05/02/2008
 

صيد الخواطر الليبية (17)
 
تصنيف كتاب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)
 
بقلم: صلاح عبد العزيز


 
في الحلقة الخامسة عشرة من (صيد الخواطر الليبية) كان استنادي - عندما عقدت مقارنة بين شخصية السيد أحمد الشريف السنوسي (أسد الإسلام) وشخصية مصطفى كمال أتاتورك (ذئب العالمانية) - هو ذلك الكتاب القيم الذي قد قرأته مع بدايات تسعينيات القرن المنصرم..و الذي قام بتأليفه وتوثيقه أحد تلامذة المجاهد الكبير الشيخ - أحمد الشريف السنوسي - تتلمذ على يديه ورافقه في حله وترحاله.. ذلك هو الشيخ (عبد المالك عبد القادر بن علي الدرسي) والذي ساهم بتوثيق تاريخ العائلة السنوسية التي أرسى بناءها ودعائمها الإمام (محمد بن علي السنوسي). ولقد وصلتني عدة رسائل أشكر أصحابها على نبل مشاعرهم تجاه ما فتح المولى علي من سيل اليراع في سبيل الحق والدفاع عن أهله.. وأكبر فائدة أدبية جاءت من الأخ الأستاذ العزيز ( هشان بن غلبون ) والذي قدح زناد فكرة تدوين هذا السفر التاريخي وجعله موثقاً وميسراً في متناول الباحثين وقُرّاء التاريخ الليبي والذي اصطبغ بهذه الحركة الإسلامية الإصلاحية حقبة من الزمن .. ولا تزال بصمات الجانب الخُلُقي والروحي للشخصية الليبية تدين بالجميل الحسن لجهود مؤسس هذه الحركة ومن انضووا تحت لوائها فأصبحوا للسنوسية إخوانا.. فكان منهم العلماء العاملين المجاهدين.. ويكفينا شرفاً أن يكون (أسد الصحراء- عمر المختار) أحد أولائك الأشاوس الذين تربوا في رحاب الزوايا السنوسية ... ولما كنت أفتقد لمادة الكتاب .. سارع الأخ الأستاذ (هشام بن غلبون) بإهدائي نسخة مصورة منه .. وجاء دوري بتصنيفه و إخراجه في ثوب قشيب ونشره من خلال الشبكة العنكبوتية العالمية ... وفي فترة التصنيف لكتاب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) والذي سيكون على هيئة حلقات أسبوعية ، سوف يكون اصطيادي للخواطر الليبية منصباً على ما احتواه هذا الكتاب من دُرَرٍ سَنية وفوائد جلية .. وهذا يعني أن سلسلة (صيد الخواطر الليبية) سوف تتوقف برهة من الزمن ريثما انتهي من تصنيف الكتاب المذكور وتهذيبه... ويجدر بي في هذا المقام أن أصطحب القارئ معي لنمر سوياً مرور الكرام على أهم ما احتواه الكتاب من وجهة تاريخية.
 
وقبل الوقوف على أهم معالم محتويات الكتاب.. أود أن أشير إلى بعض المنطلقات الهامة والتي يجب أن تكون حاضرة في أذهان القرّاء والباحثين الذين يهمهم شأن هذه الحقبة من تاريخ أمتنا ... حتى نخلص منها بالعبرة و تعم الفائدة .. و نقترب من التجرد الذي يضيق على الجميع منافذ الخلاف.
 
إن هذه المادة التاريخية تؤرخ لفترة زمنية محددة ..بدأ فيها الكاتب بنشأة الإمام (محمد بن علي السنوسي) عام 1202 هجري – 1787 ميلادي .. حتى وفاة حفيده الشيخ المجاهد ( أحمد الشريف السنوسي) بتاريخ: 13 ذو القعدة - 1351 هجري - الموافق 9 - مارس - 1933 ميلادي، وذلك بالمدينة المنورة.
 
بدأ الكاتب الشيخ (عبد المالك عبد القادر بن علي) في تجميع وتوثيق مادة هذا الكتاب بعد وفاة أستاذه (السيد أحمد الشريف) وقد جاء في قسمين؛ انتهى الأول بترجمة السيد (محمد الشريف السنوسي) والد السيد (أحمد الشريف السنوسي). والقسم الثاني جاء ترجمة لحياة رئيس المجاهدين - كما لقبه المؤلف - السيد أحمد الشريف السنوسي. يقول الكاتب في مقدمة القسم الثاني: وبعد فإني لما رأيت الحاجة ماسّة إلى تدوين ما لا بُد منه من سيرة البائع نفسه لله والمجاهد بماله ونفسه في سبيل الله .. حامل لواء الجهاد والحرية وبطل الحروب الليبية خادم الإسلام السيد أحمد الشريف السنوسي، ورأيت غيري مِمّن وجب عليهم حقه ورُبُوا في أسعد أيامه وفضله.. وغفلوا أو تغافلوا عن أداء ما وجب عليهم نحوه - وإن كان قد سجل له التاريخ في النفوس ما هو جديرٌ به - إلاّ أن التسجيل للقرّاء على الصفحات الناصعة البيضاء أمرٌ ضروري لا يختلف فيه إثنان لما في ذلك من تقدير الرجال العاملين. وإحياءً لذكرهم في كل مناسبة للإقتداء بسيرهم الحميدة .. وأعمالهم الخالدة المجيدة (...) للقيام بهذا الواجب الإنساني خامرتني فكرة إصدار ما يمكنني جمعه من سيرة بطلنا العظيم .. إلا أن هذه الفكرة بقيت تتردد في مُخيِّلتي (.....) غير أن الرسالة التي في عنقي والأمانة التي أصبحت أحملها قضت عليّ بالتشمير عن الساعد لإظهار ما تيسر لي في هذا الكُتيب المختصر ليكون نبراساً يُهتدى به في شجاعته وصبره وتضحيته (والحق ما شهدت به الأعداءُ) إلى آخر لحظة من حياته الحافلة بجلائل الأعمال فهو جدير بأن يُقال في حقه – هيهات لا يأت الزمان بمثله إنّ الزمان بمثله لبخيلُ.
 
ولعلني أكون قد قمت بعُشر مِعشار ما وجب عليّ وعلى غيري من أفراد الشعب الليبي الكريم نحو بطل ليبيا وفخرها العظيم "السيد أحمد الشريف السنوسي" والذي جهله أكثر الناس أو تجاهلوه .. وما قام به من أعمال وجهاد إلى غيره نسبوه!!!
 
وما السيد عمر المختار وغيره من قادة الجهاد في ليبيا إلا قطرة من بحره أو رمية من سهمه، والله سبحانه يقول (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) ويقول الرسول الأعظم سيدنا محمد (من لم يشكر الناس لم يشكر الله).
 
لما تقدم ذكره اتكلت على الله واعتمدت عليه و أقدمت على إنجاز ما فكرت فيه وها هو ذا بين يديك أيها القارئ الكريم فما رأيت من تقصير أو سوء تعبير فبكمالك أُكمله، وما ظهر لك من خطأٍ فأنا أهله ومحله ونستغفر الله منه، وهي ولا شك بضاعة مُرضاة لدى أرباب الأفكار السليمة والقلوب الحكيمة.. وإن رائدي له و حافزي عليه هو الإخلاص تقديراً لعمل العاملين .. وإشادة بذكرى القادة المخلصين. والله من وراء القصد وعليه المعول والمعتمد. (المؤلف - عبد المالك عبد القادر بن علي).
 
لقد طاف بنا الكاتب في صحبة الإمام محمد بن علي السنوسي بعد أن رحل في طلب العلم الشرعي بدءاً من مستغانم حيث مسقط رأسه ... مروراً بعلماء جامعة القرويين والزيتونة والأزهر الشريف يتلقى العلم ويؤديه لغيره.. ثم استقائه من معين فريد عصره ووحيد مصره السيد الإمام (أحمد بن إدريس العرائشي) في ربوع الحرم المكي حيث كان السنوسي تلميذه الأنجب وأقرب الناس إليه قلباً.
 
فهناك طِبُّ الروحِ، طِــ     ـبُ العالَمين من الجهالة
وهناك أطلال الفصـــا     حةِ، والبلاغةِ، والنبالـة
وَهناك أزكى مسجـــدٍ     أزكى البريَّة قد مشـى له
وهناك خَيّمَتِ النُهـــى     والعلمُ قد ألقى رحالــه
(1)
 
فما برح الإمام (أحمد بن إدريس) مكة قاصداً اليمن حتى سلّم راية العلم لهذا الطالب المخلص ... ويخرج تلاميذ الشيخ "أحمد بن إدريس" معه ليودعوه في سفره إلى اليمن .. وفي الطريق يأذن الإمام أحمد بن إدريس لتلميذه السنوسي بالعودة لمكة ليباشر نشر دعوة التوحيد ... ومن على رُبى جبل (أبي قبيس) بمكة المشرفة يبني الشيخ (محمد بن علي السنوسي) أول زاوية سنوسية ولتشهد من علياء بطحاء مكة مرحلة التحول من الدعوة إلى الحركة... ومنها إلى الزاوية "البيضاء" في برقة حيث قبر الصحابي الجليل (أبو رويفع الأنصاري) حتى يستقر به المُقام في "واحة الجغبوب" ... وينتقل بنا صاحب (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ) شارحاً نمو الحركة و تأثيرها الإيجابي على سلوكيات وأخلاقيات شعبنا الليبي الذي رأى فيها انبعاث أمة من رقادها.. فلم يبخل في سبيل دينه الإسلامي بوقته وجهده وماله... ويستلم الراية أبن الإمام السنوسي (محمد المهدي) الذي انتقل بالحركة إلى واحة الكفرة ناشراً تعاليم الإسلام الحنيف حتى تشاد جنوباً.. وهناك يبدأ الصدام المسلح بينه وبين الفرنسيين الذين رأوا في الحركة خطراً يتهدد وجودهم في مستعمراتهم الأفريقية... وبعد وفاة الإمام (محمد المهدي السنوسي) استلم راية الحركة أسد الإسلام السيد (أحمد الشريف السنوسي) ... وفي خضم جهاده للمحتل الإيطالي و جهاده الإنجليز شرقاً.. والفرنسيين جنوباً .. تشهد الحركة تحولاً إلى الدولة حين أعلن شعارها (الجنة تحت ظلال السيوف) ثُم بارتقاء بن عمه الأمير (محمد إدريس السنوسي) عرش ليبيا ليصبح الملك إدريس الأول والأخير .. (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء).
 
لقد انهي الكاتب تأليف (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ) عام 1385 هجري - 1965 ميلادي. و قد جاء في الخاتمة: تم بحمد الله وعونه جمع ما أردت ذكره وتبيينه من سيرة حضرة رئيس المجاهدين وبقية السلف الصالحين المجاهد في سبيل الله والبائع نفسه لله العظيم العلي السيد أحمد بن السيد محمد الشريف بن السيد محمد بن علي السنوسي الإدريسي الحَسَني .. بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
 
وقد خرجت طبعة الكتاب للوجود بعد ذلك بعام واحد 1386 هجري - 1966 ميلادي ... وبعد مرور قرابة اثنتين وأربعين سنة ترى هذه الأحداث النور إلى عالم الإنترنت (الشبكة العنكبوتية).
 
لقد كان واضحاً ما لاقته شخصية السيد (أحمد الشريف السنوسي) من غُبن وطمس لدورها سواء إن على المستوى الليبي المحلي!! أم على الحدث الإسلامي العالمي.
 
وهذا الدور البارز والجهاد المضني لهذه الشخصية الليبية الفذة تحويه طيات ذلك الكتاب القيم.
 
فالله أسال العون على استكمال تصنيفه وتقديمه للقارئ الكريم في حُلةٍ بهية.
 
صلاح عبد العزيز
كاتب ليبي – سويسرا
salahalimami@yahoo.com
 

(1) الأبيات لأمير الشعراء – أحمد شوقي - قالها وهو يشيع صديقه دكتور – محجوب ثابت – وهو مسافر .. وفيها وصف لبعض الأماكن المقدسة.
 
 
 

 


أرشيف الكاتب بموقع ليبيا المستقبل

مدونة الكاتب "ليبيا..... يا نغماً في خاطري"


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com