
بقلم: مخضرم
الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة والأخيرة
|
رحلة الكوني في العدميّة (الحلقة السابعة والأخيرة)
وأخيرا نختم بما وعدنا به ،فننشر ترجمة كاملة ونصيّة لما كتبته الصحافة السويسريّة من تقييم لأعمال الكوني، يوم تسلّم جائزته في مسرح المجزرة بمدينة بيرن . ولسنا في حاجة الى مزيد من التفسير لما جاء في تضاعيفها،لأنه ترديد لما تحدّثنا عنه في هذا التحليل المطوّل. ولا ندري عن تقييمات أخرى في الصحف الأوربيّة أو الأمريكيّة،فليقم هو وأعضاده (باللغة التونسيّة) من المترجمين بهذه المهمّة!
الصحراء - واحة للأبديّة - جريدة (دير بوند) 20/4/2005
"السؤال هو: كيف يُعجب أناس مثلك ومثلي،من الذين ترعرعوا في وسطِ تشرّب المسيحيّة،وربّما وبصورة أقوى تشكّلوا بعصر التنوير، كيف يُعجبون بشعر من النوع الذي أبدعه الليبي التارقي إبراهيم الكوني ،بل أكثر من ذلك كيف يسعى المرء الى الغوص في هذا الكوكب من الإبداع المغاير تماما؟ في مجتمع إنساني يعتبر من المقبول والمشروع أن يشتمل على سادة وعبيد (سادة عرب أو بربر، وعبيد سود)؛وأيضا وسط شراذم،يشعر الرجل بينها أن ارتباطه بناقته أهمّ وأوثق من ارتباطه بالمرأة؛وحيث النساء بصفة عامة – مالم يكنّ أمهّات أو جدّات –يُلحقن آخر الأمر الضرر بأزواجهن عندما ينحرف هؤلاء عن الطريق المفضي للزهد والتنسّك،وفي مجتمع قبلي ينتمي اليه أيضا الجن والعفاريت وبنو آدم،لا يتمكّن المرء من التمييز بينهم ،هل هم وعول بريّة (ودّان) مقوّسة القرون أم بشر أم كلاهما في جوف واحد ؟ فمن أين إذن جاء هذا الإفتتان؟ هل هو من قبيل التهيّج الذي يثيره الولع بالغريب الشاذ،أم هو شعور سويّ سليم ؟
الصحراء : كمجاز وحقيقة : - لقد منح إبراهيم الكوني صحراء شمالي افريقيا وجها وصوتا، لم تعهدهما من قبل،وعرض في الصحراء الرحّل –وليس المستقرّين- كمخلوقات غالبا ما يكونون محتاجين ،ودوما على وشك الهلاك ،عُرضة للغواية واليأس،مجبرين في الوقت نفسه على التطلّع لكي يشخصوا بأبصارهم الى السماء اللامتناهية والى جلال القوى الأبديّة .. فالإنسان،هذا المترحّل الذي لا يهدأ حتى الموت،وليس ذلك المستقر،عليه البحث عن طريقه، وإلاّ هلك لأنه من الرحّل . الصحراء هي عنصر الكوني للحياة،كما هي بالنسبة له رمزها . إنها كما تعلّم كتبه محسوسة موحى بها،واقع معاش لامهرب منه للمخيّلة،إنها بحر من الرمال والحجر،من القيظ والجفاف،العوز والكفاح من أجل العيش . ولكنها بالنسبة له أيضا مكان لتوليد المجاز،وهكذا فهي مكان للتديّن حيث ينتصب الإنسان منفضحا بكامل وجوديّته،وحيث يختفي اللامدرك – ومعه تتاح الحريّة الأخيرة في منتهاها .. وفي خطاب ألقاه إبراهيم الكوني يوم 21 أغسطس 1996 –بمناسبة منحه جائزة الكتاب لمدينة بيرن،عبّر عن الموضوع هكذا (حسب ترجمة هارتموت فيندريش) :"ليست الصحراء هنا مرادفة للعدم في عالم لا يوجد فيه إلاّ العدم (!) وهي ليست العدم،وأخيرا وفي النهاية،هي مرادفة للحريّة الحقيقيّة (!) ألم نتمكّن من أن نكتشف ،فيما قبل التاريخ ،أن الحريّة الحقيقيّة لا توجد إلاّ في الموت (؟) أليست صحرائي،وفقا لهذا المقياس،أرضا للبشارة(؟)" . يحتاج الأمر الى الإستشهاد بعشرات الصفحات من كتب الكوني للتدليل على توسّع الأبعاد الميتافيزيقيّة لحقيقة الصحراء المعاشة والقابلة للعيش فيها، وكيف أن الإنسان،الرجل على وجه التخصيص،يتلهّف لبلوغ الفردوس النائي،حين يتخلّى عن الشهوة والملكيّة . وثمّة مثال آخر : في قصّته (بيت في الدنيا وبيت في الحنين) التي يرتبط فيها التطلّع الى الحياة مع الإخفاق - حين يحاول المرء أن يقارن بينها وبين "فاوست" لجوته – نجد الكوني يُنطق أحد الحكماء ليقول :"نحن نتجوّل في صحرائنا،ليس من أجل البحث عن الرزق،أو من أجل المطر،أو من اجل البحث عن الحياة،مثلما يعتقد الحمقى الجهلة، بل إننا نتجوّل من أجل أن نتفوّق على أنفسنا،وعبر أنفسنا،نحن نتجوّل لنتحرّر من أنفسنا،بل لنتمكّن من التحرّر أولا من اليوم،وأن يستلقي القبر في طريقنا."(!) ومثل هذه الملاحظات والأفكار المتطرّفة الجديرة بالتدبّر،هي في كلّ الأحوال،التي تجعل القاريء يستذكر هذا الشعر ويستهويه.
الشرق والغرب: هل هذه الصفات التي ذكرناها عائدة تماما الى شخصيّة المؤلّف ذي السبع والخمسين عاما،أم هي مستمدّة من جذوره في ديانته –وهي تارة إسلاميّة وتارة أخرى تدور في فلك "الأرواحيّة"(1) ومستقاة من التجارب الحياتيّة للطوارق؟ وفي حوار جرى معه حول ملحمته الكبيرة (المجوس) أكّد الكوني جميع ما احتوته الرواية،بما في ذلك تصوّره للقيمة،وأنه تصوّر أصيل دون أدنى شكّ. ومن ناحية أخرى يتراءى شعره رقيقا وخصوصيّا مستخرجا من كلّ الأزمنة . وفي كتب الكوني ليس هناك عربات (جيب) و(لاندروفر) تجوب الصحراء ،ولا تخرق الطائرات السماء ،ولا يتردّد صوت الراديو – فبالنسبة له تبقى الصحراء واحة الأبديّة . فهل لهذا السبب يوصف بالغريب في العالم ،وأنه الوحيد تماما في تقاليد الطوارق؟ بالتأكيد كلاّ . فليست نشأته فقط التي حملته من ليبيا الى موسكو الى وارسو وأخيرا الى (هونيباخ) بسويسرا هي التي تقول غير ذلك . ولا أقلّ من ذكرأعمال هوميروس كمؤشّر لرواية (المجوس) ،لتشهد على اطّلاع الكوني الواسع واعتماده الراسخ على الثقافات الأخرى، وبالذات الأوربيّة . وثمّة ما يدلّ على هذا في الإقتباسات التي يقدّم بها فصوله المتفرّقة ،كأقوال أيريش فرومّ وتوماس مان وكلود ليفي شتراوس،وكذلك كلمات من الإنجيل في الإصحاح الجديد والقديم . فعالم الفكر من الشرق ومن الغرب حاضر في أعمال إبراهيم الكوني . وعودة الى الأسئلة المطروحة، فالسحر والتلامس المكثّف هما اللذان أحدثا الدروس المستفادة من كتب الكوني ولهما علاقة بهذه الإزدواجيّة : هنا الصحراء "قاحلة مثل الفناء"،وهنا نشدان حيويّة الفكر والروح،أينما ومتى انطلقت،وهي ترتبط مع بعضها البعض لتشكّل ما يوصف باالمجال القوي المترع بالشعر."
إضافة :
مُنح الكوني جائزة مدينة بيرن الأولى عن روايته "نزيف الحجر" ،ثمّ جائزة الكتاب في بيرن عن رواية "المجوس" عام 2001 وقيمتها 3500 أيورو!،وأخيرا الجائزة الأخيرة عن مُجمل أعماله المترجمة الى الألمانيّة. وهي من إصدار دار نشر "لينوس" السويسريّة بمدينة بازل : "نزيف الحجر" 1995 -"التبر" 1997 – "عشب الليل" 1999 – "المجوس" 2001 – "بيت في الدنيا وبيت في الحنين" 2003 – "عين لا تنام" و "الحكماء" 2001 – "الربّة الحجريّة" و "الوقائع المفقودة من سيرة المجوس" 2004 .
رحلة الكوني في العدميّة (6) عندما تتحد السماء مع الأرض - صحيفة (بيرنير تزايتونج) 20/4/2005
((بدأ إبراهيم الكوني سرد تاريخ حياته بالقول :"لقد وُلدت عام 1948 في الطرف شمالي غرب تلك الصحراء التي نسمّيها الحمادة الحمراء،وترعرعت كأي تارقي آخر في الصحراء الرحبة ،في ذلك الفراغ الهائل المتوغّل عمقا بلا نهاية الى أن يلامس الأفق،الذي يلتقي دائما بالسماء الصافية (؟)(2) وجميعها تكوّن جسما فريدا مشتركا بينها .". هكذا بدأ الكوني يخبر عن حياته بالأسلوب الخاص الذي يتّسم به في الحديث:ألا وهو عدم التمسّك بنقل الوقائع كما هي ،بل كل كلمة تنبيء على الفور عن معنى رمزي . وهو أسلوب تتجلّى به وحدة السماء مع الأرض،مما يفسّر لنا وحدة كينونته .)) ثمّ تذكر الجريدة نفس الإنطباع عن الكوني كما وصفته التعليقات السالفة : ((أي كون الصحراء في مفهومه ليست مجرّد منطقة خالية من النبت،مع وجود ربّما ماء هنا وهناك،ولكن وجودا مؤكّدا للحصى والطين والرمل والغبار.. وبالنسبة له فالصحراء مملكة للرمز. إنها فضاء كلّ شيء معلّق فيه مجازي،كل نبتة كلّ حيوان كلّ ذرّة تراب كلّ صخرة تدلّ عليه . )) ثمّ تقتبس قوله "المرء لا يذهب الى الصحراء من أجل أن يري رمالا عارية قاسية أو مساحات صخريّة ،إنما من أجل أن يعيش هذه الأعجوبة،إنه يذهب لكي يرى نفسه في وضعها الأصلي....الخ" ثم أردف كاتب المقال ((بيد أنه كان على إبراهيم الكوني – حتى تبلغ هذه الصحراء عقر داره وعالم رواياته- أن يرتحل ويسافر بعيدا منذ عشرات السنين. بمجرّد بلوغه العشرين سنة من العمر. ذهب الى وارسو كصحفي ،وبعدها درس في معهد جوركي بموسكو ،وبذلك فالأدب والفلسفة كانت سهلة المنال أمامه بالروسيّة ،بما في ذلك جزؤها الألماني : إذا أنه قرأ بلغة تولستوي ودوستوفسكي كلا من توماس مان هيجل،جوته وكانت،سيجموند فرويد وجنتر جراس" . وبعد أن أشار الى محطّات الكوني الأوربيّة حتى حطّ على قمّة الجبل الذي يشرف على بحيرة (تونير) في سويسرا،نقل على لسانه أنه "بحث – من خلال حياة الوحدة في الصحراء- عن الصوفيّة الإسلاميّة كسلام للروح والتنسّك في جميع الأزمنة " ثمّ تساءل كاتب المقال :أمّا أنه وجد السلام الروحي حقيقة فهذه مسألة أخرى. ليضيف :"تتميّز أعمال الكوني بعنصرين : فمن ناحية التأثّر القوي بالفلسفة ،والتأمّل في الأساسي والأخير – معنى الإنسان والوضع بين المرئي واللامرئي . ومن ناحية أخرى تلعب طبعا المشاهد دورا في إثارة الأعجاب بأعمال الكوني لانطباعها بالصحرء والمواقع التقليديّة." وأخير ينقل عن الكوني قوله إن بعد المسافة التي تفصله عن الصحراء لا يشكّل أية مشكلة لإنتاجه :"لأن الكاتب يبدع من خلال التصوّر ،وليس بكل بساطة من خلال الرؤية،وأنه لا يعالج ما يراه بل على العكس ما لايراه . الكاتب يبدع في الواقع وهو مغمض العينين" وحرص كاتب التعليق على أن ينهي بهذه الجملة :((لقد قال الكوني هذا وهو يتأمّل مرتفعات بيرن وفوق وديانها . فالجبال بالنسبة له هي أيضا رموز للإتصال بين الأرض والسماء))!
عندما ينعدم الإختيار - بقلم لوسي ماشاك - جريدة (بيرنير تزايتونج) 20/4/2005
((يحقّ التساؤل : لأي سبب يحصل إبراهيم الكوني- المؤلّف الذي يعيش في بلدة جولديفيل والذي يكتب بالعربيّة- على جائزة بيرن الأدبيّة؟ لقد توقّف أمام هذا التساؤل عضو المجلس الإستشاري للقضاء كريستوف مورجيل . وكان ردّ فعله الطعن في "رحابة صدر المؤسّسة الثقافيّة السويسريّة" . وهنا فاته توسيم الكوني بهذه الجائزة باسم مدينة بيرن . غير أنه،ومن ناحية أخرى،حين إلقاء النظر فيما وراء قضاء بيرن،تطرح المسألة الأساسيّة نفسها وهي: من المقبول ،وقت الضرورة،إيجاد مرشّح لنيل جائزة الكتاب السنويّة . فعلى الرغم من أن الحقل الأدبي لبيرن مثمر،إلاّ أنه من الصغر بما لا يسمح بالعثور على من يستحقّ التقييم . والخطر يزداد إذا ما اعتبر كلّ أدباء بيرن جديرين بالجائزة ،ومع هذا تحتوي قائمة من مُنحوا إيّاها على الذين نالوها مرّتين، مثل (لوكاس بيرفوس) و (رفائيل أوفايدير) . أمّا (ماتياس تشوكّا) فقد نالها ثلاث مرّات!.ويبقى السؤال : هل كلّ من نال الجائزة كان جديرا بها دائما؟ لقد لاحظ المحكمّون في (لجنة أيشليمان- كورتي للمنح)،أنه في هذه السنة وبسبب قلّة المرشّحين للجائزة،لم تمنح إلاّ ثلثي المبلغ المخصّص ورُحّل الباقي لأوقات أحسن. ولهذا تسنّى للجان التقييم الأدبيّة أيضا أن تمارس هذه الفضيلة!))
مخضرم
(1) الإعتقاد بأن مظاهر الحياة الحيوانيّة ناتجة عن قوّة نفسانيّة أو روحانيّة تميّزها عن الجماد .(ولعلّه هنا يقصد الطوطميّة التي اعتقها الكوني في سرده الروائي). كما تعني أن للكون ومظاهر الطبيعة قوى روحيّة كامنة فيها.
(2) وتقول الفقرة بالنصّ العربي :"إذ مضى يتمدّد يتوالد ويتوالد حتى تواصل في قوس الأفق لم يتوقّف في المياحة القاسية التي تضيع برزخا خفيّا يقيم بين السماء والصحراء ولكنه مضى يتمدّد في القوس البكرولكن شبحا عنيدا سبق إله الضياء،وحلّ في المسافة البعيدة القاسية."(خريف الدرويش)
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()