الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

17/04/05


 

 

مأزقنا السياسي


القوة، الحديد والنار، أو النضال السياسي، أي منهما قد يوصل طرفاً ما إلى سدة الحكم، ولكن ماذا بعد؟ لا أحد يعترض بأن الوصول إلى السلطة ليس بهدف في ذاته، بل الهدف هو إقامت وتطبيق مشروعاً إجتماعياً، وإقتصادياً، وسياسياً متزناً، على اساساً من المواطنة والعدل بين بني البشر، وليس فقط الدفاع عن طرف واحد، أو فئة من الفئات داخل مجتمع ما، وإلاّ فسيستمر الدفاع عن الحقوق، فلا أحد يقبل بالظلم.

الناظر، والمتابع للسياسة العالمية والإقليمية، يجد، من دون كبير عناء، إن الذين يستمرون في الحكم والسلطة، لأطول فترة من الزمن – وذلك ضرورياً لتطبيق أي مشروع بأطرافه الثلاثة- هي تلك الأحزاب والجماعات التي تحمل فكراً واضحاً، أياً كان نوع هذا الفكر، يسارياً متطرفاً ملحداً، أو قومياً عنصرياً (لا يقيم للآخرين وزناً إجتماعياً أو سياسياً إلاّ قليلاً من المجاملة)، أو حركةً تحمل فكراً إسلامية معتدلاً يستنير بالتراث، ويتفاعل مع الحاضر، ويستشرق المستقبل، أو تحالفاً وطنياً ديقراطياً عريضاً يجمع بين دفتيه كل ألوان الطيف السياسي، ويستنبط أفكاره وسياساته من ثقافة الشعب وعاداته لضمان الإستقرار السياسي والعدل الإجتماعي، والتنمية الإقتصادية المستديمة.

فالوضوح في الفكر من أهم أسباب النجاح والإستمرار عند تطبيق أي مشروع سياسي،و إجتماعي،و إقتصادي.

من هنا، فليست العلمانية – مثلاً- فكراً أو مدرسةً، ففي أحسن الفروض تبقى حلاً سياسياً لا يقيم للقيم الثقافية والدينية وزناً، بل يستنكرها ولا يؤمن بها إطلاقاً، هذه هي مشكلة الحل العلماني، فهي تريد الإنسان المنتج والمادي المجرد من كل عقيدة ودين، فأكثر الذين يؤمنون بهذا الحل هم أولئك الذين نهلو من المدرسة الغربية وتأثرو بها. فالمجتمعات الغربية، وخاصة الفرنسية، مجتمعات تمردت على السلطة الدينية لأسباب واقعية، ولو لا ذلك التمرد لمازالت تلك البلدان قابعة في عصورها الظلامية. ولكن من قال أن ثقافتنا وديننا لا يقبل العصرنة والتكنلوجية والتقدم العلمي، فما نملكه منهج متكامل يقر ويشجع الثورة العلمية الحديثة مع قليل من التهذيب والتوجيه؛ فهل نحن في حوجة للإعتراض على خيار المجتمع؟ فحل كهذا، من الصعوبة بمكان أن يعبيء ويفّعل الشباب المثقف الذي أصبح فاهماً لمايدور حوله، فلا أحد –أبداً – يرضى أن يعطي من ماله ووقته، وحتى نفسه – وهي أغلى ما يملك الفرد- لطرح مبتور يتعارض مع ثقافته، ويكون حامياً لعدو يتربس به ليلاً ونهارً. فالعلمانية تعتبر الدين عملاً فردياً يخص الفرد ولا دخل للدولة به، ويعتقد دعاة العلمانية أن الأرض للجميع والدين لله. ويرى هؤلاء العلمانيون أحقية المسلم في تطبيق الأحوال الشخصية من شرع ربه فقط، مثل الميراث وأمور الزواج. والقارئ لكتابات المنتمين لهذا الاتجاه يراهم يتدخلون حتى في عقائد المسلمين، فبعضهم مثلاً يشكك حتى في قدسية القرآن، وأنه من عند الله، فيعتبرونه فكراً بشرياً!

أما ما كان يسمى بالشيوعية، ربما كانت فكراً بشرياً، نشأ في بيئة فقيرة حسداً للأغنياء، وإعتراضاً على الليبرالية الرأسمالية الجشعة الظالمة التي تسحق الفقير فتزيده فقراً، وتعفوا الأغنياء من دفع الضرائب ليزدادوا ضخامةً. فأغلب الذين التفوا حولها كانوا من الذين دكتهم الليبرالية الغربية القائمة على الأنانية، وتبعها من العالم الشرقي الفئات الفقيرة، ومن لم تمكنهم الظروف من النهل من العلوم الدينية التهذيبية، التي تعتبر ضرورية للناشئ في بدايات حياته. وكحالة طبيعية، إنهارت تلك المدرسة المعوجة، والتي كانت تتعارض مع أبسط حاجيات الإنسان السوي، وهو الدين، ولأنها أعلنت الحرب ضد الإله في السماء، فحلت عليهم اللعنة، ورجمتهم السماء ولم تبكي عليهم. ولكني أرى بعضهم ينفض الغبار عنه هذه الأيام، فلا نستبعد أبداً أن تستعملهم بعض الجهات في ضرب الصحوة الإسلامية المتنامية في أنحاء العالم الإسلامي، والتي وصلت إلى مستوى النضج السياسي.

وظهرت الأطروحات القومية، فسمعنا ورأى بعضنا قومية جمال عبد الناصر التي إنهزمت أمام أصغر مجتمع، مجتمع إسرائيل. ثم انهزم أخيراً حزب البعث العربي الصدامي في العراق.

وحاولت بعض الجماعات ذات الطرح الإسلامي تطبيق المشروع الإسلامي ولم تفلح، ليس لأن الفكر الذي يحملون ناقصاً أو معوجاً، كلا ولكن لعدم إختيار الزمان والمكان المناسبين.

فحاول أهل الجزائر أن يقيموا دولة الإسلام، لا من على رأس الدبابة، ولكن من خلال صناديق الإقتراع فلم يعجب أهل الشر ذلك النجاح، فأجهدوها قبل الميلاد، وأقام أهل السودان دولة لهم، ولكنهم لم يسلموا من المآمرة، وكذلك نجح نجم الدين أربكان في الفوز على الأحزاب العلمانية ولكن اسقطوه عنوةً!

واقعنا الليبى:

وإذا قمنا بزيارة سريعة لواقعنا الليبى سنجد أنفسنا أننا نعيش في مأزقاً سياسياً عميقاً. من بين تلك الأفكار، مدرسة (نحن وأهدافنا) القومية الضيقة النظرة، ورغم تعارضها مع أبسط المبادئ الوطنية تفوقت لإتضاح الفكرة لحامليها ومعتنقيها، والأهم من ذلك أنها نجحت في استيعاب واستعمال فئات في تحقيق أهدافها، وذلك هو مربط الفرس!

هناك الوطنية تجمع بين المدرسة القومية والعلمانية الوطنية، فذلك خيار قد ينجح، ولكنه غير قابل للإستمرار، لأن الحال لا يستمر كما هو عليه اليوم، وكذلك المحيط الأقليمي لا يسمح بذلك الاتجاه على المدى البعيد، فلا محال قابل للإنهيار، لأنه في نظر البعض ليس هو الحلم السياسي، وهؤلاء البعض الذين يحملون هذا الفكر ليسوا بقلة يمكن أن نتجاهلهم !

اما فيما يخص الحركات التي تبنت أخيراً الحل العلماني للخروج من مأزقنا السياسي، هي الأخرى يراها البعض ليست بقادرة على تعبية الشباب ومواجهة الخطر الذي قد يتعرض له الوطن، فهم يرون أن العلمانية لا يمكن أن تعيش في بلد اسلامى لأن تحاكم المسلمين إلى شرعهم هو من الواجبات التي يجب على المسلم إقامتها. وبعضهم يرى أن هؤلاء الذين يتبنون الفكر العلماني ما هم إلاّ خنجر مسموماً على خاصرة الشعب والأمة. وموافقة هؤلاء على آراءهم قد تكون منطقية، فيا أخي الذي تطالب بعلمنة الدولة كحل وسط، لا شك أنه لك الحق الكامل في ذلك، ولكن صدقني هذا ليس بحل لقضايانا. هل تريد من نساء وبنات المؤمنيين أن يخلعن الحجاب ويتبرجن في المؤسسات الحكومية.. والله يأمرهن أن يضربن بخمرهن على جيوبهن؟! إن كنت أنت ترضى بذلك فهناك الملايين من الغيوريين على عرضهم ودينهم لا يقبلون ذلك!

أما بخصوص تلك الجماعات التي تحمل الفكر الإسلامي فالطريق أمامها مليء بالثعابين والصعوبات. وربما خطابها يحتاج إلى هندسة جديدة، حتى ينطوي تحتها كل فئات المجتمع الليبى . فمن الناحية النظرية، لا شك أبداً في أن المشروع الإسلامي قد يكون حلاً نهائياً لمأزقنا السياسي، ولكن ليس بالعواطف ورفع "كافات" الآخرين، بل بالجلوس معهم ومحاورتهم بالتي هي أحسن.

لا شك أبداً في أن أصحاب الشريعة في حركة تحمل فكراً إسلامياً هم مستشاروها، ولم نقل ذلك إنتقاصاً من مكانتهم العظيمة عند الله، وعند البشر كذلك، ولكن من باب ابعث لنا ملكاً نقاتل معه؛ ولأن في أغلب الأحوال فإن حامل الشريعة والفقه، إنساناً مثالياً، والعلوم التي يحملها لا تسمح له أبداً أن يهادن مع من يخالفونه الرأي بل ينبري لهم مفنداً كل آراهم الباطلة والمنحرفة. إذاً،أمنية الجميع هي أن تكون القيادة تشاورية بين أهل الشرع والعلوم الطبيعية؛ أما أن تكون القيادة ممن يحمل العلوم الشرعية والطبيعية في آن واحد، فذلك هو الحل.

فالناظر اليوم لواقعنا الليبى يجد أن الحركة الإسلامية استطاعت وبكل سهولة استقطاب الإنسان الليبى المثقف- وخاصة فئة الطلاب- لأنها خاطبت فيه العاطفة فلم يتوانى على الإنضواء تحتها. ولكن العاطفة وحدها لا تستمر إلى الأبد، ففي المراحل الأولى للإنسان، لا شك أنها هي المحرك الأول، ولكن بعض وصوله مرحلة معينه من المعرفة، لابد أن يجد الإنسان فيما يحمل من فكر، حلولاً عمليةً للواقع الذي يعيش فيه أهل وطنه. لا يتم ذلك بالتنازل عن الأهداف الكبرى، ولكن بإعادة هندسة الأفكار والوسائل لتتلاءم والواقع.

فخطابنا يجب أن يشمل حقوق الجميع، وليس طرفاً من الأطراف، وإلاّ فتصبح هذه الحركات مؤسسات وقفية، بعيدة عن الواقع، ولا تلامس حاجيات الشعب والأمة. فيكفي أن يكون إقامت العدل والدفاع عن حقوق المستضعفين من أهدافنا الكبرى، فلا حرج في ذلك، ولن يخرجنا ذلك من أهدافنا ولا من ديننا. وحتى نزيد من الشعر بيتاً، والمواطنة أساساً للحقوق والواجبات.

أما إسلامية ليبيا ورفع شعار الخلافة، لا ضير في ذلك، وعندما يحين ذلك الحين فلا محال ستكون ليبيا جزء من ذلك الواقع، ولكن همنا اليوم يجب أن يكون كيف يمكن الخروج من واقعنا السياسي الأليم، الذي إن لم ننتبه له سوف يفقدنا وطننا .

المطلوب هو أن يكون عندنا وضوح في الفكر والمشاريع التي نتبناها، من إجتماعية وإقتصادية وسياسية؛ وأن لا تتناسى هذه الأطروحات الواقع الليبى، بل يجب أن ينبع الحل من داخله حلاً لمشاكله.

اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info

 

 

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.