بقلم: مخضرم

 


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة    الحلقة السابعة والأخيرة


 

 رحلة الكوني في العدميّة (5)

 

عند الساعة الثامنة من مساء يوم 9 يونيو 2005 تسلّم إبراهيم الكوني الجائزة في مسرح (السلخانة أو المجزرة Schlachthaus هكذا إسمه بالألمانيّة!) بمدينة بيرن،ولأسباب خارجة عن الإرادة لم تسنح لنا الفرصة لحضور الإحتفاليّة. ولذلك لا نستطيع أن نصدّق ما ادّعته وكالة (الجماهيريّة للأنباء) ذات الصدقيّة المشهورة! من أن"كبار النقّاد وأساتذة الجامعات وأهل الأدب والصحافة في مختلف المدن السويسريّة ألقوا في هذا الحفل الكلمات التي تتناول بالنقد والتحليل الأعمال الإبداعيّة لهذا الروائي العالمي القدير،الذي استقبله الأخ قائد الثورة (وهذا هو المهمّ!) .. إلخ" لأنّنا طالعنا جميع الصحف السويسريّة في ذلك اليوم،ولم نجد إلاّ خبرا قصيرا يشير الى تسلّمه للجائزة في المسرح المذكور عاليه،دون الحديث عن أي حفل أو تقريظ،. وقد نشرت هذا الخبرالصحف المحليّة التابعة لقضاء بيرن،وليست الصحف (القوميّة) الكبرى،باستثناء مقالتين نقديّتين وتعليقا قصيرا في صحيفتي (دير بوند) و(بيرنير تزايتونج) – سيجد القاريء ترجمة كاملة لهما قمنا بها نيابة عن إبراهيم الكوني .(1) وحتى الموقع الإليكتروني السويسري بالعربيّة شبه الرسمي، لم تصدر عنه أيّة إشارة رغم أنه متخصّص في تغطية الأنشطة المشتركة بين سويسرا والعالم العربي.واللافت للنظر أن الكوني (اختار) جريدة الشرق الأوسط السعوديّة بالذات،ومملكتها تناصب العداء لجماهيريّة قذّافيستان (قبل العفو -عند المقدرة- من مليكها الجديد على العملاء الذين أرسلهم القذّافي لقتله،وسلّمهم له الرئيس المصري الذي قام أخيرا بالوساطة بينهما !) ليتحفها بتصريحات ناريّة كرّر فيها التهجّم على العرب – جريا على منوال قائده- فمثقّفوهم،حسب قوله، متحيّزون ديموغرافيّا (بمفهوم قائده الجاهل لمعناها (2) ولديهم أزمة ضمير تتمثّل في الأديولوجيا المهيمنة،وهذه كارثة (يارسول الله!) "لم يعد يهمّني أن يحتفي بي العالم العربي، أنا لا أريد أن يحتفي بي أحد منهم . ما أريده فقط هو أن يناقشوني في الحقيقة التي أحملها،ربّما هي ليست حقيقة،إذن فليقرأوها وليناقشوها"! وزاد "كلّ الجوائز التي حصلت عليها دوليّة وليس بينها جائزة عربيّة باستثناء ما حصلت عليه من جوائز في بلدي ليبيا،بعد مرور عشر سنوات من حصولي على جوائز عالميّة. ولذا أرى أن الجوائز العربيّة والتكريم العربي إهانة (؟) ". كما أنحى باللائمة على الناقد المصري المعروف جابر عصفورالذي وصف الكوني بأنه يكرّر نفسه،مؤكّدا :"إنني أكرّر النماذج ولا أكرّر الأشخاص(؟)" مضيفا :"إن النقّاد يعتقدون أنهم إذا قرأوا عملا واحدا لمبدع عرفوه،وهذا خطأ . لابد أن تقرأ انتاجه كلّه حتى تستطيع أن تحكم عليه . لكن العرب لا يقرأون"!

 

وهنا لنا وقفة للتعليق على هذا التحامل والتطاول فنقول: لم يحظ كاتب ليبي على الإطلاق من المثقّفين العرب بما حظي به الكوني من مدح وتبجيل وإشادة . فلقد تابعت شخصيّا ما نُشر عنه في الصحف والمطبوعات العربيّة منذ نهاية الثمانينات حتى اليوم. وأنا مضطرّ أن أدحض اتهاماته الظالمة وأثبت بطلانها، مقتصرا على الدراسات والتحليلات النقديّة التي اطّلعت عليها،دون أن أذكر التعليقات والإشارات المبتسرة الكثيرة التي تناولت إنتاجه . وفيما يلي بعض الأمثلة الماديّة :-

 

{} "رواية غنائيّة في زمن الحداثة" – صحيفة الحياة،عام 1990 بقلم عمر شبانة من عمّان- تحليل مطوّل لرواية "التبر" مليء بالمديح مثل قوله:"تبني أحداثا مترابطة في بنية واحدة تجمع الغناء والتراجيديا والشعر والسرد" وقوله "الصحراء تولد الحكمة بنت التجارب والآلام. واللعبة التي يرسم الكاتب خيوطها بذكاء هي لعبة انفصام الشخصيّة الصحراويّة في صراعها المرير من أجل الحياة بحريّة الصراع مع المفاهيم حينا والرضوخ لها حينا آخر،وفي كلتا الحالتين ثمة مأساة لكن الإنحياز الأخير يظلّ الى الحريّة المتمثّلة في اختيار المهري الأبلق،ورفض القيود الإجتماعيّة " .

 

{} "ظاهرة أدبيّة ليبيّة إسمها الكوني"- بقلم رفعت سلام من القاهرة،صحيفة "صوت الخليج" الكويتيّة عام 1991- تحليل لرواية "نزيف الحجر" وضع له عنوانين "التيس سيّد العالم"! و"الإلتزام بقواعد الطوطميّة" ومن بين التقريظ قوله :"الروية في أحد وجوهها أنشودة لقداسة كل حياة ضد الإنتهاك والإعتداء والإهدار،بحيث تتجلّى كلّ عمليّة صيد كجريمة قتل بشعة وفظّة لابدّ أن تلقى جزاءها". وقوله :"تتبدّى الصحراء نقيضا للفراغ . هي امتلاء بالعوالم المرئيّة المكشوفة والعوالم الخفيّة الضمنيّة التي لا يدركها إلاّ إبن الصحراء نفسها."

 

{} "أساطير ورموز ولعنات غامضة تنهال على البشر" – بقلم الناقد والشاعر السوري حسام الدين محمّد،صحيفة "القدس العربي" اللندنيّة أغسطس 1991 – تقييم سخيّ لرواية "المجوس" التي وصفها بأنها: "خلاصة عمل طويل مختزن ومعتّق،ومحاولة جديدة لقول الصحراء ومحايثتها،ولبلورة فلسفة حياة من خلال استيحاء المقولات الأسطوريّة وتقطير التراث الشفوي الضخم لشعب صحراوي قديم،لذا يبدو عمل الكاتب نوعا من حفر أثنولوجي من باحث في جذور شعبه وثقافته وعاداته،في إطار روائي فذّ يحمل رؤيته الخاصّة للعالم". و أيضا "إن تاريخا غير مكتوب هو تاريخ غير موجود،ولعنة فقدان التاريخ تعادل فقدان المستقبل.وهذه المهمّة عند استيعابها في أعمال روائيّة –في حالة الكوني- تشبه قدرا صعبا ولعنة حياة ولغة".ثمّ يقول بعد تلخيص لجوهر الرواية :"لغة الكاتب مقتصدة وبسيطة مثل عناصر الصحراء،لكنها تمور بتوتّر داخلي،أو ترقّ لتصبح شاعريّة أحيانا،أو ترفل بإشراق صوفي وغنائيّة،وعندما تتهلهل أحداث الرواية وناسها من أثر اللعنة الجاثمة على المدينة والصحراء،يتململ الكلام ويصبح باهظا وثقيلا،ثمّ يخفّ ويشقّ طريقه مع انفراج الحدث."

 

{} "فرحة الإمساك بعالم ضائع"- صحيفة "العرب" اللندنيّة ،ديسمبر 1992 بقلم أحمد عبد المكرّم- نقدّ مطوّل كلّه إشادة بمجموعة "القفص" القصصيّة،جاء فيه:"إبراهيم الكوني انكفأ بصبر العالم الأنثربولوجي المدقّق (؟) يحفر بدأب وأناة في واقع مجتمع هو الأقرب اليه،والعليم ببواطنه،بل هو واقع محبّب الى نفسه تشرّبه بعمق وبفرح أيضا." كما قال: "الموت في قصص الكوني لا يصوّر كقدر عادي،إنما دائما يأتي كمشهد جليل يندمج فيه الإنسان بالطبيعة ويحلّ فيها. فالموت لحظة يستغلّها الكاتب بوعي شديد ليؤكّد من خلالها على معاني التواشج والإرتباط الأبدي القوي القائم بين الإنسان والحيوان والطبيعة" .

 

{} "التبر –رأس مال الصحراء الرمزي"موقع المنارة الإليكتروني،بقلم سعيد الغانمي،ناقد عراقي مقيم في ليبيا- دراسة مستفيضة لمخرجات رواية التبر، تنطوي على تبجيلها من الناقد الذي جاس في بنائها الفنّي محلّلا الفرق بين الصوت والصورة وبين الروائي كمتكلّم وبين شخوصه كناطقين ،وضرب مثلا بتصويره للغة الجمل الأبلق الصوتيّة،ويتعمّق في استكناه الطوطميّة المتجليّة في العلاقة بين "أوخيد" وجمله "الأبلق". ولكن فاته،في سياق تحليله،أن الكوني حين يجعل"أوخيد" ينحر جملا آخر كهديّة في العرس وكنذر للآلهة،قد انتفت عنه بذلك الرابطة الطوطميّة الحميمة بالحيوان،وأثبتت أن هذه الرابطة لا تشدّه مع الحيوان كحيوان،ولكن مع "الأبلق" حصرا. وهذا ما يحتاج الى تفسير آخر.. ثم يستطرد الناقد لينقل معلومة قيّمة عن نبات"السلفيوم" القورينائي العجيب والباحث الفرنسي الذي كُتب عنه. وبهذه المناسبة نجد نحن في الصورة المأساويّة لانتحار "أوخيد"، وهو مربوط بذيل بعيره حتى تقطع الصخور جسده،إقتباسا صريحا من رواية "موبي ديك"(3) الشهيرة لهيرمان ميلفيل،حين ربط "أهاب" بطل الرواية نفسه بالحوت الضخم ليغرق كلاهما مضرّجين بالدماء. ومن معاني الرواية التي اعتصرها الناقد العلاقة العكسيّة للقيمتين الرمزيّة والنقديّة للذهب كما صوّرها الكوني مستلهما (مقولة) الشيخ إبن فضل الله العمري من مملكة مالي،وجسّدها في خرافة تقول إن الذهب ينعدم كلّما دخل الإسلام بلادا يتوفّر فيها،ليزداد فيما يليها من بلاد الكفّار. وهذا تكرار(لنظريّة) لعنة الذهب والتبرّؤ من حيازته يبثّها الكوني في جميع أعماله تقريبا. نقول نظريّة ولا نقول (عقيدة) لأن الأخيرة تمارس في الواقع عادة. وهذا ما لا يبرهن عليه طراز الحياة التي يعيشها الكوني! ويستحضر الناقد في دراسته أقوال الكوني المعادية للمرأة :"لعنهما الله جميعا الشيطان والإناث،بل من هي الأنثى إن لم تكن شيطانا رجيما؟" (ص26) . ويستنكف الناقد من توجيه اللوم للروائي على هذه الظلاميّة التي ما لبثت تعشّش في ذهنه وينثرها في عدّة روايات له ومقاطع. وعوضا عن لومه،نراه يلتمس له التعلاّت الفجّة مثل قوله : لا يأتي ذمّ الأنثى من كونها أنثى لأن مجتمع التوارق الذي ولد فيه الكوني يؤمن بالنظام الأمومي في انتسابه،وتجاهل أن الروائي عني المرأة كأنثى حتى أن الناقة (رمز الأنثى) هي التي تسبّبت في إصابة الأبلق بمأساة الجرب!

 

{} "فضاء السرد في خريف الدرويش"- أسليم نيت- وهو موقع إليكتروني مغربي أدبي زاخر- بقلم إحسان محمد جواد التميمي،عراقي من ليبيا- دراسة معمّقة لمفهوم الجسد في هذه المجموعة للكوني من زاوية "فينومينولوجيّة". وقد انغمس فيها الناقد ليستدرّ موضوعة التجسيد :"حيث تزفر الصحراء أنفاسا باردة لتتّصل برسول مملكة الشمال،الذي تلاقيه الأعشاب الشاحبة في الوديان برقص حزين يتمايل الرتم ويكشف للرسول عن خصلات الشعر الذي هزل وذبل وتساقط ،أما الطلح المكابر فلم يترنّح كالأعشاب" .. ثم في قصّة "العهد" حيث الزعيم الذي عاشر الجان والنساء، وتعلّم من الناموس أن يستمع الى أقوالهنّ شرط أن يخالف رغباتهن،الى أن قطع لسان قرينته الحسناء ظنّا منه أنه حصّن سرّه من شرّ اللسان،وهنا يرتبط الجسد بجارحة اللسان."الذي هو عضو صغير ويفتخر متعاظما،لكنه يدنّس الجسم كلّه" . ونفس الهلوسة نجدها في قصّة "اللسان" حيث يفشي السيّد أسراره للعبد،والعبد يفشيها الى جمله الأبلق الذي يصاب بالهزال ثم الموت لأنه لا يملك جارحة إفشاء السرّ – وهي اللسان- فيعاقب السيّد عبده بقطع لسانه! ويغوص الناقد ممعنا في الإلتباسات،ويحاول متعسّفا تطبيق نظريّات أدبيّة مثل (جيلوجيّة الكتابة وفضاء السطح) على قصّ الكوني . ليؤكّد للقاريء أنه لن يخرج من قراءة المجموعة إلاّ درويشا ،إن استوعبها..

 

{} "إبراهيم الكوني"- موقع معابر الإليكتروني بقلم عبد الجليل غزالة من المغرب- وقد خصّص بحثه لأسلوب التخاطب ومظاهر القول القصصي عند الكوني،لاسيّما في روايته "الخروج الأول" .

 

{} "الكتابة والصحراء" موقع جريدة العلم الإليكتروني ،بقلم حسن المودن من المغرب- تحليل لمعنى اللغة التي تحكي عن الصحراء في أعمل الروائيين العرب المحدثين كعبد الرحمن منيف في "مدن الملح" والكوني في التبر. ويستشهد بدراسة أخرى كتبها الناقد سعيد الغانمي عن المخيال الصحراوي لدى الكوني ولاحظ فيها :"أن لحظات الموت والميلاد تقترن دائما بالنقوش والكتابات القديمة"،والكتابة هنا في معناها المادّي توجد في الصحراء كرموز يرسمها ويتواصل بها الناس "لكنها لا توجد من أجل التواصل والتفاهم بين أيدي جميع الناس .هي سرّ،أداة لاتملكها إلاّ نوعيّة خاصة من الناس ...تأثيرها يقترن بالسحر والجنون والموت.". ثمّ تحدّث الناقد عن ارتباط الصحراء في النصوص الدينيّة كالقرآن الكريم ،بالتيه ،وفي أدب الرحلات بأنها قابلة للتحضّر،وفي معناها التخييلي كما أوردها الكوني في كتابه "ديوان النثر البرّي"باعتبارها "نصوصا سرديّة لا تنطوي تحت صنف أدبي معينّ،لكنها تستنطق كائنات الصحراء بنوع من التعاطف الصوفي لتحيا وتفكّر وتتكلّم " .

 

{} "ثنائيّة إبراهيم الكوني الصحراويّة"- موقع المنارة الإليكتروني،بقلم الناقد فخري صالح من الأردن- وفي هذا التحليل النقدي المستفيض،عالج الناقد المعروف العلاقة المدهشة التي تقوم بين إنسان وحيوان في روايتي "نزيف الحجر" و"التبر"،وكذلك جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراويّة،كونها علاقات ثابتة لا ينتابها التغيّر،ويحكم على الشخصيّة المحوريّة في العمل بالموت كأضحية تجلب الخصب،فيهطل المطر وتتصالح الصحراء الجبليّة مع الصحراء الرمليّة (نزيف الحجر ص30) كما استعرض الناقد اقتباسات الكوني من النصوص المقدّسة والصوفيّة والميثالوجيا الإغريقيّة :"حيث لا يؤدّي سير الأحداث الى تغيّر في المصير المأساوي الذي تنتهي اليه الشخصيّة" .

 

{} "دائرة السرد والحوار في أدب الكوني"- موقع "طيوب" الإليكتروني،بقلم فتحي نصيب-لم يشأ الناقد اعتبارها دراسة أو بحثا ،وإنما هي قراءة للمنهجيّة التي اتبعها الكوني في قصّه،وهي تختلف عن التراتيبيّة التقليديّة للسرد،ثم يشرح فهمه لألوان الحوار التي استخدمها الكوني إذ وصف اللعبة الروائيّة عنده بأنها:"تنهض على أساس العالم الطقوسي بداية من التضمينات المستشهد بها،مرورا بالوقائع والأحداث وكذلك الشخصيّات العاديّة التي تتحوّل إثر حادث ما الى شخصيّة أسطوريّة تعيد خلق وترتيب عالمها الداخلي والخارجي على حدّ سواء".

 

{} "المرئي واللامرئي في نصوص الكوني" عدّة مقالات بصحيفة "الخليج" الإمارتية،كتبها د.عمر عبد العزيز،ثمّ نظّم النادي الثقافي بالشارقة يوم 7.7.2005 ندوة بعنوان "السحر الصحراوي رديفا للوجود الإنساني عند الكوني" شارك فيها مع الناقد المذكور الكاتب عبد الفتّاح صبري. وقد ركّزت على "ديوان النثر البرّي". وبعد أن أشاد عبد العزيز بالكوني لأنه "امتلك ناصيّة السرد المقرونة بثقافة مؤسّسة على قراءات راكزة واستشفاف عميق لحكمة النصوص"،أبرز"مكانة الإشارة في سرديّات الكوني عبر الإيماءات النصيّة والرموز ذات الدلالات المحدّدة،مع تركيز الكوني في نزعته فوق الواقعيّة على تلك العوالم السحريّة للمتصوّفة والأسلاف المهووسين  بالأساطير وفلسفة المدى المفتوح"  بينما أوضح صبري "أن الكوني اتّكأ في تجربته على شرعنة خاصّة به أولا،وبالصحراء ثانيا،ويعتمد في سرده على الجمع بين الواقع والتاريخ والأسطورة،وهوما يجعله أكثر قربا من الطابع الملحمي" .

 

كانت هذه إذن شذرات ونماذج من النقد الذي مارسه الأدبّاء العرب من المغرب الى المشرق لإنتاج الكوني،منذ البدء حتى يومنا هذا . ونلاحظ  أنه رغم التعمّق في تحليله وتفسير مضامينه،فقد اكتسى صيغة المديح والإطراء. وهو مادرج عليه النقّاد العرب في تجنّب المثالب والعيوب التي لا يخلو منها إبداع أدبي. بعكس النقّاد الأوربيين الذين ينقدون العمل بأسلوب التقييم مع التقويم،ولا يأبهون بالمجاملة واستهداف التشجيع . كما أننا لاحظنا أن هذه الشرائح من النقد الغزير،والذي لو جمعناها لكوّنت كتابا،كان محورها وتركيزها على الموقف الإنطباعي الدائم للكوني إزاء صحرائه ومجازيّته التي كان يلوّن بها إنتاجه بشكل مكرور رتيب لا يتغيّر . وحرصا على استكمال النظرة النقديّة الشاملة،سنستعرض القراءة الأوربيّة للكوني . ولكن دون أن ننسى النظرة الليبيّة،ولم كانت حسيرة كليلة ؟

 

مخضرم

 


(1) وكان أجدر بالكوني النهوض بهذا العبء،وقد قضى 12 عاما مقيما في هذا القضاء،(أو الفضاء السويسري!) إقامة دائمة،وكان ذلك شرطا لازما لنيله الجائزة . وربّما جعل ذلك الإعلام (الجماهيري) يستند على حقائق،ولا يردّد ترّهات!


(2) جاء استعمال الكوني لهذا المصطلح غيرموفّق وفي غير محلّه من مثقّف ضليع مثله،وهو خطاّ ملازم للقذافي الذي يخلط بينه وبين (الجيوبوليتيك) في خطاباته حتى أمام نخب مثقّفة،لأنه يجهل أن المصطلح إغريقي الأصل ويتكوّن من مقطعين:
Demo أي السكّان أو الشعب،و graphy أي الوصف المرسوم لهم،فتعطي معنى يتعلّق بالسكّان وأوضاعهم . ولا شأن له بجنسيّتهم المخالفة لجنسيّة غيرهم كما ذهب الكوني. وهو ليس الجغرافيا السياسيّة Geopolitics وتدلّ على دراسة الجغرافيا وعلاقتها بالقوى السياسيّة ومتطلّبات الأمن القومي ضمن إطار المحيط الدولي . والعقدة لدى القذّافي أنه يدّعي معرفته باللغات الأجنبيّة (غصبا عن الجميع) بما في ذلك حواريّوه من خشيم والغويل الى بودبّوس امبيرش. والأخير أبان منذ فترة قصيرة عن قدرة عجيبة في ليّ المصطلحات الأجنبيّة لكي تتعرّب بل (تتقذّف بطريقة الشيخ زبير) وذلك في محاضرة ارتجلها في ندوة (عالميّة) عقدت في سرت عنوانها"من جمهوريّة افلاطون الى جماهيريّة القذّافي)،جُلب لها أشخاص يونانيون ومصريون قيل إنهم فلاسفة،ولم نتعرّف فيهم على أحد، لعلّهم طبّاخون أو سعاة التقطوا من الفنادق!


(3) الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل (1819-1891) خاض مغامرات مثيرة كبحّار ومتمرّد. ووصل به الأمر الى أن يهرب من السفينة في البحار الجنوبيّة ويلجأ الى آكلي لحوم البشر من قبيلة (تايبيس) .وبعدما حقّق نجاحا في مؤلّفاته عن مغامراته،كتب رواية (ماردي والرحلة الأبعد) وقد غاص فيها في الميتافيزيقا والمجاز والرموز – كما فعل الكوني-ولمّا لقيت فشلا ذريعا لغموضها وتعقيداتها ـ استأنف كتابة التجارب والسيرة الذاتيّة .وفي عام 1851 أنجز رائعته (موبي ديك) والتي خلّدها الممثّل العملاق جريجوري بيك في الفيلم الشهير . ورغم احتواءالرواية على فلسفة عميقة للصراع البشري والخير والشرّ،إلاّ أن الأفكار الغيبيّة التي شابتها قلّلت من انتشارها . ولم يُعترف بروعتها إلاّ عند إعادة نشرها عام 1920 .
 


libyaalmostakbal@yahoo.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع