إبراهيم الكوني والرحلة في العدميّة (4)*
 
(بقلم: مخضرم)
أرشيف الكاتب

 
يستطيع الروائي الهادف أن يسخّر عمله للدفاع عن قضيّة سياسيّة، أوعرضها أو الإستيحاء منها. ولكي يكون الوقع مؤثّرا لدى القاريء ومحدثا لتفاعله مع الحدث في قالبه الفنّي، فمن المستساغ أن يعكسه كما وقع في سياقه التاريخي الحقيقي. أي بدون تزوير أو إفتعال يفقد العمل الفنّي الصدق والشفافيّة، وهو ما درج عليه الروائيّون العظام في كلّ العصور ومن كلّ جنس وعلى مختلف المدارس والمشارب. فكيف تعامل إبراهيم الكوني مع الحدث التاريخي سواء كان مقاومة ضد قوى الإستعمار والغزو الأجنبييين، أو موقفا سياسيّا تجاه نظام الحكم؟
 
في قصّة (السلطان) من مجموعة (القفص) أشار الكوني إشارة عابرة الى حادث تاريخي هام وقع في الصحراء الليبيّة مابين غدامس وغات والجوار الجزائري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. والقصّة تحكي عن الصبيّ أمود الذي ولد جميلا وسحر النساء، وسجد أمامه أحد الفقهاء متوسّما فيه النبي يوسف ! وراودته النساء عن أنفسهن واغتصبته إحداهنّ.. ويصادق شابّا عابثا ومكروها إسمه (موخامّد). ولن نخوض في وصف القصّة التي تزدحم بوقائع خياليّة تشذّ عن الحياة الحقيقيّة التي نعرفها عن قبائل الطوارق : سلطان يكوّن حكومة ويتراسل مع سلطان إسطانبول الذي يمنحه حقّ فرض الضرائب ليمنع بجيشه العرمرم سيطرة الفرنسيين على الصحراء. وهنا جاء (عبور) الحادث التاريخي ،فالفتى عامود تيتّم طفلا لأن "الكولونيل فلاترز ارتكب حماقة واصطحب معه في حملته لغزو الصحراء أكثر الضبّاط غطرسة في سلاح الفرسان الفرنسي، فراق لأحد هؤلاء الضبّاط أن يتسلّى بالفرجة على البدويّات اللاتي سمع كثيراعن سحرهن فتسلّل الى الخباء في أثناء انشغال بقيّة الضبّاط في المفاوضات الشهيرة مع الزعيم اخنوخن في خيمة كبيرة نصبت خصّيصا تحت سدرة في السهل الشمالي. ولسوء حظّ الأم المسكينة أنها كانت نائمة عندما فتحت عينيها فوجدت رأس النصراني الأشقر يحدّق في وجهها بعينيه الزرقاوين ، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة الشياطين . أغمي على المرأة وماتت بعد يومين من الفجيعة. أمّا الأب فقد أجهزت عليه نفس الحملة المشئومة، إذ التحق بالفرسان الذين جمعهم اخنوخن بعد أسابيع لإبادة فلاترز عقابا له على الإخلال بأحد نصوص المعاهدة ،فسقط الأب المسكين في أثناء المعارك . ويقال إنه لقي مصرعه بيد نفس الشيطان الذي كان سببا في موت الزوجة . تولّت تربية اليتيم عجوز خلاسية غامضة جاءت من واحة أدرار خصيصا لهذا الغرض...إلخ" وفي الهامش يدوّن الكاتب ملاحظة عن فلاترز تقول "عقيد فرنسي قام بتنظيم حملة لغزو الصحراء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولقي مصرعه هناك."
 
والقصّة الحقيقيّة هي أن فرنسا ،التي كانت مستعمرة للجزائر ،خطّطت منذ عام 1878 لتنفيذ مشروع خطّ سكة حديد عبر الصحراء يربط الجزائر بالسودان . وبعد أن أوفدت بعثتين استطلاعيتين عن أفضل وأقصر الطرق ،كلّفت العقيد فلاترز المذكور – وكان يقيم في جنوب القسطنطينة ويعرف اللغتين العربيّة والطارقيّة- لاستكشاف الممرّ الصحراوي ما بين النيجر وبقيّة السودان الأوسط. وتقول الوثائق الرسميّة (التركيّة والفرنسيّة والحكومتان كانتا تخوضان الصراع في الصحراء على مناطق النفوذ) أن فلاترز أراد أن يثبت حسن النيّة لقبائل المنطقة فلم يحمل معه أسلحة للغزو والقتل ، وأراد أن يضمن موافقة الشيخ اخنوخن رئيس الأزقر – أي طوارق ليبيا- فتفاوض معه في غات ،قبل أن يتفاهم مع الهوقار - طوارق الجزائر – ولكن قبيلتي منغساتن وأراجان المكّوّنتين للهوغار كانتا متخاصمتين في حروب طويلة. والقبيلة الأولى سارعت بالهجوم على البعثة الفرنسيّة، فآثر فلاترزالإنسحاب تفاديا للقتال. وجرت مراسلات بين الشيخ اخنوخن وقائمقام غدامس الحاج طاهر البوصيري من جهة والرئيس الهوغاري أيثيغال من جهة ثانية،كما شارك في المراسلات القنصل الفرنسي (فيرو) الذي كان أيضا قنصلا بطرابلس (وهو مؤلّف الحوليّات المعروفة) ،ولكن الهوغار أجهزوا على جميع أعضاء البعثة في فبراير 1881،وقدّر عددهم بألف وخمسمائة جندي بما فيهم قائدهم فلاترز،وذكر أن السنوسيين لم يكونوا بمنأى عن هذه العمليّة . وبذلك جّمّد مشروع سكّة الحديد،خاصّة بعد أن اشتدّت سطوة الطوارق فقتلوا المبشّرين الفرنسيين الذين جاءوا للمنطقة بعد ذلك . أي أن المذبحة أبطلت مشروعا كان له– لو تحقّق –أن يغيّر خارطة ومصير الإقليم وكان أحرى بالكوني لو استعمل مادّة هذه الحادثة التاريخيّة بما لايخلّ بمحتواها وظروفها وحقائقها ،حتى لو أراد أن يسخّرها للعمل الفنّي،بدلا من اختزالها الشائه،وافتعال واقعة الضابط الفرنسي الذي روّع المرأة حتى أودى بحياته لمجرّد إلقاء النظر عليها ،وهو أمر لا يقبل التصديق .(1) والغريب في الأمر أن الكوني بدسّه لهذه الحادثة في ثنايا قصّته، قد عاد بالذاكرة الى مقال تحليلي مطوّل كتبه عنها هو بذاته في جريدة (الميدان) الليبيّة في أكتوبر عام 1969 (2) مشيرا الى المراحل الثلاث التي مرّت بها حياة الطوارق . واستشهد في بدايته بحكمة للطوارق نقلها بلغتهم هكذا: "الكام أدوماش ميان امننان.. اوماش مننان اميان" وترجمها: "في قادم الأزمنة سيؤول حال الأعزّة الى الإذلال، وسيؤول حال الأذلّة الى العزّة" ! وذكر أن حملة (فلاترز) المذكورة جاءت بسبب رغبة هذا الضابط المغامر: (3) "إماطة اللثام عن مجاهل الصحراء الأسطوريّة ،واكتشاف ما تنطوي عليه من غوامض مشوّقة وأسرار تتّسم بعنصر الإثارة" واسترسل في سرده الخيالي المجافي للحقيقة التاريخيّة حتى قال : إن قادة الجيش الفرنسي بالجزائر عارضوا الرحلة ، ثم وافقوا عليها نتيجة إلحاحه، ولكن "بسريّة تامّة ودون علم السلطات العليا في باريس" ولكنه في الفقرة التالية مباشرة يناقض نفسه فيقول: "كما كانت الحملة مناورة سافرة قُصد بها جسّ النبض لما يمكن أن يحدث من ردود أفعال فيما لو حاولت فرنسا القيام بعمل عسكري من شأنه أن يحقّق لها المزيد من مطامع النفوذ، ويضمن لها السيطرة الفولاذيّة الشاملة على المنطقة". وهذه كانت المرحلة الأولى؛ تحدّث بعدها عن خوض طوارق الجزائر للجهاد لنصرة إخوتهم الليبيين، حين أقدموا عام 1916 "على الزحف نحو الواحات والمدن التي تحتّلها فرنسا واقتحموها" ولم يفصّل لنا وقائع ونتائج هذا الزحف الذي لم نقرأ عنه في التاريخ المدوّن، عدا قوله "وهي الحركة الشهيرة التي قتل فيها القسّيس الفرنسي الأب دي فوكو بطريق الخطأ "! ومن ثمّ خلُص الى المرحلة الثالثة التي تمثّلت في دعم طوارق ليبيا لثورة الجزائر وخاصّة تهريبهم للسلاح ،حتى وقع العدوان الفرنسي على واحة (أسين) الحدوديّة. وسرد معلومة غير معروفة عن اضطهاد فرنسا للطوارق وتسليمها مقاليد السلطة في النيجر: "للزنوج الذين هادنوها بعدما رفض الطوارق التفاوض أو المهادنة رفضا قطعيّا (4). وقد حاولت السلطات الزنجيّة بعد ذلك إذابة الشخصيّة الطوارقيّة وصهرها عبر بوتقة الشخصيّة الزنجيّة . وكان هذا المخطّط الرهيب يتمّ بمحاولة فرض التزاوج بينهم وبين الزنوج تعسّفا وقهرا."! ونمتنع هنا عن التعليق على هذا الفكر الذي لا يجحف فقط بحقوق سكّان مالي والنيجر التاريخيّة والديموغرافيّة، بل إنّه يتّسم بروح عنصريّة مرفوضة، ربّما تُغفر له حين قالها شابّا يافعا لم تنضج وتتكامل معارفه، ونأمل في أنه تخلّى عنها ،الآن وهو يستظلّ بنعمة قائده حاكم قذّافيستان مهندس الإتحاد الأفريقي (العظيم) والذي تمنّى على الليبيين أن يصطبغوا باللون الأسود الفاحم، وأن يذهبوا الى الجنوب ويتزوّج الواحد منهم أكثر من ألف (زنجيّة) ! ويختتم الكوني ذلك المقال بمفارقة تناقضيّة عجيبة ،إذ طالب العهد الجديد (عهد الفاتح) بأن يغيّر سياسة "العهد الخائب الممقوت" السابق تجاه الطوارق الذي اكتفى بتعيين وزراء ومحافظين من الطوارق دون "الإهتمام الجدّي بمشاكلهم وظروفهم ونيل حقوقهم كليبيين شاركوا هذا الشعب العظيم محنة النضال ". وهنا ضرب مثلا بأن (الميدان) عندما كتبت : "مطالبة بتخصيص ركن باللغة البربريّة المازيغيّة في برامج الإذاعة ،قام مسئول حكومي كبير آنذاك – وبتعسّف لا مبرّر له – قام بتحذير الجريدة من القيام بهذه الإشارة مرّة أخرى." إلاّ أنه أردف ذلك بالقول: "ففي النيجر على سبيل المثال إذاعة محليّة ناطقة بلغة الطوارق – التي هي أكثر لغة البربر صفاء ونقاوة تصدر باسمهم وبحروف التفناغ أبجديّة اللغة البربريّة العريقة ،والتي لا يزال الطوارق فقط هم الذين يستعملونها حتى الآن."! (5) بل أنه يذكر كيف ألحّ عليه رئيس مجلس الأمّة في النيجر – الذي كان ينوي إصدار كتاب بالفرنسيّة عن الطوارق – وطلب منه شخصيّا في رسالتين متتاليتين بعث بهما الى إدارة جريدة (فزّان) أن يوافيه بدراسة كتبها الكوني عنهم فيها لينهي بالقول "وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على الإهتمام الفائق الذي يحظى به الطوارق بين قبائل الهوسا نفسها. وقد لقّبهم قبل ذلك بالزنوج، ولعلّه الآن يتذكّر أن وليّ نعمته قال عنهم إن أصلهم (الحاسة)!
 
 في روايته (البئر) وهي الأولى من خماسيّة (الخسوف)، يخلط بين الوقائع والعهود والأشخاص، ورموز الحكم الأجنبي الذين تداولوا على المنطقة ،فهو اعتبارا من الصفحة (12) يختلق قصّة دراميّة بطلها (أماستان) أخ (غوما) - وهما من قبيلة "امنغساتن"- الذي يقع في غرام الفتاة "تارات" وهي من قبيلة "كيل أبادا"،ولكن فتى آخر من قبيلة "الفوغاس" ينازعه على حبّها فيتحوّل أماستان الى امتشاق السلاح وقيادة عصابة من قطّاع الطرق تغير على قبيلة كيل أبادا انتقاما وتشفيّا من غريمه،ويصل الأمر بأماستان الى الإنضمام الى القوّات الفرنسيةّ ،بل وقيادتها وغزو غات بالسيّارات والمدافع والرشاّشات ! ويواجه غوما في تحالف بين القبائل قوّات الغزو وتقع معارك دمويّة يسقط فيها ضحايا من الجانبين. وهذه القصّة تتخلّل سردها حوادث أخرى أتى ذكرها عبر أسلوب الإسترجاع أحيانا لتتماهى معها أحيانا أخرى. وتنتهي القصّة – أو تبدأ بالأحرى- بهزيمة أماستان وانتحاره وكذلك انتحار الفتاة. وليس هذا مثار المفارقة، ولكنّ خلط المؤلّف للأحداث وتوقيتها الزمني،إذ تصوّر غزوا فرنسيّا لغات لم يقع إطلاقا في التاريخ،لأن الغزو الفرنسي المعروف للسودان الأوسط بدأ عقب اتفاقيّة (فاشودة) عام 1899 بين المستعمرين الإنجليز والفرنسيين. ولم يستطع الفرنسيّون في زحفهم الوصول الى الأراضي الليبيّة، لأن المقاومة الوطنيّة بقيادة السنوسيّة انبرت لها، وجرت المعارك داخل أراضي تشاد الحالية فقط. وفي (ص45) يشرح غوما لأصحابه الخطّة التي أعدّها للهجوم على الفرنسيين،مستعينا بتجربته التي تعلّمها في الكفاح ضد الإيطاليين . أي أن الكوني هنا سها عن أن مقاومة الزحف الفرنسي قد سبقت الإحتلال الإيطالي للبلاد عام 1911 وليس العكس .. والأغرب من هذا كلّه أن الكفاح الذي لفّقه المؤلّف ليس من أجل حماية الديار أو الوطن (وهو يعتبره الصحراء على لسان غوما)،بل من أجل احترام التقاليد العشائريّة المتعلّقة (بالعيب) والشهامة! ناهيك عن أن المؤلّف بثّ بين التضاعيف أفكارا ظلاميّة متخلّفة، فقد حدّثنا عن سيرة غوما بطل الرواية في شبابه وكيف قال له عمّه الذي نعته الكوني بالحكيم (ص 36) :"ما حاجتك للعلم والعلماء؟ إذا لم يكن ثمّة ضرر من العلم فلا نفع فيه أيضا بالنسبة للصحراء (؟) أنت لا تبحث عن العلم ولكنك تبحث عن نفسك . وإذا لم تجد نفسك في الصحراء فلن تجدها في أيّ مكان فابق معنا ودعك من الأوهام". وعندما عارضه غوما والتحق بمدرسة الكتاتيب وتعلّم الكتابة والقراءة والتصوّف، اكتشف أن عمّه كان على حقّ: "فكلّما عرف أكثر كلّما ازداد شقاؤه أكثر، وكلّما توغّل في المعرفة كلّما اكتشف جهله واحتقر نفسه وشعر بالخواء والفراغ المجهول"! ثمّ يحدّثنا عن عودته الى القبيلة محمّلا بالكتب واحتفاء أفرادها به بالزغاريد والذبائح، وبدلا من أن يفرح جاملهم: "لم يشأ أن يصدمهم، لم يقل لهم إن الواحات والكتب وكلّ شيء هو مجرّد باطل. ولم يقل لهم إن الإنسان نفسه منذ ميلاده حتى مماته هو باطل الأباطيل"! ويعتزّ بإبنه الذي وجده يافعا وقد علّمه عمّه "كيف يصيب غزالة تعدو بطلقة واحدة ويقطع رأس الأفعى معصوب العينين بضربة سيف" وهذا ما يتعارض مع الطوطميّة التي أكثر من ترديدها في جميع رواياته.. وعندما وقع غوما أسيرا في مقاومة الزحف الإيطالي (وقد ورد ذكره وسط استرجاع الأحداث وأطياف الذاكرة) يفتعل الكاتب حوارا جرى بين غوما وبين (الجنرال) بالبو (ص 40). وكلّ قاريء للتاريخ يعلم أن (مارشال الجو) إتالو بالبو كان واليا على ليبيا من 1934– 1940وحركة الجهاد في كلّ أنحاء البلاد أخمدت قبل ذلك بعد احتلال الكفره، وإعدام شيخ الشهداء عمر المختار حيث أعلن ذلك حاكم ليبيا آنذاك المارشال بادوليو في يناير 1932. أمّا عهد بالبو فقد اتّسم بترسيخ عمليّات الإستيطان للمستعمرين الطليان الى أن اندلعت الحرب العالميّة الثانية ولقي حتفه فيها. وفي الحوار، وقبل الإفراج عن غوما بأسبوع، يقول له بالبو : "أنت تعرف أن مصير أولئك العصاة الذين يقتلوننا أمثالك هو الإعدام الفوري رميا بالرصاص،لكن شجاعتك وتضحيتك بإبنك أذهلتنا،سوف نطلق سراحك ولكن بشرط ألاّ تقتلنا مرّة أخرى". وهذا تصوير مفتعل غريب للحلم والتسامح الفاشيين،سرعان ما ينساهما الكاتب في الرواية الثالثة (أخبار الطوفان الثاني)، حين يبالغ ويقول إن الإيطاليين ذبحوا الشيخ المرّاكشي "من الوريد الى الوريد" (ص 83) رغم أنه كان فقيها فقط يحثّ الناس على الجهاد في خطبه بالمسجد ،ولم يمتشق السلاح مثل غوما!.
 
وفي رواية (أخبار الطوفان الثاني) يفرد القسم الثاني منها للحديث عن الغزو الإيطالي، ويعود بدأ من (ص102) الى حكاية الحوار بين غوما وبالبو ويجعله مفعما بالفلسفة والعزّة البطوليّة تذكّر بالحوار بين جرازياني وعمر المختار! ويكتب قبل ذلك أن نوري بك- القائد العسكري العثماني الذي نعرف أنه حرّض على هجوم قوّات رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف على الجيش البريطاني في حدود مصر الغربيّة، ثم لعب دورا في تأييد كفاح وصراعات المجاهد رمضان السويحلي – قد أمر بمنع حيازة السلاح في فزّان وإنزال عقوبة: "تبدأ بالجلد العلني وتنتهي بعقوبة الإعدام شنقا أمام جمهور الرعيّة" (ص 86) . وكلّ من له إلمام بسيط بتاريخ الجهاد الليبي يعلم أنه في زمن قيادة نوري بك بالذات تدفّقت الأسلحة والأموال على المجاهدين ،من حدود مصر وبالغوّاصات الألمانيّة عبر ميناء مصراتة . وفي (ص 96) من نفس الرواية ذكر استجلاب القوّات الإيطاليّة "لأفراد من قبائل الزنوج من مجنّدي الهجانة" على أنهم من جنود الأحباش ، وهو ما كرّره في مقاطع أخرى من رواياته ،معتبرا كلّ أفريقي أسود البشرة زنجيّا . مما يدلّ على عدم معرفته بالإصول الإثنية لسكّان جنوب الصحراء ، فالأحباش (ويقصد بهم الإريتريين الذين جلب المستعمرون الإيطاليّون فرقا منهم في حربهم ضدّ المقاومة الليبيّة الضارية) هم من الجنس الحامي الذي انصهرت قبائله في الألف الأول قبل الميلاد بتدفّقات من القبائل الساميّة ،حتى تكوّنت حضارة (أسكوم) المعروفة. أي أنهم غير الزنوج Negroes الذين تختلف فصيلة الدم والكروزومات لديهم- وهو لقب غير مستحبّ إستعماله على أيّة حال لأنه يذكّر بالرّق.
 
 في روايته الرابعة (نداء الوقوق) حشاها الكوني بأحداث سياسيّة داخليّة متشابكة ومتضاربة التواريخ وهرطقات فلسفيّة. يبدأ القسم الأول منها بفصل (الغيب) الذي نقرأ فيه أن غوما يصاب بنوبات وجوم وغياب في مدن سحريّة وهميّة، ويطلب من أصحابه أن يتولّى صديقه (آهار) مشيخة القبيلة ، وعندما يستبعد صديقه (خليل) ذلك ،يجيبه غوما: "العطش الى الحكم يلازم حياة الإستقرار. لا يمكن أن تكون السلطة لقوم يحترفون التنقّل والترحال .إنهم يمارسون الحريّة طالما استمرّوا يتنقّلون ويهاجرون. ولكن لا يلبثون أن يضعوا القيد في أعناقهم بمجرّد أن يرتضوا الإستقرار ويبدأوا في اقتناء الأشياء ، هنا لا بدّ أن يبحثوا عن حاكم يحكمهم حتى لو لم يوجد. العبوديّة تتسلّل مع المقتنيات هه – هه – هه ." (فيها نفحات من الفكر القذّافي الأخضر !) وفي فصل (الحفيد) الذي يليه، يحدّثنا الكوني عمّا وقع يوم 14 يناير (مع إغفال السنة) ،حين اندلعت مظاهرات طلبة الجامعة في طرابلس وبنغازي إحتجاجا على القواعد الأجنبيّة. (وهذا غير صحيح،فالمظاهرات المعروفة كانت إحتجاجا على عدم حضور الملك لمؤتمر القمّة العربيّة بالقاهرة) وانتقلت العدوى الى (الجوهرة) في فزّان حيث قاد الطلبة في المدرسة الداخليّة: آيس –الدّوس – كركوبة – درهوب، مظاهرة صاخبة قمعتها الشرطة بوحشيّة دمويّة (لم يجرؤ على ترديد هذه الكذبة حتى قائده الذي لفّق الروايات والأفلام عن زعامته لهذه المظاهرة !) في صفحة 43 يُزجّ بالأبطال في السجن بعد سقوط الموتى والجرحى في المذبحة،لأن رئيس القوّات المتحرّكة كان حاقدا على المتظاهرين حدّا جعله يقول إنه على استعداد لذبح نصف المتظاهرين إذا كان ذلك سيضمن الهدوء ويعيد السلام الى المملكة (ص 36)! وفي التحقيق القضائي الذي أُجري معه ،يقول آيس إنه رأى من شقّ الباب القاضي يضاجع زهرة التي كانت زوجة (كونسا) الى أن جاءت زوجته الروميّة ونبشتها بالأظافر ،لذلك قرّرت أن تنتقم من كونسا.. وفي السجن وأمام وطأة التعذيب يصف آيس رجال الشرطة: "وحوش إنهم وحوش ، هل يمكن أن يكون هؤلاء ليبيين بالله؟ فيجيبه السجين الآخر (زيد) : "الطليان أعداء ولكنهم يراعون قوانين الحرب. أمّا نحن فنعامل بعضنا بعضا كالوحوش،إذا وقع أحدنا في قبضة الطرف الآخر رأى الويل والنجوم في عزّ الظهر" (هل كان هذا الوصف استحضارا لما يجري في الفردوس الجماهيري ؟). ولمّا كان آيس هذا حفيد الشيخ غوما، يقوم الأخير بالتوجّه الى الحكمدار (بعد مروره بقصر الوالي ذي القبّة الذهبيّة الأسطوريّة "والتي بُنيت بأموال قارون") سائلا عن أسباب اعتقال حفيده ،فيشرح له الحكمدار: "دعنا من التمرّد. دعنا من التآمر ضد نظام الحكم، ما رأيك في الشيوعيّة هل تنفي أن حفيدك عضو في تنظيم الشيوعية الهدّامة؟. وعندما يسأله غوما عن معنى الشيوعيّة، يجيبه: "مذهب هدّام يشجّع على التمرّد ويبيح الإباحة والإرهاب ويدعو الى الزندقة والكفر بالواحد الأحد.. يبيح حتى معاشرة الأخ لأخته والإبن ل.." وماكان من غوما إلاّ التلفّظ بالحوقلة.. واحتدّ النقاش بينهما حتى أن غوما هدّد بالإحتكام الى السلاح. ثم ينسحب مع أصدقائه الى الفندق القديم ويلتحق بهم الحكمدار، ويستمرّ النقاش الذي يختتمه الحكمدار بأنه أقنع المحافظ بإطلاق سراح حفيده (آيس) ولكن ليس بقيّة السجناء إكراما للشيخ غوما ومقامه، ويفتعل الروائي هنا تدخّل الملك شخصيّا في أمور كان بعيدا عنها كلّ البعد ،ليقول لنا إن أخ الحكمدار شخصيّة سياسيّة بارزة عارضت توقيع المعاهدات مع الإنجليز والأمريكيين ،وحاول الملك إقناعه في مفاوضات شخصيّة دون جدوى، حتى أنه هاجر غاضبا الى مصر. وأخيرا اختفى نهائيّا : "عالج الملك أو الإنجليز الأمر بأن أبعدوه الى الأبد.. ونفّذ الملك ما أراد ووقّع الإتفاق مع الإنجليز ثمّ الأمريكان رغم أنف المعارضة والمعارضين". ولم يعلمنا الكوني عن هذه الشخصيّة التي سرقت من التاريخ أدوار أعضاء البرلمان والصحافة ورجال الأحزاب الوطنيّة الذين عارضوا المعاهدتين، ثمّ لقيت هذه الشخصيّة مصيرها بأسلوب الخطف والتغييب الأبدي الذي لم تعرفه ليبيا إلاّ في عهد وليّ نعمته حاكم قّذّافيستان! وعودة الى الفندق لنشاهد أوربيين ثلاثة يكثر أحدهم من شرب الخمر (البوظا) حتى الثمالة، ويغنّي أغنية تقول بالإيطاليّة : مساء الخير يا سيّد غوما.. أنا فلان الفلاني إلخ .. من اللغو الذي لا يعني أيّ شيء،أثبتها الكاتب بالإيطالية مع أغلاط طبعا،ثمّ ترجمها الى العربيّة،وكأنه أراد تأكيد معرفته بتلك اللغة! وهو عجوز إيطالي إسمه موري عمل في جيش الإحتلال وعاد الى روما وأحيل على التقاعد هناك،ثم الى فزّان للبحث عن آثار الجرمنتيين. لكن الأهالي يردّدون همسا أن الوالي استقدمه خصّيصا للبحث عن الذهب المدفون في قبورهم مقابل حصّة له من الكنوز.
 
 وفي الفصول العديدة التالية (حدّوثات) متقطّعة،منها ما يحكي عن إيطالي آخر إسمه بورديللو، وهو أيضا دائم السكر والعجرفة ومهمّته تجنيد أهل الصحراء للحرب الإيطاليّة في الحبشة، ومعه جنود من (الزنوج في مصطلح الكوني!) الذين: "نهبوا الحقول واستولوا على ممتلكات المزارعين ونحروا المواشي،واغتصبوا النساء وضربوا الفلاّحين،وشنقوا ثلاثة من الشباب في ساحة السوق اتهموهم بالتخطيط للعصيان وتنظيم فرقة للمقاومة." وبورديللو يسير وسطهم مخمورا ويصرخ: "أقتلوهم عاشروا نساءهم أقتلوا أطفالهم أشنقوا رجالهم الأوباش إنتقموا لآبائكم وأجدادكم الذين استعبدوهم وباعوهم للأوربيين.!"(وهذه المعلومة عن قيام الليبيين بالمشاركة في تجارة الرقّ، طالما أدان بها قائده المعلّم الأوربيين فقط في خطبه التي ملّها حتى الرؤساء الأفارقة في قممهم!). بل إن الكوني في روايته (المجوس) – ص 29 وما بعدها- يتحدّث عن الزنجيّات – أو الحبشيّات دون تفريق- اللائي أُخذن سبايا في غزوات الصحراويين،ثمّ اقترنوا بهنّ كزوجات. وكيف أصبحن ضرّات لنسائهم (النبيلات) حسب تعريفه. وقد نهاهم شيخ القادريّة عن اصطياد السبايا والعبيد ،وجادلهم قائلا : "كلّ مالك مملوك. وليس من حقّ مملوك أن يطمع في نعيم الحريّة" – ص 25- (ألا تذكّر هذه الهرطقة بمقولة قائده : في الحاجة تكمن الحريّة؟") ليفيدنا بعد ذلك أن العبيد تجمهروا إحتجاجا على تحريرهم !
 
ومتابعة للحديث عن الإيطالي بورديللو في رواية (نداء الوقوق) نجد الكوني ،وقد أقحم في كلمات قليلة ما قرأه عن صراعات الصحراء في قديم الأزمان في نوع من الإستعراض، حين يصف بورديللو وهو يشهق ويبكي ويردّد: "ضاعت الأمجاد ضاعت الأحلام . لن أغزو الحبشة لن أصبح قائدا عظيما بعيدا عن روما. لن أنتصر على هانيبال مثل استبسيون . لن أقهر يوغرتن مثل غاي ماري. لن أستولي على الغال ومصر مثل القيصر. لن أضع ملكهم الغوريللا (يقصد هيلا سيلاسي) في القفص وأذهب به الى عاصمة الإمبراطوريّة "! ويواصل الكاتب هذه الصور والمشاهد في الفصول التالية ،بدون ترابط. ولا يدري القاريء عن أزمنة السرد ومنطلقاته ونهاياته وغرابة حوادثه ،مثل قيام بورديللو بأن فرض على (آهار) شرب زجاجة من بوله! وفي استطراد مسهب يحدّثنا عن موت أصدقاء الشيخ غوما الذي هدّته الفجيعة والمكابدة . وتخلّل السرد إطلاق الحكم المكرورة المناهضة لتقدّم المجتمعات البشريّة ،والتي تزعم أن الحريّة لا تتحقّق إلاّ في تجوال الرعاة في الصحراء المترامية،ويغتالها الإستقرار والإسترخاء في الواحات.. الى أن يأتي سرب من الفرسان من الهوجار مدجّجين على مهاريّهم ليدعّموا الشيخ غوما في خوض المعركة الفاصلة (لعلّها ضدّ الحكم). ولكن غوما يسقط ميّتا حتف أنفه. وعندما يهمّ أتباعه بتشييعه، يصل وفد من لدن (صاحب الجلالة الملك) الذي أصدر مرسوما بعزل وزير الداخليّة ومحافظ الجوهرة (لعلّها سبها عاصمة فزّان) ،إكراما واسترضاء لغوما، ويريد الوفد أن يتحدّث اليه . فوجد جسده مسجّى أمامه. "وفي السهل عمّ السكون "! .
 
ثمّ ينبّهنا الكوني أنه حرّر هذه الرواية ،في أغسطس – ديسمبر 1988، أثناء تجواله وإقامته في كلّ من بيرن وموسكو وطوكيو، مستوحيا في ربوعها أجواء الصحراء وأهلها.. أليس كذلك ؟
 
مخضرم
 
* انقطعنا عن مواصلة كتابة هذا النقد بسبب انعقاد مؤتمر التوافق الوطني وتكريس الجهد لمتابعته. والآن نستأنفه.
 
(1) أجمع علماء النفس والطبّ والتجربة الإنسانيّة أن الوفاة، إذا حدثت بسبب الفزع أو الفاجعة (الصدمة)، تحدث فورا وقت المباغتة، وليس بعد مرور يومين.
 
(2) أطلعني رفيق الكفاح الفكري والنقابي المناضل فاضل المسعودي ، صاحب ورئيس تحرير (الميدان)، على نصّ المقال الذي لم ينشره في جريدته للأسباب التي سيتبيّتها القاريء من تحليلنا النقدي هذا !
 
(3) هنا ذكر الكوني أن الطوارق سيطروا على الصحراء منذ ما قبل التاريخ ،"دون أن يجرؤ مخلوق مغامر على محاولة دخولها" الى أن جاءت بعثة فلاترز عام 1881. والحقيقة أن بعثات المستكشفين الأوربيين بدأت قبل حوالي مائة سنة من ذلك التاريخ ! وأول بعثّة منظّمة كانت عام 1789 وقام بها وليم لوجاس الإنجليزي وجون الديارد الأمريكي، ثمّ تبعتها العشرات من البعثات ، ومن ضمنها بعثة (دوفيريير) الفرنسي عام 1859 المعروفة بأغراضها الإستعماريّة، وهو الذي صادق فيها زعماء الطوارق وسمّاهم (الفرسان النبلاء) وهذا الوصف استعاره الكوني في مقالته المذكورة.
 
(4) تواترت الروايات التاريخيّة في أن بعض قبائل التوارق قامت بعكس ذلك،وتحالفت مع الفرنسيين في زحفهم عبر الصحراء. مثلها مثل أقوام أخرى من العرب والأفارقة. وهذه ظاهرة يكمن تفسيرها في طبيعة الرعاة الصحراويين الرحّل الذين يكابدون عذابات الجفاف والقحط ،لذا فهم يعيشون على الغنائم، ومفهوم الوطن لديهم ينحصر في القبيلة والدفاع عن حياضها. ولا يعترضون على من يمنحهم العون والهدايا،طالما احترم حدودهم وتقاليدهم وحريّة تجوالهم.
 
(5) ياليته كتب بها أعماله،ثمّ ترجمها الى العربيّة !.  
 
راجع:
 

الحلقة الأولى  

●  الحلقة الثانية   

●  الحلقة الثالثة   

●  الحلقة الرابعة   

●  الحلقة الخامسة   

●  الحلقة السادسة   

الحلقة السابعة والأخيرة