|
|
|
|
|
|
||
|
حركة القوميين العرب نشأتها وتطورها عبر وثائقها 1951-1968 /21 *تحرير: هاني الهندي عبد الاله النصراوي
ومن الاحداث المهمة التي عرفتها سورية المؤامرات العديدة والمحاكمات العرفية التي تمت، ولعل الاعم بينها مؤامرة حلف بغداد التي اعلنت السلطات في دمشق عنها في 1956/11/23 والتي اشترك فيها وزراء ونواب وعسكريون متقاعدون وعاملون، وصدرت الاحكام بحقهم في نهاية شباط 1957 وكانت هناك احكام باعدام خمسة. ولكن جرى تخفيض تلك الاحكام وفي اب 1957 اعلن عن مؤامرة اميركية وكان المخطط لها مسؤولاً في المخابرات المركزية اسمه ستون، ونشط من خلال شركة وهمية مقرها في بيروت كان ابطالها الشيشكلي وابراهيم الحسيني ومأمون الكزبري وعبد الكريم رباح الدندشي واخرون وتم قمعها.في هذه الاجواء السياسية ،كان موقف الشباب القومي العربي جلياً واضحا فقد كانت مجلة (الرأي)ونشرة (الثار) وبقية المجلات في بيروت والكويت تركز على حدة الصراع الدائر في الوطن العربي بين القوى الوطنية والقومية مع تاييد السوفيات وكتلة البلدان الاشتراكية، وبين الدول الامبريالية وتقودها الولايات المتحدة - بعد فشل العدوان الثلاثي - واسرائيل والانظمة العربية المحافظة . كان الموقف السياسي متبلوراً ودافعاً بقوة باتجاه الوحدة بين مصر وسورية وطرد النفوذ الاجنبي. الى جانب هذا النشاط الاعلامي، تعرضت مجلة (الرأي) في خريف 1956 لملاحقة قضائية اذ اقام مصطفى بن حليم - رئيس حكومة المملكة الليبية المتحدة دعوى قدح وذم بعد ان اتهمته المجلة بقبض مبالغ مالية من الاجهزة الاميركية لتوقيع الاتفاقية الليبية بشأن تجديد استعمال قواعد عسكرية وكان المناضل الوطني الليبي - محمد صالح بويصير - هو الذي كان يتعاون مع الشباب القومي العربي ومع مجلة (الرأي) بشكل خاص وكثيراً ما كان يكتب في المجلة باسم مستعار او يقوم بتقديم معلومات مهمة عن حقيقة اوضاع السلطة واجهزتها ايام الحكم الملكي الليبي. وكان من مجموعة مقالات نشرت في (الرأي) ما دفع المسؤول الليبي - ابن حليم -لاقامة دعوى قضائية وجرت محاكمة المجلة امام القضاء السوري في دمشق ، ويومها تطوع عدد كبير من المحامين من اصدقاء الشباب القومي . ولكن المحامي الدكتور محمد صلاح الدين - الذي سبق له ان شغل منصب وزير خارجية مصر ايام حكومة النحاس الوفدية 1950 -1952 كان هو المحامي الابرز وقد جاء الاخير لدمشق للدفاع عن( الرأي) بناء على طلب صديقه صالح بويصير وبعد المرافعة السياسية والقانونية الطويلة التي قدمها محمد صلاح الدين، صدر الحكم بسجن محمد ناجي ضللي- صاحب الامتياز ورئيس التحرير- لمدة اسبوع مع وقف التنفيذ، ذلك ان القضاة عرف معظمهم، في تلك الفترة، بالوعي القومي والوطني والنزاهة الى جانب الثقافة القانونية الواسعة، فكان الحكم وطنيا قوميا اكثر منه قانونيا جافا، كذلك كان لصلاح الدين سمعة قومية متميزة جدا في المنطقة العربية- خاصة في المشرق- لمواقفه الوطنية والعروبية، وكان وجوده في المحكمة مؤثرا على القضاة والمحامين وجمهور الحاضرين. في هذه الفترة، اي في سنوات 1956 الى اوائل 1958 تحسنت اوضاع المجلة، فارتفع مستوى ادائها وزاد عدد المحررين والمراسلين والكتاب اضافة الى اسرة تحريرها، وقد انضم لهيئة التحرير د. جورج طعمة واسامة النقيب وثريا العمري، اضافة الى الاعضاء الحزبيين العاملين في المجلة او التنظيم في سورية وخارجها، كما ان ادارة المجلة تمكنت من شراء مطبعة باسم (مطبعة الوحدة العربية) وكان لتبرعات شباب الكويت حصة مهمة في دعم ذلك المشروع وتحقيقه. والواقع، لقد كانت تلك الفترة مرحلة تأسيسية مهمة سجل فيها الشباب نجاحا وتوسعا ملحوظين في دمشق وبقية محافظات القطر، وخاصة في الاوساط الطلابية والشعبية وفي مخيمات النازحين، وقد لعبت الاندية والجمعيات، كواجهات علنية دورا مهما في ايصال الفكرة القومية والدعوة الوحدوية لقطاعات واسعة بين الطلاب والجماهير والنازحين. كان (النادي العربي) بدمشق مركزا مهما للنشاط القومي حيث كان هناك تعاون وتنسيق بين قيادات الشباب ومسؤولي النادي، ففي قاعته وغرفه كانت تعقد اجتماعات (لجان كل مواطن خفير)، وتعد نشرتها وبرامجها الاذاعية وتجري فيه تلك اللقاءات والاجتماعات والاعمال القومية المختلفة. وفي هذا النادي اتفقت اكثرية اعضاء (جمعية تحرير المغرب العربي) في ربيع 1956 على تجميد نشاط الجمعية بعد ان عرف ان الدكتور معروف الدواليبي الذي انتخب رئيسا لهذه الجمعية، قبل منصب رئيس جمعية مماثلة اسسها بعض الاسلاميين- الشيخ مكي الكتاني- ومن الطبيعي ان يخلق تصرف الدواليبي ردود فعل سلبية لدى الجمعية الاولى ذات التوجه القومي والوطني. وقد تضايق اعضاء الجمعية كثيرا، الا ان انزعاج عبد الحميد المهري- مندوب جبهة التحرير الوطني الجزائرية ومسؤولها في سورية- كان اكثر من انزعاج اعضاء الجمعية، ذلك ان للشيخ الكتاني علاقات بعدد من قيادات التيار الديني في المغرب والجزائر، ولم يكن بعض اولئك الاسلاميين على وفاق مع جبهة التحرير الوطني وسياستها ومواقفها النضالية. اما عن (جمعية تحرير الخليج والجزيرة العربية)فقد نشطت في المجال الاعلامي في مجلة (الرأي)، خاصة ونشرت الكثير عن النشاط الوطني في البحرين والكويت، وما عرفه هذان البلدان من دعم شجاع على المستوى الجماهيري للمقاومة المصرية ضد المعتدين الصهاينة والانكليز والفرنسيين في خريف 1956. كذلك قامت هذه الجمعية بتقديم صورة عن حقيقة ما كان يجري في المملكة السعودية، خاصة في المنطقة الشرقية قبل فترة العدوان الثلاثي وبعدها، سواء كان ذلك العرض بتقديم المعلومات ونشرها في صحف الشباب القومي العربي ومجلاتهم او من خلال الاجهزة الاعلامية الصديقة، فقد اثيرت مسألة نفي زعماء البحرين الوطنيين الى جزيرة (سانت هيلانة) عبد الرحمن الباكر وعبد العزيز الشملان- بعد تلك المظاهرات الشعبية الواسعة، كما رتبت حملات اعلامية لدعم نضال القوى الوطنية في هذه المناطق العربية التي ابتليت بالاستعمار واعوانه. في هذه الفترة، استطاع ناصر السعيد- احد زعماء الحركة العمالية في المنطقة الشرقية من المملكة السعودية - ان يفلت من ايدي اجهزة الامن السعودي والاميركية ويصل متسسلا الى سورية، وذلك بعد ان نجح وعدد من رفاقه في تكوين هيئات نشيطة كانت تدافع عن حقوق عمال ارامكو- شركة النفط الاميركية - ومطالبهم العادلة وقد لعبت هذه المنظمات العمالية دوراً مهماً في توعية العمال لحقوقهم المهنية ورسخت وعيهم الوطني والقومي منذ اواخر عام 1955. استطاع ناصر السعيد ان يرتب لنفسه وضعا قانونيا في سورية عن طريق الشيخ دهام الهادي - احد زعماء قبيلة شمر المنتشرة في العديد من اقطار اسيا العربية وكان الشيخ دهام من العناصر البارزة في كتلة رجال العشائر البرلمانية وذلك بان رتب لهذا المناضل الحصول على (هوية سورية) باعتباره من افراد عشيرته شمر وتمكن بالتالي ناصر السعيد ان ينشط في سورية بشكل قانوني. ازعج السفارة السعودية بدمشق كثيراً. وبفضل ناصر السعيد وكتاباته والوثائق والمعلومات التي حملها، قامت (الراي) وصحف صديقة اخرى بنشر وقائع وتفاصيل عما كان يجري في المملكة من قمع وبطش، وقد عرى حقيقة الاوضاع هناك حيث كانت القبضة الحديدية الاميركية تتحكم بالنظام وكان (ابن جلوي) حاكم المنطقة الشرقية - هو الاداة الطيعة والمنفذة لاوامر شركة النفط ولقيادة القاعدة الجوية الاميركية في الظهران. وقد نجحت هذه القوى المعادية في سحق الحركة النقابية وتشتيت تجمعات المثقفين المعارضين لحكم الملك سعود بن عبد العزيز. لقد كان ناصر السعيد من الاحرار الاوائل الذين كشفوا حقيقة الاوضاع المذلة والبائسة التي كان يعيشها المواطن السعودي والعامل المشعل من قبل شركة النفط والمعاملة الوحشية التي كان يلقاها الجمهور - كمواطنين وهيئات من قبل الموظفين الاميركيين واعوانهم من رجالات النظام السعودي وقد فشلت السلطات الامنية في اسكات ناصر السعيد طيلة بضعة وعشرين عاما تشرد خلالها ما بين سورية ولبنان ومصر - لكنها نجحت في التخلص منه في اواخر السبعينات في بيروت واختفت اثاره. في بداية عام 1956 حصل نزار عرابي على ترخيص بتاسيس (الجمعية العربية) بدمشق بالتعاون مع عدد من الشباب القومي العربي كان منهم صلاح نحاس وقتادة الشريف واسامة الغزي وغسان المحاسني واسامة الهندي وعصام البقاعي وفضل النقيب وبسام الغزي وغيرهم. تولي نزار عرابي، وكان محامياً نشيطا، رئاسة الجمعية لسنتين متتاليتين ثم ترأسها غسان المحاسني. وقد جمعت اعضاء من الشباب والفتيات، وكان معظمهم من طلاب الجامعة او محامين مبتدئين او موظفين صغاراً. واهتمت (الجمعية العربية) بالجانب الثقافي بشكل خاص، فكان لها برامجها السنوية للمحاضرات والدراسات، بل والكتب التي نشرت بقصد توعية قطاعات واسعة بمركزية قضية الوحدة وقضية فلسطين هذا وقد نشرت الجمعية كتباً وكراسات عديدة حول القضية القومية والوحدة وفلسطين ، في السنوات التالية وسنذكر ذلك لاحقا. وبقيت هذه الجمعية مركزا نشيطا وفاعلا حتى سقط عهد الوحدة في ايلول 1961 اذ عمد الانفصاليون الى اقفال هذه الجمعية والغاء امتيازها . الى جانب هذه النشاطات من خلال الواجهات العلنية التي افادت العمل التنظيمي ويسرت انتشار حلقات التنظيم وخلاياه فقد كلف الشباب في دمشق بان يحضروا اجتماعات (لجنة القيادات السياسية والعسكرية الاردنية) ممن لجا الى سورية بعد الانقلاب الذي اطاح بحكومة النابلسي. وقد ضمت اللجنة شفيق ارشيدات عن الحزب الوطني الاشتراكي، وعبد الله الريماوي وعبدالله نعواس عن حزب البعث - وفؤاد نصار - امين عام الحزب الشيوعي الاردني - والدكتور عبد الرحمن شقير - من قيادات الجبهة الوطنية الاردنية - والعقيد محمود موسى وكانت جلسات هذه اللجنة تعقد في غالب الاحيان بحضور عبد الحميد السراج - مسؤول الامن العسكري الذي اصبح وزيراً للداخلية للاقليم الشمالي بعد قيام وحدة مصر وسورية - والعقيد عبد المحسن ابو النور - الملحق العسكري المصري قبل قيام الوحدة - اما عن الشباب القومي فقد كلفت قيادة العمل في الاردن: صالح شبل الذي ابعدته السلطات الامنية العراقية من بغداد في شباط 1957 الى لبنان وهاني الهندي. والواقع، لم تكن هذه اللجنة منتجة ونافعة للعمل، اذ كانت الفكرة الاساسية من وراء اقامتها ان تتفق هذه القوى على اقامة جبهة وطنية عريضة لكن اطرافها لم تتفق وبالتالي توقف نشاط اللجنة عمليا في اواخر ايار 1958. وتبقى هناك مسألة مهمة لعب فيها التنظيم دوره فقد استطاعت عناصر قيادية ان ترتب اقامة دورات تدريبية على العمل المسلح في معسكرات كتيبة الفدائيين الفلسطينين في قرية حرستا - قرب دمشق وكان يقود الكتيبة النقيب اكرم صفدي - من اصدقاء الشباب -وكانت هذه الكتيبة تقوم بنشاطات داخل فلسطين المحتلة، وتميز افرادها بمستوى عسكري جيد وبتسليح حديث، وكان معظم جنودها من سكان الجليل الذين كانوا يعرفون المنطقة معرفة جيدة، وقد تشكلت هذه الكتيبة باقتراح من المقدم عبد الحميد السراج وحصل على موافقة قيادة الجيش. ولعل من اهم المزايا التي حصل الشباب عليها ان عددا جيدا من اعضاء التنظيم في لبنان والاردن والعراق حصلوا على دورات عسكرية مكثفة في هذا المعسكر، كما اتيح لعدد من المسؤولين في التنظيم ان يقدموا محاضرات سياسية وقومية لجنود الكتيبة، وكان الحكم دروزة احد اكثر المحاضرين ترددا على حرستا حيث كان يحاضر شباب التنظيم ، كما حاضر جنود الكتيبة من ابناء فلسطين. هذا، وكان قد مر معنا، عند بحث نشاطات اقليم الكويت في هذا الفصل / ان الشباب القومي العربي رتبوا لعمليات نقل السلاح الذي كان يرسل الى الكويت ليشحن منها الى عمان، الذي قدمته الحكومة السورية في اواخر عام 1957.* من فصول كتاب "حركة القوميين العرب" نقلا عن موقع جريدة الجريدة |
||