والقناعات والأهداف. ويعد دون منازع الطريقة العصرية الحضارية فى حسم الصراعات دون اللجوء إلى العنف أو الإرهاب، لأنها تعتمد أساساً على الحجة والإقناع والجدال بالتى هى أحسن، وعدّ الرؤوس بدل بترها!
 
وبذلك يمثّل الدستور انعكاساً للمبادىء والقيم التاريخية والتراثية والدينية للمجتمع الذى ينبثق فيه، وهو عادة ما يكون فى جوهره العام عبارة عن مفاهيم وتصورات بشرية، ترتبط بالواقع فى اللحظة الراهنة، وتتضمن استشرافاً للمستقبل، لما هو أفضل وأكمل، أى ما يجب أن يكون عليه العيش المثالى السعيد، الخالى من البطش، والقمع، والفقر، والتسلط…إلخ. ولما كانت كل قيمة دستورية – قانونية – حبلى منطقياً بقواعد اجتماعية، وثقافية، وتاريخية، وتراثية تتكيف بها، فقد برز نوعان من القيم الإنسانية: الأولى، وهى تلك القواعد المبنية على "القيم الفردية"، وهذه هى قواعد الأخلاق، والثانية، القواعد المبنية على "القواعد الاجتماعية"، وهى التى تكون بمثابة الأسس القانونية التى يُكسبها الدستور صفة الإلزامية، ويوظفها لخدمة أعلى القيم الاجتماعية وأكثرها شمولاً وتلكم هى: "الصالح المشترك".
 
دستور من الشعب وبالشعب وللشعب:
 
ولا يصح أن يكون القانون الأعلى خاضعاً أو متأثراً أو متوقفاً على ميول فرد بعينه، أو أهواء قلّة قليلة. بل من المفترض، أن يتصف الدستور بالحيادية، ويشكّل امتداداً، وتحقيقاً لأهداف، وأغراض، وطموحات، ووعى، جميع أبناء وبنات المجتمع. وهنا نستطرد لنقول: يجب أن يحوز الدستور، إن لم يكن على رضاء وموافقة جميع الشعب، فبالأقل على رضاء الغالبية العظمى من أفراده. فليبيا لجميع الليبيين بصرف النظر عن اللغة والعقيدة واللون والجنس والرتبة والثروة والعرق والإنتماء القبلى أو الاقتصادى أو السياسى أو الثقافى أو الدينى أو الاجتماعى. ويجب بناء الوطن على الرضاء المشترك وفق الاختيار المفتوح والمشاركة الحرّة. فالنظام الدستورى فى جميع الأحوال، وهذا بيت قصيدنا هنا، هو الطريقة الوحيدة لتوزيع السلطات السياسية وتداولها وشرعنة استخدامها باتباع الإقناع بدل القهر. وهو فى ذلك يضع جانباً أى "حق" فى الحكم مصدره "الشرعية الثورية"، أو وفرة المال، أو طيب السلالة، أو صدق الوحى!
 
والأقلية، فى أى نظام دستورى ديموقراطى، محمية من تعسف الحكومة، ومن طغيان ودكتاتورية الأكثرية. فهى محصنة بمجموعة لا يستهان بها من الحقوق والحريات المعترف بها قانونياً، والملزِمة للأجهزة الحاكمة التى تخضع بدورها للرقابة والمساءلة والمحاسبة القضائية والشعبية. وإذا كان الدستور يستهدف فى الأغلب الأعمّ أهدافاً قريبة وبعيدة فى آن واحد، فيجب ملاحظة أنه حتى إذا مضى الدستور إلى آفاق أبعد وأرحب، فإن القبول به ينعقد عادة بسبب تقبّل أهدافه الأكثر اقتراباً من الناس المخاطبين بأحكامه. بل إن كثيراً من المبادىء والأسس العامة التى تنادى بها دساتير العالم، وتعمل على تحقيقها وحمايتها، لا يجد الناس حاجة إلى مناقشتها، وتكاد ترقى إلى مقام البديهيات.
 
الدستور والمصالح العليا للوطن:
 
بالطبع تثير فكرة "الصالح المشترك" أو "المصلحة العامة" الكثير من التساؤل والاختلاف، ذلك لأنها تفترض فهماً عميقاً للإنسان، وتتطلب نظرة ثاقبة لدراسة دوره ومعرفة مكانته بالوجود الاجتماعى. وإذا كانت النظرية الليبرالية قد حاولت حل مثل هذه التساؤلات بتصورها "الصالح المشترك" ممثلاً فى فرض أقلّ ما يمكن من القيود على حرية الفرد، فإن الفكر الدستورى الحديث لم يتوقف عند هذه النقطة فحسب، بل استمر متجهاً بعد ذلك إلى تصوّر "الصالح المشترك" على أنه كل ما يستجيب إلى طبيعة الإنسان، ويلبى احتياجاته، ويحقق أهدافه باعتباره كائناً اجتماعياً يؤثر ويتأثر بالوسط الاجتماعى الذى يتواجد به.
 
وهكذا، إذا نظرنا إلى الفرد والمجتمع معاً، لوجدنا أنه يقوم بينهما شد وجذب دائم، يكون أساس نبض الشعوب وحيويتها. على أن المجتمع فى تقدمه وتطوره، إنما يتقدم ويتطور نحو تحرير الفرد تحريراً سياسياً، واجتماعياً، ومادياً، وذلك بتحقيق ما يصبوا إليه الفرد من معاملته كشخصية تستحق المواطنة، وجديرة بالاحترام والتقدير. شخصية لها مطالبها فى العيش الكريم، وعليها واجبات، ولها أيضاً حقوقاً مشروعة توضع موضع الحسبان، وفوق كل اعتبار. وهذا التوتر – إن صح التعبير – بين المجتمع و الفرد، إنما يجد حلّه فى تلك الحركة الدائبة نحو الكمال الذى، اثبت التاريخ الإنسانى الطويل، أنه لن يتحقق إلا بإرساء نواميسا دستورية تستند على مبادىء، أصبحت اليوم إنسانية، يتفق عليها جميع البشر من المحيط إلى المحيط!
 
تلك المبادىء التى تُطلق الحريات العامة، والتى على رأسها حرية العبادة، والاعتقاد، والتفكير، والتعبير، والنشر، والتنظيم، والتنقل، والتملك… وتكفل حق الاختيار فى مجتمع مفتوح، يمارس الديموقراطية ويحترمها، بناءً على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويضفى نوعاً من الاحترام المتبادل على ماهية العدالة والمساواة الاجتماعية، وتقوية روابط الإخاء الذى قوامه "السلام الاجتماعى"، وذلك للوصول إلى أقصى درجات التنظيم والإبداع، إلى ذروة تقدير وإعلاء الكرامة البشرية. وليس ثمّة ما يمنع مجتمعنا من استلهام تراثه ليستخدم ما أنجزه علماء أصول الفقه من تحديد للمقاصد الكلية للشريعة فى صياغة دستوره، كمثل تلك المقاصد التى صاغها الإمام الشاطبى فى خمسة مبادىء كلية عامة، هى: الحفاظ على النفس والعرض والدين والعقل والمال. أو تلك الكليات التى استنبطها المعتزلة، أو اجتهادات غيرهم من المفكرين والأئمة … إن المطالبة بإعادة الحياة الدستورية لا تعنى بالنسبة لنا نسخ تجارب الآخرين حرفياً! كما لا تعنى أيضاً حرفية المطالبة بدستورنا القديم قبل الانقلاب.
 
فقه دستورى أساسه العدل والمساواة:
 
هذا ويرتبط المفهوم الدستورى للعدالة بالهياكل والمؤسسات الفاعلة فى المجتمع، بل إنه يتطور بتطور ونمو مفهوم المساواة، ولا نعنى هنا المساواة "الحسابية البحتة"، ولكننا نقصد تقدم الشعور لدى كل فرد – ذكر أو أنثى – بتكافؤه مع غيره من أبناء وبنات المجتمع، وبتمتعه بكافة حقوقه الدستورية، من خلال تنظيم اجتماعى يُشرك الجميع إشراكاً متوازناً فى التمتع بالثمرات المادية والمعنوية المتوفرة، ويقضى على الفوارق الفئوية التى تباعد بين أعضاء المجتمع الواحد فى ظل نظام قضائى مستقل.
 
وإذا كانت هذه الحقوق الدستورية السياسية لا تضمن تماماً المساواة فى السلطة، أو فى درجة التأثير فيها، فإننا لا نستطيع إنكار دورها وأهميتها فى "العملية" الديموقراطية. فهى تفسح المجال، وتوفر الفرص، أمام المشاركة المحصنة بقواعد وحقوق متساوية لعلّ أهمها: الحق فى التصويت والترشيح، حرية الاعتقاد والتفكير والضمير، حرية وسائل الإعلام والتعبير، حرية تدفق المعلومات، حرية التجمع والتنظيم الحزبى وغير الحزبى…إلخ. ثم هناك قائمة "الحقوق المدنية" وغيرها من البنود الدستورية الأخرى. وهذه الحقوق مجتمعة توسّع حجم الرقعة المحمية من الحياة الخاصة للفرد، وهى بمثابة قيود – كما أسلفنا – على الأجهزة الحاكمة، تمنعها من الاعتداء المنظم أو العشوائى على حقوق المواطنين جماعات أم أفراد.
 
من هنا تتضح أهمية النضال من أجل إعادة الحياة الدستورية، ويبرز جدوى الديموقراطية فى بناء وإرساء دعامات القواعد القانونية المنظّمة للروابط والعلاقات الإنسانية. وكما أشرنا، بصورة غير مباشرة، فإن الدستور ليس غاية فى حد ذاته، ولكنه موصول بالهدف أو مجموع الأهداف الجماعية. وهذه الأهداف محلها المستقبل، تتصدى دائماً للوضع القائم، وتطمح فى إصلاحه أو تغييره، وذلك بتقديم تصور أو تصورات، نحو بدائل أكثر تنظيماً وتحقق السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس. وهذا الذى يفعله القانون ليس مهمة قهرية مفروضة على الإنسان رغماً عنه فى النهاية، ولكن الدستور بحقّ، هو ما يتوق إليه البشر الصالحين من صورة مثلى للمجتمع الذى يحيون فيه.
 
من هذا التطلع إلى أعلى، يكتسب القانون مثاليته النسبية التى تجعلنا نفهم من ذلك كيف تصير القيم الاجتماعية النبيلة "أفكارا موجهة" على هيئة مبادىء وقواعد فلسفية عليا تجذب المجتمع الذى تنبت فيه، تبعاً لمستوياته المادية والمعنوية، إلى تصور أفضل لما يجب أن تكون عليه الحياة الرشيدة والسعيدة. وعندما نقول للقانون مثاليته النسبية، فإننا نعنى أن الدستور دائم الحركة والتغير، يتبع فى ذلك مجمل الإصلاحات والتعديلات الاجتماعية. فالمجتمعات لا تحيا دون تبدّل أو تغّير. ولا يجوز الاعتراض هنا، بأن هناك من المجتمعات ما لم يلحقها التغيير منذ أجيال، لأن هذا الثبات غير العادى لا يعنى توقف كل حركة اجتماعية. فالحركة موجودة ولكنها على درجة كبيرة من البطء بحيث يصعب رصدها فى بعض الأحيان. فالوجود الطبيعى والاجتماعى فى تغيّر مستمر وحركة دائمة.
 
خلاصة:
 
لقد تعثر العمل المعارض - الفردى والفئوى الضّيق - على امتداد العقود الأخيرة، لذا فعلينا التوسيع من دائرة التفافنا حتى نتمكن من تطوير مفاهيمنا الثقافية، وشحذ آلياتنا النضالية، و تجديد برامجنا ورؤانا السياسية، حتى يتسنى لنا خلق عمل جماعى ضاغط يهدف أولاً وأخيراً إلى التعبئة المتواصلة حول هذا الشعار المهم. ولن يضيرنا اختلافنا على فحوى تفاصيل التغيير الدستورى المطلوب. بل إنه من الضرورى الاحتفاء النقدى بتجاربنا ونقاش البدائل الدستورية المتاحة، وطرح التصورات المختلفة، فكلما كان هناك تعدد فى وجهات النظر والاجتهادات، كلما كانت تصوراتنا النهائية أنضج وأعمق. فالديموقراطية الليبية التى ننشد لن تقوم لها قائمة بدون حوار جماعى، شعبى، مفتوح، شفاف. بل ونحن نؤكد بأنها ستكون بعيدة المنال مادام برنامجنا النضالى لا يطالب "بإعادة الحياة الدستورية" على المستوى المرحلى كشعار تعبوى، وعلى المدى الاستراتيجى كخيار نأمل أن يكون مقبولاً من قِبل كل أو غالبية جماهيرنا بالداخل والخارج.
 
لقد حاولنا فى هذه الملاحظات العامة الموجزة، ولو بشكل سجالى، أن نطرح فى هذه "المقاربة " بعض من تصوراتنا الشخصية حول أهمية شعار إعادة الحياة الدستورية. ونحن على ثقة تامة بأن التفاعل الجماعى المنظم هو السبيل الوحيد إلى تطوير وتهذيب واستكمال هذا المشروع الوطنى الكبير، والذى به وحده نتمكن من تأمين وحماية المصالح العليا للوطن وخلق مستقبل واعد لأجيال الغد.
 
عبد الرحيم صالح
rahim@enter.net
 

* إعادة نشر

 

راجع:

 
  الفقيد الراحل / المناضل: د. عبيد الرحيم صالح (ملف خاص)
  الذكري السنوية الثالثة لوفاة المرحوم عبدالرحيم صالح
  اعلان عن نشر كتاب اشعار عبد الرحيم صالح
  موقع مؤسسة عبدالرحيم صالح
 

للإتصال بموؤسسة عبدالرحيم صالح: info@abdelrahimsaleh.net

 
 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة