بقلم: مخضرم

 


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة    الحلقة السابعة والأخيرة


 

رحلة إبراهيم الكوني في العدميّة (2)

 

هذه -إذن – هي سيرة مكسيم جوركي الذي درس إيراهيم الكوني في المعهد الذي يحمل إسمه وحصل منه على الماجستير،وحين يعلم المرء ذلك يتبادر الى ذهنه على الفور أن الكوني تعلّم من إبداعات هذا الأديب الكبير وتأثّر بمدرسته ،والمدرسة الروسيّة على وجه التعميم ،في فنّ الرواية . ولكن من يطّلع على إنتاج الكوني الغزير سيتيّقن من انتهاجه لمدرسة أخرى في التعبير – أسلوبا ومضمونا – مغايرا تماما . لقد آثر الكوني الولوج والغوص في الترميز والألغاز  وهو بذلك لم يمارس كتابة الرواية  Romanceعدا عنصر واحد منها ، أي الرومانتيكيّة الهاربة من الواقع . وفي عدّة حالات مزج هذا بأسلوب كتابة القصّة المطوّلة Novel الفاقدة للشكل التقليدي المترابط أي : (الحادثة) من حيث هي (حبكة) أو إطار مع رسم ملامح ودور الشخصيّة . وهو لم يصمّم (البناء) سواء كان سرديّا أو عضويّا ، بحيث ينتظم الجزئيّات المتناثرة لتؤدّي الى نهاية ما ، ولكنّ القصّ تحوّل عنده غالبا الى مونولوج داخلي يتخذه كمطيّة لبثّ وجده أو أفكاره على لسان الشخوص الذين تشتّتوا في قصصه ،وكأنه يقدّم ترجمة ذاتيّة خياليّة تنطق بالحكمة والمواعظ من عالم الغيب .. والنزعة الغالبة في هذا اللون هي الرمزيّة الصوفيّة التي تتيح للكاتب أن يدخل وينطلق في الميتافيزيقا والتصوّرات المجرّدة خارج الهيولى ،حتى :"يُحدث في حواسّه خللا بعيد المدى ،ومعقولا أيضا " حسب تصريح (رامبو) أحد أقطاب الرمزيّة الفرنسيّة ، فيمرح الكاتب ويسبح كيفما شاء وعادة ما يكون زاده ومدخلاته الميثالوجيا كأسلوب للبحث عن علّة الوجود . وبالنسبة للكوني فقد أضاف اليها الطوطميّة ،وهي هنا إحاطة الحيوان (الأليف) كالودّان (الوعل الصحراوي) والجمل والطائر بهالة من التقديس وصل الى درجة تناسخ الأرواح، والتبارّك به ،ومن ثمّ استهجان إهراق دمه من ناحية ،أو الإصطباغ به كتنعاويذ وتمائم أسطوريّة من ناحية أخرى . ونحن نعلم أن الطوطميّة ،رغم مسحتها الأخلاقيّة الظاهرة ، تعكس في جوهرها إنكار الروابط الإجتماعيّة الأخرى عدا رابطة الدم .

 

هذه ليست أحكاما استباقيّة متعسّفة لإسلوب الكوني في القصّ والسرد الروائي ،بل هي استخلاص من قراءة – أعترف بأنها ليست معمّقة – لبعض أعماله الأولى . وأزيد وأقول : ما قرأته أقنعني بالإنطباعات التي ذكرتها،ولم استشعر الرغبة الجامحة لقراءة البقيّة . ولقد سبقني نجيب محفوظ في موقف مشابه حينما كتب في ديسمبرعام 1966 - وقت طغيان موجة مسرح اللآمعقول وروايات العبث – :"قرأت الرواية الجديدة ولم أخرج بمفهوم معيّن ولا بمتعة فنيّة ... زد على ذلك شعوري بالإجهاد أثناء عمليّة القراءة التي أثارت في نفسي الضجر عند الإنتهاء منها" . ولبسط تحليل سريع لقراءتي للكوني ومستخلصاتها، سوف أعتمد على الأحكام و(الإعترافات) الذاتيّة التي أفصح عنها الكوني في مقابلته المتلفزة مع أحمد الزين في قناة (العربيّة) ،وهي المقابلة التي كان فيها السائل يوحي بالأفكار المبهمة المعمّاة للمجيب وكانه ينافسه في أسلوبه الروائي المطلسم . يتساءل الزين : "ما هذا العدم المعادي للروح وللحريّة ؟ ثم تخيّلت أبطاله الأشقياء المصابين بوجع الحنين وبالغناء والوجد ، وافتكرت بسرّ هذا الصحراوي المسكون بصحرائه الكبرى المرتحل فيها وفي أسطورتها وتكوينها في سراديبها وسرّها وسحرها والمشبع بصمتها المدوّي وبطقوسها ، لكأنه مجبول من رنها وسرابها ونسغ شجرها القليل وعشبها الشحيح " . ثمّ يسأل الكوني عن الرابط بين الصحراء وبين العدم ،فيجيبه رافضا لعن الناس للصحراء كونها كالجحيم بأنه : "إثم كبير لأن الصحراء هي رمز للروح ،الصحراء هي قرين للحريّة،الصحراء هي قرين لأنبل ما في الوجود الإنساني،لذا يجب أن نكبر الصحراء أن نركع للصحراء أن نصلّي للصحراء،لأن كلّ علامة في الصحراء هي صلاة للأبديّة .الصحراء ليست رمزا للوجود الإنساني فقط ولكنّها رمز للأبدي في أنبل معانيه . وليس عبثا أن تكون كلّ الأفكار العظيمة نابعة من الصحراء ... هي عدم بطبيعة الحال لأن الموت عدم ،ولكن في حقيقة ما وراء الموت (؟) " ، ثم يستطرد في هذه الرؤى والوساوس Hallucination : "وإذا آمنّا بأن ثمة حقيقة وراء الموت ،إذا آمنّا بخلود الروح ،فالصحراء هي الدليل الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع أن يثبت ذلك ."! ليخلص الى أن عشر سنوات كانت كافية لزرع رموز الصحراء في وجدانه والتي سمّاها بالشيفرات الروحيّة :"وإلاّ ما كان هناك وجود لما يسمّى اللاوعي "! وهي تتحقّق ب : التأمّل الطويل – الزهد - التنسّك -الإنقطاع – الإعتزال  و: "لا خيار أمام مبدع يريد أن يعانق رموز العالم وحقيقته إلا أن يعتزل ،إلاّ أن يضحّي بحياته في سبيل هذه الرسالة ."؟ وأخال أحمد الزين يكاد يصرخ هنا : يا له من رياء ! إذ ناجاه قائلا :"شقّ سراب عمره الأولي في متاهات صحرائه الأبديّة قطعها ساهما نحو صقيع الشمال ،الثلج مرادف للرمي والماء مرادف للسراب والفقدان ... ربّما سأل إبراهيم نفسه : من أنا في عيش النقيض...من أنا من جدّة الصحراء الكبرى الى أقصى صقيع الشمال وأعلى قمم الألب السويسري؟ " فالذي جرى لإبراهيم الكوني وهو يتدثّر في بيته الأنيق على جبال الألب الثلجيّة ،متفرّغا لتدبيج أحاجيه، لهو شبيه بما يجري لجمل في حالة اجترار .. وحين يذكرالتضحية بالحياة  فكأنه يتحرّق الى أن يسقط شهيدا .. من أجل ماذا ؟ في سبيل البحث عن حقيقة وراء الموت .. ومن ثنايا هذه "الإعترافات " التي التقطناها –باختزال ودون ترتيب أحيانا- تتكشّف "حقيقة" الكاتب و يتعرّى كصحرائه، فلا حديث عن أهلها وسكّانها ولا ذكر للطوارق الذين تناسل من رحمهم واستثمر انتماءه اليهم كي يتفرّد بكتابة رواياته وقصصه تلك التي نسى أو تناسى فيها تاريخهم الضارب في القدم ،ومصائرهم عبر التاريخ ،ودورهم في صنع مصائر المنطقة والإقليم ،أو نبش تاريخ أحفاد المرابطين والموحّدين وصراعاتهم أثناء العصر الوسيط ،في صحرائهم التي اجتاحتها قوافل الرحّالة الأوربيين وجحافلهم الإستعماريّة، وكلّها كانت حريّة كموادّ خام لنسيج روائي ملحمي مفيد وخلاّب،أو كفاحهم في الوقت الراهن وعذاباتهم جرّاء إضطهاد الأنظمة التي تشرّدهم في الفيافي ،وتستغلّهم في حروبها البينيّة ،مثل نظام وليّ نعمته القذّافي ..

 

لقد أهدى إبراهيم الكوني روايته "نداء الوقوق" ،وهي الرابعة من خماسيّته "الخسوف"،  بهذه العبارات : " الى القدّيس أوفنايت الكوني العفيف المسالم المعتزل .. إعجابا بشجاعته في نبذ التمرّد ، تقديرا لتوفيقه في ترويض النفس على السكينة".  فإذا ثبت ما قيل من أن أوفنايت الكوني هذا هو شقيقه الذي أدار مع محمّد سعيد القشّاط "مكتب المغاوير في صحراء تنيري "بالجنوب الليبي والذي كان يجنّد أبناء الطوارق كمرتزقة ،سواء في حروب القذّافي المتقطّعة والفاشلة في تشاد ،أو للتحرّش وابتزاز مالي والنيجر وغيرهما من بلدان الصحراء (1)،جاز لنا التخمين : إن الروائي قصد من "الإعجاب بالشجاعة في نبذ التمرّد" ، و"بالترويض على السكينة"  تأييد مهمّة شقيقه في قمع الرافضين من الطوارق ،وإخضاعهم ليكونوا أدوات طيّعة في حروب القذّافي (الدون كيخوتيّة) ، التي ارتدّت عليه بالإندحار المهين وعلى قبائل الطوارق بمزيد من التشتيت والضياع والتيه في فلوات الصحراء ! أو أنه أراد التعبير عن الإعتراف بالجميل لأخيه لأنه "وُفّق" في ترويض نفسه (نفس إبراهيم) لتنصاع وتنقاد للنظام الحاكم .. وإذا كان الكاتب لا يؤخذ بجريرة أخيه ،فليس ممّا جرت به العادة أيضا أن يضفي عليه هالة القداسة ،إلاّ تمجيدا لدور بطولي ملحمي ،أو اعترافا بفضل شخصي غمره به . وبما أنه لم يفصح عن أيّهما، فلا مفرّلنا من الحدس والتخمين .(2)

 

اعتقد الكوني في حديثه في (العربيّة) أن (هوميروس) ،في ملحمته الشهيرة (الأوديسّا) ،أراد بها أن يبثّ شجن الإغتراب في بطل الملحمة أوديسوس . ولكن هل كانت هذه القراءة صحيحة ، وكيف يكون القصص الشعبي والأساطيرالإغريقيّة المليئة بالمغامرات والمحتدمة بالعواطف الإنسانيّة المتناقضة كالحبّ والغيرة والمكر والقسوة والصراعات بين البشر وتنازع الإرادات بين الآلهة ،وخوارق الغيلان والتنانين والعمالقة الأشرار،وكلّها تشكّلت منها هذه الملحمة التي قذفت الأقدار ببطلها بين الجزر والبحار ليعيش الخوارق والأهوال ،كيف تكون إغترابا يبرّر به الكوني شطحاته العدميّة ؟ ولكن لهذا حديث آخر.

مخضرم

 


(1) ورد ذلك في مقال بموقع (ليبيا وطننا) بتاريخ 18/8/2002 تحت عنوان "إبراهيم الكوني ..ما هو ثمن صمتك؟" بقلم (تانميمرت) ،ويبدو أن الكاتب أمازيغي ليبي يعرف الكوني معرفة جيّدة.

 

(2) تجدر الإشارة هنا أن القذّافي نظّم – في نفس أسبوع منح الجائزة السويسريّة للكوني- لقاء له تسلّم فيه البيعة من وفد زُعم أنه يمثّل زعماء الطوارق ، وحضره محمد سعيد القشّاط ، الذي أطلق كالعادة بخور التملّق والخضوع لقائده لأفضاله عليه وعلى الكوني ، ويبدو أنه مكلّف الآن باستئناف الدور التخريبي السابق مع الطوارق بعد أن طردته السعوديّة –عيني عينك- من منصبه كسفير لديها . وفي هذا اللقاء أشاد أعضاء الوفد مفتخرين بنيل أحد أبنائهم للجائزة ،مثمّنين طبعا دور 0(القائد) في رعايته . وعندما قرأ أحدهم خطبة البيعة والطااعة مختتما بجملة بلغة التيفناغ التارقيّة ،ردّ القذّافي ليكرّر مرّة أخرى أقاويله السابقة من أن الطوارق هم عرب أصلاء !

 

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع