إبراهيم الكوني والرحلة في العدميّة (6)
 
(بقلم: مخضرم)
أرشيف الكاتب

 
يأتي النقّاد "السوفييت" في مقدّمة من كتب عن الكوني في القارّة الأوربيّة. نقول السوفييت ونعني بهم روس تلك الحقبة التي انتهت الآن . والكوني بدأ واستمرّ حتى اليوم ربيبا للمؤسّسة (Establishment) القذّافيّة التي تبنّته وهو شاب يافع،فكان الوحيد(1) الذي أُرسل عام 1970 في بعثة دراسيّة بمعهد عالمي عال متخصّص في تدريس فنّ الرواية إضافة الى تاريخ وألوان الأدب الأخرى،كمعهد جوركي بموسكو . وكما يعلم الجميع فالسوفييت كانوا يبالغون لدرجة التزييف والتملّق في الإحتفاء بأبناء البلدان التي تسير في الفلك السوفييتي،أو تلك المطلوب جذبها اليه في الصراع زمن الحرب الباردة . وذلك تمشيّا مع تعليمات (الكي جي بي) ومؤسّسات الدعاية السوفييتيّة،وكان همّ المثقّفين والفنّانين الروس الحصول على رحلة خارج الستار الحديدي يتمتّعون فيها بأطايب الحياة ولو لفترة قصيرة. ومن هنا نجد –على سبيل المثال- أن من أوائل من كتب عن (المستشار بالسفارة الليبيّة) (2) إبراهيم الكوني كان الدكتور "أوليغ غيراسيموف بريسيبكين" عميد الأكاديميّة الدبلوماسيّة السوفياتيّة الذي كتب مقدّمة لمجموعة الكوني القصصيّة "قلب الصحراء الكبرى السخي" الصادرة بالروسيّة عام 1988 ،والذي تعرّف على الكوني بفندق "باب البحر" في طرابلس بمناسبة الإحتفال هناك بثورة أكتوبر البلشفيّة،وكان على مصطفى المصراتي هو من قدّمه اليه .. وعلى الأثر قام بزيارة غدامس مسقط رأس الكوني وأعطى نبذة تاريخيّة عنها وتعريفا بقومه الطوارق في مقدّمته . ومن طبيعة الأمور آنذاك أن يطعّمها الكاتب السوفييتي بمديحه وبإعجابه بقصص الكوني،لا سيّما تلك التي ورد فيها ذكر لمقاومة الإستعمار،أو قصّة البدوي الذي يكره مدينة طرابلس إذ جاءها بحثا عن العيش وهربا من القحط والجفاف في موطنه الصحاوي . فينهره شرطيّان ويعتقلانه لأنه لم ينهض عند مرور موكب الملك (وكأن موكب إدريس كموكب موسوليني قبله وموكب القذّافي بعده!)(3) . وبعد خروجه يمزّق البدوي آخر ورقة نقود كسبها من بيع آخر جملين له. وكانت الورقة متوجّة برسم الملك :"لم يكن البدوي يعلم بالطبع أنه يمزّق رأس الملك."! غير أن القراءة المدقّقة لما كتبه الناقد السوفييتي تنبيء بشيء آخر غير مجاملات مدير المعهد (الدبلوماسي) حيث يكتب مثلا :"في أكثر أعمال إبراهيم الكوني الأدبيّة يغيب العنصر الإجتماعي ويتراجع الى المقام الثاني،في حين يتقدّم ليحتلّ مكان الصدارة التحليل النفسي العميق الموجّه للإنسان وقدر الإنسان". ثم يشير الى "اعتراف" الكوني وتأثّره في قراءاته :"بنثر بوشكين ودستويفسكي وتولستوي،ولكن الكوني في أدبه لا يكرّر الأفكار الفلسفيّة والمنهج الإبداعي لأسلافه ومعلّميه العظماء،إنه يخطو في طريقه الخاص،سنده في ذلك تجربته الحياتيّة الثريّة ومعرفته بالتاريخ الماضي والإلمام بالثقافة والتصوّرات الخلقيّة للشعب . كلّ هذا ساهم في البحث في عالم الإنسان الداخلي المعقّد،قدره،تطلّعه الدائم نحو السعادة والخير" ولا يخفى هنا الذمّ الأيديولوجي المبطّن لتفكير الكوني الغيبي! ويكتب الناقد الروسي ديمتري ميكولسكي تحليلا نقديا قصيرا لرواية "نزيف الحجر" نشرها الكوني في آخر روايته. وقد ركّز التحليل وعنوانه "ياقابيل أين أخوك هابيل؟" على ملحمة الصراع بين الخير والشرّ المعروفة في الأديان التوحيديّة،وما سبّبه إرضاع الدم للطفل من نزعة شرّيرة فيه . وبما أن الناقد قرأ عن سيرة الحجّاج بن يوسف وأنه رفض عند الولادة الرضاعة من حليب الأم ،فأمر الشيطان والديه بإعطائه دم جدي (أسود) ، فشبّ على ماهو معروف عنه،لذا فهو يستخلص: "أن عامل إرضاع الدمّ للوليد في الفولكلور العربي المعاصر هو بمثابة إشارة تنبيء عن الشرّ والتعطّش للدمّ في المستقبل"! ولا ندري ما السرّ،سوى رواية الكوني، الذي جعل الناقد يطبّق ما استوحاه من قصّة الحلاّج على المجتمع العربي المعاصر والمستقبل؟ على الرغم من إشارته الى وجودها في التراث الروسي أيضا . (والغريب أن الناقد استبعد اطّلاع الكوني عليه وهو الذي درس في معهد جوركي). ولا ينسى أن يخبرنا أن في رواية الكوني : "حادثة ذات طابع خيالي،ولهذا ربّما تبدو صعبة الفهم بالنسبة للقاريء غير العربي" رغم أنه هو الذي ترجمها الى الروسيّة ! ويجيء الناقد فلاديمير غوسيف أستاذ علم الأسلوب في معهد جوركي الذي درس فيه الكوني ليكتب انطباعاته عن رواية "التبر" فيقول :"إن أدب هذا الكاتب يثير أفكارا كئيبة وبالطبع فإن هذه الأفكار ككلّ الأشياء الموهوبة والذكيّة تثير فينا أيضا البهجة،برغم أن البهجة هنا أمر غير طبيعي" ليخلص الى أن : "إعادة سرد مضمون النصوص الروائيّة هنا أمر صعب علاوة على أنه غير مفيد في مثل حالنا لأنه لن يعطي شيئا،وإذا أعطى فإن العطاء المرجو منه ضئيل."ولا يغضّ ذلك من تأثّر الناقد بصورة البسالة التي أظهرها غوما بطل الرواية،حين حوّل جثّة إبنه القتيل الى متراس ليواصل من فوقه إطلاق النار على الإيطاليين . ولكنّه يتساءل :"هل هو نص ضد أوربّا؟ بالطبع لا . وأضطرّ هنا أن أعيد التنبيه الى أن إيطاليا وفرنسا هنا هما في الطابور الخلفي،ولكن عندما نتخيّل أن الجزائر وليبيا تعرّضتا لحملات حربيّة فرنسيّة وإيطاليّة ناجحة (؟) فإن نصوص إبراهيم الكوني لا علاقة لها بالأمر. كل ما هنالك أننا هنا نرى هذا الجانب أيضا من تلك الناحية،من ذلك الجانب،فنتخيّل .. برغم أن النصّ نفسه لا يبوح لذلك باستثناء إشارات عابرة". ويتذكّر الناقد قصّة كارمين ( 4) الفتاة الغجريّة الأسبانيّة ليقارنها - دون أن يسرد قصّتها- مع "باتا" بطلة رواية الكوني التي لا تكفّ عن تدمير أنبل فتيان القبيلة الواحد تلو الآخر: "التدمير بالمعنى المباشر لا المجازي،هنا يستيقظ في الكاتب (الكوني) شكّ خفيّ قديم ديني قرآني إزاء إدانة الجنس الأنثوي" وبعد أن شرح الناقد استعمال الكوني للطوطميّة خلُص الى القول : "ثمة أشياء كثيرة يقصر الفهم المجرّد عن إدراكها،ولكنه ينهض مننفسه من داخل المناخ الروائي، راسما أمامنا ذلك العالم الصحراوي القاسي الطبيعي، وفي نفس الوقت،روحي متوتّر،زهدي،أمر في غاية الغرابة. إذ من النادر أن يصف إبراهيم الكوني الصحراء نفسها كما نحسّها،ورغم ذلك فإن نموذج السماء المفتوحة فو ق الأرض العراء المنبسط حينا،والجبلي حينا آخر،فإنها تظلّ قائمة نصب أعيننا خلال عمليّة القراءة كلها" . وهكذا يستشفّ القاريء المتمعّن في نقد الكتّاب السوفييت،كيف كان مدح الواحد منهم ضنينا بأعمال الكوني،وكيف كان القدح فيها مُضمرا..
 
***
 
على أن الأكثر قترا وشحّا في الإهتمام بالكوني – ولا نقول الإحتفاء به- جاء من جانب المتقفين الليبيين حتى من أبناء جلدته،فهو إن كان مزهوّا بطارقيّته،نجد أن أشدّ من هاجمه كانوا منهم . وعلى الرغم من قلّة عدد النقّاد الليبيين (المتخصّصين)،إلاّ أن النزر اليسير الذي قرأناه لهم لا يمكن أن يرضي نرجسيّة كاتبنا.. قرأت مرّة ملخّصا مكثّفا بعنوان (الطائر الأبيض) بجريدة (الجماهيريّة)،جمع فيه كاتبه عبد الرسول العريبي سطورا من نقّاد ليبيين،منهم عبد المطّلب الهوني الذي أخذ على الكوني أسلوب التعميم : "ضد أهل الواحة وضد التبو ممّا يؤكّد لنا أنه – أي الكوني- غير دقيق في انتقاء عباراته،هذا من ناحية ومن ناحية أخرى من السهل على أي إنسان أن يتّهم لغة غيره بأشنع التهم ،كما فعل في وصفه للغة التبو ،إلاّ أن هذا أسلوب لا يليق بكاتب مبدع". هذا من ناحية الموقف الفكري للكوني ،أمّا حيال إبداعه الروائي فالناقد يعدّه – وهو كما يُقال زميل له في التمتّع بالنعيم الجماهيري-"أحد أعظم أساطين الرواية العربيّة من حيث البناء الروائي"! ولكن العريبي من ناحيته هو يعترض على الذين ينظرون الى أعمال الكوني كجزيرة وحده في منظومة الكتابة : "وأنه يتحدّث عن واقع وعن مجتمع لا وجود له،في حين أن أديبا كبيرا مثل جابرييل جارسيا ماركيز يحوّل الواقع الى أسطورة ...وأنه بذلك يكون أقرب الينا من تهويمات الكوني في صحراء عارية من الشخوص في الواقع ومزدحمة في الأسطورة والخيال الروائي." كما لا يوافق العريبي الشاعر بالقاسم المزداوي،الذي غضب لابتعاد الكوني عن الوطن، "لأنه عاد وصار بيننا علينا أن نستمع اليه وقد صمت كلّ هذا الصمت وأن لا نقاطعه حتى إذا قال ما عنده ناقشناه بلغة النقد وبمعرفة ترقى الى مستوى أدبه الرائع الزاخر الغني." . لكن كاتبا متميزا هو أحمد الفيتوري – أقلّ ما نقوله فيه الآن أنه من غير التبّع – صوّر الكوني في مقالة تحليليّة عميقة الدلالة ودقيقة التشخيص بعنوان (بورتريه إبراهيم الكوني) راسما ملامحه وتضاريسه وحركاته وسكناته الظاهريّة وهواجسه ودهاليزه الخبيئة،عندما جاء الى بنغازي لدفن صديقه في الهجرة اللذيذة المرحوم صادق النيهوم .." لم يبد الرجل إبن الصحراء ونحن أبناء مدنها،كأنه مقرور،كأنه كائن شمالي ينكفي على جسده بحثا عن الدفء . فهل كتابته المحمومة عن الصحراء بدافع هذا البحث وقد تصحّر شماليا في العظام أكثر من أنه إبنها أصلا كطارقي ولد وعاش الجزء الأول من عمره في الصحراء الليبيّة. وحتى إن شفّ تصوّفه عن لا رغبة في الطعام ،فإن ذلك الجانب المادي الظاهر ،لم يغطّ كينونة أوربيّة تتلبّس الروح التي تتغطّى بالقليل، باللحم وبعظام ناتئة." الى أن يختم بهذه المقطوعة الحزينة ،كنهاية الحركة الرابعة والأخيرة في سيمفونيّة بيتهوفين الخامسة : "قلت في نفسي من جبال أكاكوس لجبال الألب، أي ودّان هذا متذكّرا أن ودّان روايات الكوني تنسّك في جبل واحد. غير هذا فلا بدّ في جوّانيته الصحراء أنبتت ترفاسا يقتاته . في هذا الإنشغال أخذت أقلب روايات التبر ونزيف الحجر والمجوس . أنهكتني متابعة شغل الكوني،عدت اليه فلم أجده،على رأس الجبل ثمّة عمامة زرقاء،لكن رأس الجبل رغم ذلك يبين أصلع "! وهكذا في كلمات حادّة اختزل الكوني وإنتاجه.. وآخر ما قرأته من نقد ليبي "جماليّات الرواية الليبيّة" لعبد الحكيم المالكي في عدد يناير الماضي من مجلّة "عراجين" وهي دراسة في السرديّة والصورة لدى بعض الروائيين الليبيين المعاصرين والكوني من بينهم ،لا أكثر ولا أقلّ. وتذكّرني الدراسة في جزء منها بما نشره المغربي عن "الطرح البنيوي الألسني" لدى الكوني ،فالدراستان متشابهتان تشابه الغنم علينا!
 
لقد امتعض الكوني من أن دولته لم تمنحه الجائزة إلاّ بعد عشر سنوات (وامتعاضه جاء مجازيّا على طريقته)،وفي أعماقه يدمدم غضب كظيم لأن الليبيين،لاسيّما من أبناء جيله، لم يولوه ما انتحله لنفسه من مجد وعبقريّة طبّقت الآفاق،كما قرأنا في تصريحاته الثرّة التي اندلقت منه فجأة على وسائل الإعلام العربيّة بعد صمت طويل (لاحظوا أنها ليست ليبيّة) . وعسى أن يدرك إبراهيم الكوني البلكاني،وهذا إسمه كاملا، أن أقرانه الليبيين –ونعني بهم الشرفاء الذين يمسكون بالقلم كالقابض على الجمر- لن ينسوا له موقفه الشامت المتشفّي –ونحجم عن التصريح- يوم زُجّ بكوكبة منهم في السجون عام 1979 لأنهم احترموا الكلمة وانطلقوا في رحاب الفكر الثوري الديمقراطي الحقيقي . وبينما قضوا في زنازين القذّافي ربيع عمرهم ، كان إبراهيم البلكاني ،كما دلّلت سيرته المومأ اليها،يتلذّذ بالتنقّل من ثلوج موسكو ناصعة البياض الى دفء وارسو المتجهّم ،ثمّ يعكس الآية كيفما اتّفق له . الى أن حطّ كودّانه على قمم الألب وما يزال. لقد ذهب أخيرا،وليس آخرا، الى المغرب ليتسلّم جائزة "أصيلة" وقيمتها عشرة آلاف دولار من "العرب" الذين تجمّعوا هناك ،ونسى أنه بذلك قد أهان نفسه ،إذ لم يمض على قوله إن "التكريم العربي إهانة" إلاّ بضعة أسابيع ،وإذا به يمدّ يده الى (وزير)عربي ،استغلّها فرصة ليلمّح الى أن التكريم كان حافزه سياسيّا،لعلّ التضامن الثقافي بين بلدان المغرب يرمّم الصدوع الغائرة . وإذ قال الكوني في الحفل : "إن الذين يبدعون في سبيل الجزاء الدنيوي سوف لن يبدعوا" ،فالجائزة الحقيقيّة التي حظي بها هي أنه "قُرأ وفُهم وأُحبّ" وإذ قال قبل ذلك للشرق الأوسط : إن الصحراء تحتاج الآن الى جهات عالميّة لأنقاذها (تمعّنوا في معنى هذا القول : إنقاذ الصحراء،أي الإبقاء عليها ،وليس تعمير الصحراء !) فلماذا لا يُسارع بإنشاء صندوق عالمي،يبدأ هو بالتبرّع فيه من أجل الدعوة الى حماية معشوقته الصحراء والعمل على توسيع رقعتها، حتى لا يبقى لون أخضر يعمّ المعمورة ؟! طالما أن ما تكدّس إليه من أموال طيلة ثلاثة قرون ونصف (وكلّها من خزينة الشعب الليبي،وليست من عرق جبينه أو مداد قلمه) لم يصرف منه دولارا (وليس روبيلا) واحدا، لأنقاذ طوارق الصحراء الذين يشاهد العالم على الشاشات هذه الأيّام ماتبقّى منهم (800 ألف نسمة) يتساقطون موتا من القحط والجوع .. ولم يقم ببادرة واحدة من أجل تشجيع الحركة الأدبيّة في بلاده ،بل وإنقاذ حملة القلم من أقرانه الليبيين الذين يعانون شظف العيش في "نعيم الفردوس الجماهيري" ،تماما مثلما فعل مكسيم جوركي ،عندما أشفق على أدباء روسيا فأنشأ لهم المعاهد لإنقاذهم حتى يبدعوا .. أم ماذا تعلّم إبراهيم الكوني البلكاني في معهد مكسيم جوركي؟
 
مخضرم 
 
الحلقة القادمة والأخيرة ستكون (كما وعد كاتب هذه السلسلة) ترجمة كاملة ونصيّة لما كتبته الصحافة السويسريّة من تقييم لأعمال الكوني، يوم تسلّم جائزته في مسرح المجزرة بمدينة بيرن.
 

(1) أذكر أنني التقيت في طرابلس عام 1976 (إن لم تخنّي الذاكرة) الأديب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه،بعد مقابلته لعلي التريكي أمين الخارجيّة آنذاك حيث توسّل اليه كي يساعده للبقاء والدراسة في لندن – من خلال وظيفة ثقافيّة في السفارة الليبيّة،هناك إستدلالا بما حظي به الكوني- ولكن التريكي رفض بعتوّ وغطرسة . ولقد عاتبت وقتها أحمد إبراهيم على تذلّله أمام شخص كالتريكي .
 
(2) كما هو معروف تولّى إبراهيم الكوني وظيفة مراسل وكالة ألأنباء الليبيّة بموسكو عام 1975 ،والذي لا يقتصر على المراسلة الصحفيّة العاديّة. وبعد إقامة طويلة بوارسو (مستشارا منذ 1978ولمدّة عشر سنوات) عاد بعدها عام 1987 مستشار بالسفارة بموسكو حتى عام 1992 ،وفي كلا العاصمتين تولّى تسيير جمعيّة الصداقة بين ليبيا والبلدين،وما أدراك ما جمعيّة الصداقة لدولة نفطيّة (حليفة) ،ومدى النفوذ (السياحي) الذي يتمتّع به مثل هذا الأمين !
 
(3) تتعدّد مثل هذه اللمسات المشينة والمختلقة من قبل الكوني في رواياته،ضدّ دولة الملك إدريس السنوسي،كما سبق لنا توضيح ذلك في الدراسة،فهو في قصّة (المعتقلات) من مجموعته (القفص) يصف كيف شيّد الحاكم التركي معتقلاّ في الصحراء على هيئة قلعة،لقمع العصاة، تطبيقا لحكمة أناضوليّة تقول بأن يبني الحاكم المعتقل قبل قصره حتى يستطيع أن يهنأ فيه! وعندما تمرّد العصاة عليه قام بالسكنى فيه مع حاشيته . ولمّا جاء الإيطاليّون طبّقوا فلسفتهم الرومانيّة الأقدم التي تعتبر أن القلاع هي لسكنى الحكّام لأنها تقرّبهم الى مقام الآلهة ،ولا يجوز أن يقاسمهم فيها الخصوم،فنزلوا بالسجناء الى العراء المحروق بالشمس .غير أن "الرحّل طينة فريدة من البشر لايهمّها أن تودع في زنزانة داخل قلعة،أو تحشر في في جدران معتقل وراء قضبان الحديد،طالما بوسع السجين أن يتمتّع بالسراب والشمس والعراء،إنهم أحرار طلقاء طالما تمكّنوا من مشاهدة معشوقتهم الأبديّة الصحراء! ولكن عندما جاء الملك "كان أوّل من اخترع الأسلاك الشائكة.نشرها في كتل كئيية على طول السور ونصّب عسسا على رأس كلّ ربوة،ممّا ضاعف من شقاء السجناء فازدادت بينهم الوفيّات الخفيّة". وعلى القرّاء الليبيين الذين يعرفون حقيقة تاريخهم أن يروا الى أي حدّ وصل التزييف والبهتان بالكاتب، فيجعل قمع الأتراك فالإيطاليين فالفرنسيين للسجناء الليبيين (السياسيين العصاة) وليسوا حتى المجرمين العاديين،أهون في عهودهم،من عهد إدريس السنوسي الذي لم يُسجن فيه سياسيّ واحد في صحراء الكوني!وليلاحظ القاريء أيضا هذه الشطحات بالرضا والإستكانة داخل الزنزانة لمجرّد رؤية المعشوقة الصحراء !
 
(4) (كارمين) هي أوبرا جورج بيزيه المعروفة 1855)) المقتبسة عن قصّة (ميريميي) وتحكي كيف أوقعت في حبّها الضابط (دون خوزيه) الذي هرّبها من الأسر لأنها طعنت غريمة لها، وتقنعه بالإنخراط في عصبة من المهرّبين الغجر،ولكنّها تهجره بعد ذلك لتغرم بمصارع الثيران (أيسكاميلو) فيحقد عليها دون خوزيه ويقتلها انتقاما.
 
راجع:
 

الحلقة الأولى  

●  الحلقة الثانية   

●  الحلقة الثالثة   

●  الحلقة الرابعة   

●  الحلقة الخامسة   

●  الحلقة السادسة   

الحلقة السابعة والأخيرة