الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

05/04/05



 خطر الانتهازيين
 

قد يتغاضى الإنسان عن بعض الظواهر السطحية المكشوفة التي يلاحظها هنا وهناك، وقد لا يعطي بالا لبعض كلمات لا قيمة لها ولا أهلية لكاتبيها، أو تصريحات سقيمة لإمعة دُفع به أو دُفع له.

لكن لا يسع الإنسان إلا أن ينتفض حين يرى الانتهازيين والمنافقين والأفاكين وقد تلفعوا بسماجة بأثواب الوطنية ، يهمشون هذا ويحقرون ذاك، ويبيعون هنا ويساومون هناك، وحين يطالع كتاباتهم الممجوجة والباهتة وقد تسربلت على ركاكتها بعبارات الموضوعية والحكمة، قد يلومني البعض على مثل هذه الكتابات ويرى في هذا المقال لحنا نشازا أو مجرد تهافت لمنازلة الانتهازيين والأفاكين، والانحدار إلى أوكارهم سرعان ما أختنق وتُحبس أنفاسي من سمومهم وروائحهم النتنة، ولكني ومع احترامي لرأي هؤلاء الأخوة والأخوات الذين سموا بأنفسهم عن النزول إلى مستوى هؤلاء الأفاكين، فاليسمحوا لي أن أخالفهم الرأي، لأن التاريخ والتجربة علماني أن الكثير من مشاكلنا إنما هي نتاج الطيبة البلهاء، والإهمال القاتل، وسوء التقدير والترفع الساذج الذي أتاح للإقصائيين إخراجنا من دائرة الزمن والفعل، وشجع الأفاكين والانتهازيين الأبواق على التجرؤ على تشويه تاريخنا ( النظالى ) من ( 1969 ) حتى اليوم ورجمنا بعبارات فجاعية على ما نحن فيه من فاجعة إمعانا منهم في فجعنا .

ثم إنني مؤمن أشد الإيمان بالمسؤلية التي تقع علي عاتقنا تجاه أجيالنا فهذه المسؤلية تحتم علينا تبصير أبنائنا بهذه الآفات وانعكاساتها المدمرة، فكما نعلمهم سيرة (عمر المختار و الفضيل واحمد الشريف ) كمثال على الصدق والوفاء والتضحية ونكران الذات، كذلك علينا أن نبصرهم بنقيض هؤلاء كـ ( ؟ ) ومن على شاكلته كمثال على الأنانية والروح المصلحية، والكذب والغدر، وإنما تعرف الأشياء بأضدادها.علينا أن نضرب المثل لمن قُدر له أن يرفع القلم من أبنائنا، لنقول له أن قدرك الذي ورثته هو أن تفرح دائما بقلمك، وتحزن وتضحك بقلمك، وتبكي بقلمك، وتحب وتكره بقلمك، لأن قلمك دليل على ما في قلبك وعاطفتك وروحك الخلاقة، وإياك إياك أن تأكل بقلمك، أترضى أن تأكل أختك بثدييها ؟! الأكل بالقلم يا ابني مهنة الانتهازيين الأفاكين أمثال ( ؟ ) ، وكل ميسر لما خلق له، أما قدرك يا ابني أن يهتم قلمك بالمصلحة العامة، وأن تدافع به عن حرية شعبك وحقوقهم بصدق، وأن تتمسك من خلاله بكرامتك وكرامتهم بشجاعة. الانتهازية يا ابني أسلوب الضعفاء، وسبيل الدخلاء، ومن علاماته يا ابني أنك دائما تجده أسير الفرج والحلق، وإياك ومجالسته فإنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو يؤذيك بروائحه النتنة، وإذا أردت النقد فعليك بالنقد البناء، لأن النقد البناء يا ابني نوع من أنواع الحوار، وتبا للقلم عندما يتحلل من أمانة الكلمة، ولا يبالي بشرف الرسالة فينعق بما لا يعرف، أو ينساق وراء الاتهامات جزافا، أو ينحدر وراء الشتائم عجزا .

إن قراءة عابرة لواقع الشعب الليبى ، تعكس بجلاء مدى معانات الشعب من هذه العناصر على مر التاريخ ، فقد كان قدر هذا الشعب الطيب أن يحارب من عدة جهات وجبهات، كان عليه أن يحارب أعداء القيم والمثل ومن لف لفهم من الذين لا يرون فيها إلا تحطيماً لنزواتهم الأنانية واهوائهم الشيطانية، ومن عناصر المجتمع التي لمّا تتغلغل ثقافة التعارف والتآخي والحوار والاعتراف بالآخر في نفوسهم، والإيمان بالمثل العليا التي تحث عليها الرسالات السماوية إلى قلوبهم ، وإنما كان انتماء فريق منهم للمشروع الوطني ومبادئه التعايشية لضربه من الداخل بخنجر مسموم، وكان انتماء الفريق الآخر للوطن والعقيدة ضعيفاً واهناً أوهن من بيت العنكبوت يتزعزع عند أول امتحان، ويتلاشى مع القليل من الفتات، وفي نفس الوقت كان من قدر هذا المجتمع الطيب أن يقاتل أعداءه الغزاة الذين يتربصون به الدوائر لمحوه من الخريطة أو تذويبه ضمن الثقافة والحضارة الغازيتين. ولا شك أن الأعداء الداخليين أصحاب المشروع الإقصائي أعداء التعايش وأبواقهم الانتهازيين المنافقين كانوا ولا زالوا الأشد خطرا على مستقبل التعايش الليبى من كل خطر خارجي مهما تعاظم هذا الخطر.

وهكذا فإن هذه العناصر الانتهازية كانت ولا زالت تشكل الخطر الماحق على المشروع الوطنى الليبى وعقبة كأداء أمام مسيرة الشعب في طريق خلاصه وانعتاقه وبالتالي رقيه وتعاليه بل وأدت هذه الممارسات الضيقة الأفق إلى أن تهوي بالشعب بكل شرائحه وما يمتلكه من قيم ومثل وانجازات ضخمة وعظيمة وتاريخ حافل بالبطولات والتضحية إلى هوّة سحيقة لا يعرف مداها إلا الله.


ومن هنا كان لابد من فضح هذه العناصر الجرثومية التي تشوه المناضلين من المعارضه وهذه العناصر كانت فى خندق واحد فى يوما ما مع المناضلين وتتلاعب بمقدراتهم وانجازاتهم وتزرع ثقافة تبريرية لممارساتها النفعية في اوساطهم حتى لا تصير الوصولية والانتهازية من الآفات التي تنخر في أوصال مجتمعنا وأسسه ومعولاً هداماً ينقض على قيمنا ومبادئنا.

والانتهازية في مفهومها الاصطلاحي التى نعنيها هي اغتنام الفرصة واستثمارها من أجل أهداف شيطانية أو منطلقات محدودة ضيقة الأفق لا تخرج عن إطار المنفعة الذاتية القصيرة الأمد ، أما الانتهازية بمعنى اغتنام الفرص لأهداف سامية ومثل عليا يكافح الإنسان في سبيل تحقيقها ويضحي بالغالي والنفيس على مذبحها فهي عملاً مشروعاً بل واجباً.

فالانتهازية بمفهومها السلبي في الظاهر والمضمون هي داء عضال تعاني منه الأمم والشعوب ويؤدى إذا لم تقتلعه من جذوره إلى انهيارها فهو مرض اجتماعي خطير يسري بين شرائح المجتمع سريان النار في الهشيم ويتحول المجتمع تحت تأثيره إلى مجاميع من الانتهازيين النفعيين الذين يفرطون بكل شيء من أجل تحقيق مآربهم الخاصة ومنافعهم التافهة ويعطونها الاولوية على كل ما يمس القيم والمبادئ، ونتيجة لذلك تتغير مفاهيمها ومدلولاتها بنقائضها كافراز طبيعي لممارسات هؤلاء فيصبح الحق باطلاً والشرف وضاعة والتدين تخلفا والعفة بلاهة والمطالبة بالحقوق عمالة ..الخ.

ولا يخفى أن الانتهازية والنفاق وجهان لعملة واحدة فالانتهازي يضمر من وراء تظاهره بالصلاح أو التملق مصلحته الذاتية غير المشروعة والإبقاء عليها بإتباعه أساليب تتلون بألوانها وتتفصل على مقاساتها. كذالك المنافق يخفي في نفاقه ألواناً من التآمر والأفكار المنحرفة في منهجية مدروسة ويتغلغل بين صفوف المبدئيين والمخلصين مظهراً ولائه وايمانه متحيناً للفرص من اجل القضاء على المشروع وقيمه ومبادئه وكيانه القائم.

وهكذا فإن أهل المصالح والمنافع الآنية هم المنافقون والانتهازيون الذين يبيعون كل شيء. وفي مقابلهم رجال المبادئ الراسخة يرفضون الباطل بكل وجودهم ويصرون على الحق ولو كان الثمن أرواحهم، وكم منهم من قضى نحبه على مذبحه وكم منهم اليوم ما هو شريد طريد، وخائف مقموع، وساكت مكلوم، وداع مخلص، وثكلان موجع.

ومن سمات الانتهازي الكذب على نفسه وعلى المجتمع وعلى الله، إذ نجد الكذب قد استشرى في وجود الانتهازي فاحاطه وتغلغل في كل خلاياه لا يجد منه مهرباً فاصبح جزءاً من ذاته لا يعرف بغيره.

وبما أن الكذب رأس كل الخطايا فإن سائر الصفات السلبية الأخرى التي نراها في سلوك الانتهازيين المنافقين إنما هي نتاج طبيعي لصفة الكذب التي تستولي على كيان وروح الانتهازيين المنافقين.

ومن تلك الصفات الغدر الذي يعتبره الانتهازيون كيسا وذكاء وشطارة، مزيفين بذلك الحق لينسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة والتدبير الجيد، وهي قراءة للمفاهيم والقيم بصورة مقلوبة، وهذا هو مركز الخطر الحقيقي الذي تزرعه الروح الانتهازية في المجتمع ومنها تنشأ جميع السلبيات والمفاهيم المشوهة التي يصبح معها المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

ومن صفاتهم الكثيرة التخاذل، والاحتيال، والذلة، والجبن، والخوف على الحياة ولذائذها، وسلاطة اللسان.

هؤلاء هم الانتهازيون وتلك بعضا من نماذجهم وصفاتهم وسلوكياتهم التي تشكل خطرا داهما على المجتمع وفي جميع الأصعدة .

اللهم ألهمنا الصبر والصواب، ومحبة الخلق، وعشق الحق، وكره الظلم والظالمين، والاستبداد والمستبدين، والنفاق والمنافقين،والإفك والأفاكين، والانتهازية والانتهازيين. آمين والله من وراء القصد ............

اسماعيل سالم

libya_asd@hotmail.info

 

 

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.