|
محنة معارض
كم هائل من الأسئلة تتوجه به إلى الطرف الآخر ( تجاوزاً ) من المعضلة وأعني به
المعارضة بكل تقسيماتها وتحالفاتها . أين موقعها من كل تلك الوتيرة المتسارعة
للنظام في محاولته للخروج من عنق الزجاجة التي زرع نفسه فيها بداية بورطة المظالم
الداخلية واستحقاقتها الماثلة بالفعل بعد أن استنفد النظام كافة مزاعم التأجيل ؟.
ما هي الخطوات المقارنة على الأقل لفعل النظام والمعاكسة له على المستوي الدولي
والإقليمي والتي تقوم بها المعارضة في سبيل قطع الفرصة على النظام في استعادة
أنفاسه دولياً وإقليمياً ؟.
هل هناك رؤية استراتيجية ذات أفق واسع تنطلق منها هذه المعارضات حين تتخذ من دولة
معينة مركز انطلاق لمعارضتها للنظام أم هو قدر الجغرافية وبداهية الطبيعة ؟.
هل حاولت هذه المعارضة من قراءة تاريخها قراءة نقدية من دون أن تتعلق به عاطفياً
، ومن ثم بعد القراءة تدعو الى لحظة مصارحة خالصة تخرجها من ارتهان التاريخ ؟
أهم تساؤل ( وهو محور المحنة ) في اعتقادي يجب أن يطرح هو ماهية توصيف العلاقة
بين هذه المعارضات وجماهير الشعب وعلى أي أسس يقوم بناءها ؟
الكثير من الإبهام والتساؤل والقليل جداً من الاجوبة والتوضيح ، هذا ما تقدمه
المعارضة بكامل طيفها لنا نحن جمهور الشعب المترقب بعنف وشغف في أن تحتل المعارضة
دورها كطرف مؤثر إجاباً على صعيد حياتنا السياسي .
علمتنا التجارب ( على مستوى العالم الثالث ) بأن تحت الشعار يقبع ألف شعار وشعار
فلا تكفي تلك الكتيبات والبيانات التي تحدد برنامج ووجهة تنظيم ما بأن تحشد تحت
لواءه قاعدة جماهيرية عريضة ، فهناك الكثير من الجهد والتضحية الفعلية التي يجب
أن تقدمها حتى تقنع الشعب بأنها فعلاً تحمل الإحساس بالظلم تطبيقاً للقاعدة التي
تقول ( أن مجرد وجود الظلم لا يولد ثورة ولكن الإحساس بالظلم هو الذي يخلق الثورة
).
فمن هنا عندما يطرح السؤال عن علاقة
هذه المعارضات بالشعب وظلامته نقصد التعرية الفعلية لتلك الهوة دون
الإحساس بالحرج ، وفي اعتقادي أن هذه الخطوة يجب أن تناقش مناقشة جادة كبداية
فعلية لكل تنظيم ، قبل البحث عن أي تحالفات أو اتحادات توثق بها شرعية معارضتها ،
وفي ظني وظن الكثير من أبناء شعبي في أن المشكلة الكبيرة لهذه الأزمة المعارضاتية
تكمن في هذا الفهم المترسخ لدى الكثير من المعارضات في أن مجرد الدخول في حلف أو
اتحاد ما يضفي عليها صفة المعارضة ، أو مجرد الدخول في سجال مع تنظيم أو فصيل ما
أكثر أقدمية منها على ساحة المعارضاتية ، حتى ولو كان الاختلاف في مجرد مسألة
فرعية المهم لديها ان يؤدي الى ولادتها ألم الشعب يكمن في أمران ، الأول بأنه
مهدد في وجوده كشعب يحمل كل مكونات الشعب ( ثقافيا ، وتأريخياً ، وإنسانياً من
قبل نظام ظالم يتنكر لكل تلك العناصر المكونة للشعب ويبتدع مكونات تتسامى عنها
الإنسانية .
والألم الآخر وهو الأنكأ ظلم ذوي
القربى وأعني به المعارضة وإحساسها المنعدم اتجاه هذا الشعب وألمه ، فهل يكفي
مجرد الإعلان عن ظلامة الشعب الليبى في ديباجات بيانات المعارضة لتعزية هذا الشعب
، فتقارير منظمة حقوق الإنسان دائماً وليس أحياناً أكثر عرضاً و إيفاءً من بيانات
وتقارير بعض التنظيمات في سرد معانات الشعب الليبي.
وفي رأي ان غياب الاستخدام الأمثل للظروف والإمكانات المتاحة لهذه المعارضات ، من
موارد بشرية مهيأة سلفاً بفعل الظلم ، ومناخ دولي لا يعترض أبدا مع كل المعطيات
السابقة . هو أيضاً حلقة في سلسة ظلم ذوي القربى . حتى وهم يتحالفون ويتخاصمون في
كفالة هذا الشعب يكون الظلم حاضراً في أساليب القمع التي تمارسها فيما بينها من
جهة وبين الجمهور من جهة أخرى .
فإن أول ملاحظة تطفح للمشاهد أن بعض التنظيمات تحاول في المسرح السياسي أن تلعب
دور الموجه الوطني بأساليب مستعارة من النظام دون أن تنسى منها شيء حتى توصيفات
الخيانة ، ومع ظني أن الخيانة والكفر معنيان يكملان بعضهما البعض ، والمدهش أن
الديانه الاسلاميه الموصوفة من قبل بعض التنظيمات بالغلو والتشدد كانت تتجنب لفظة
الكفر ، بالعاصي ، الآثم ، والمخطئ . فالخيانة كما الكفر لا تعني إلا شيء واحداً
أن يكون أحدهما خائن ، الواصف أو الموصوف ، فما بال الواصف حين يقدم على ذات
السلوك الذي من أجله أطلق الوصف ؟ فأين هو الإحساس بألم الشعب الذي تدعيه هذه
المعارضات سبب لمعارضتها للنظام ، حين تنطلق افتراضاً من ألمها الحزبي الضيق على
أنه ألم الوطن .
ظلم الشعب لا يمكن أن يجمل في بضع أسطر كتبت على عجالة ولا يكفي مسح عقود من
الألم أن يعلن فصيل ما بأنه يحس بهذا الضيم حتى ولو اجتمعت على كلمته كل الفصائل
الأخرى . فهناك مواجع ظلم لا تبرأ إلا بتشخيصها والإيمان بمواجعها وعلى ظني يتمثل
البعض منها في الآتي :-
يأتي في المقام الأول الإيمان بالإنسان الليبى ، كعضو في مجتمع البشرية جمعاء له
حق الحياة والكرامة والخصوصية والحرية في التعبير والاعتقاد والحق في التعليم
والأمن والانتماء والطموح والآمال ، بمعنى له كامل الحق كإنسان ، فمتى ما ترسخت
هذه القناعة فسنكون أفراداً أو منظمات في تفكيرنا وسلوكنا أكثر عقلانية وحكمة ،
وأكثر استعداد في استحضار الحق .
المقام الثانى التركيبة الليبيه ( العرب والامازيغ) يجب أن يكون في اجندة أي
منادي بالحق . والثنائية يكفي من معناها العام أنها تعني الشراكة ، فمتى ما أختل
هذا الميزان في تحالف أو تنسيق بين هذه المعارضات تحت بند الديمقراطية فهذا تأكيد
على وجود أزمة وطنية ، فمنبر الديمقراطية يكون بعد إرساء الحقوق ونحن الآن في
مرحلة المناداة بهذه الحقوق وهي تتصدر إن لم تكن السبب في معاناة هذا الشعب ، فمن
حق الآخر أن يضع برامجه ورؤيته بما يتفق و موقعه من هذا الثنائية ويدعو إليها ،
لكن دون الإنتقاص من حق الشريك في الرؤية والآمال حتى ولو كان هذا الانتقاص
تعريضاً .
ومن ناحية أخرى لا يجوز لأي طرف كان أن يتغاضى أو يتنازل من استحقاقات هذا
الثنائية ( سواء كانت عربيه او امازيغيه ) طالما كان التحالف أو التنسيق في
المضمون أو الشكل الثنائي ، فالديمقراطية لا تطبق بمعزل عن الآخر ولا تكون وليجة
وتوطئة لمبدأ غير ديموقراطي في المستقبل ، وترسيخ عرف يناقض هذا الثنائية على
المستوى الرأسي ( السيادي ) على عموم المعارضة أو الحكومة.
حقوق الشعب الثقافية والتاريخية والموروثات واللغة ، بمعنى جميع الحقوق المكملة
للوجه الحضاري للشعب الليبى ، باعتبارها من الحقوق الواقع عليها الظلم . يجب على
هذه المعارضات أن يكون لها موقف واضح وصريح لا يحتمل التأجيل والتسويف فيها ، أو
المجاملات السياسية بحجة إنجاح الحوار الوطني للفصائل الليبيه . فأي حور يتم
بمعزل عن إحقاق هذه الحقوق سيكون هضماً لشريحة أو شرائح من المجتمع .
موقع التنظيم ( المعارضة ) من الشعب ، بمعنى يجب أن لا تتقدم المصالح الحزبية
الضيقة على مصالح ومظالم الشعب والبعد عن الغش السياسي لتحقيق مكاسب آنية تحت أي
مسمى ، وأن تضع المعارضة في اعتبارها التكليف وليس الوصاية في ممارسة الاعتراض
على الظلم . وهذا يؤدي بالضرورة أن ليس هنالك تنظيم ما بعينه بمنأى عن المساءلة
ولا يجوز له الإدعاء بالعصمة سواء أكان ذلك تحت بند العلمانية أو العقيدة ،
وأيضاً لا يشفع السبق التأريخي لتنظيم ما في التصرف وصائياً بحق هذا الشعب ولا
بحق التنظيمات الأخرى فالقاعدة أن الشعب
وحقوقه أسبق تأريخياً على ولادة هذا التنظيم أو ذاك .
في اعتقاد الكل أن هذا الإحساس بالظلم الذي يعايشه الشعب ، لا يمكن أن تخف وطأته
ما لم تتوجه المعارضة برسائلها من ولادة وتحالفات وإنفصالات ورؤية إلى بؤرة الظلم
، و لا يمكن أن يتحقق هذا ما لم يكن هنالك تصالح مع الذات ومحاورتها وتحديد
أهدافها ، وهنا سيؤدي التصالح لقراءة هادئة للتأريخ وهو قراءة لإنسان هذه الأرض
في انتصاره وانكساره في حيازة الحق وفقدان الحقوق ، ويجب أن يقرأ هذا التاريخ حتى
لا يعيد التأريخ نفسه كما هو ماثل للعيان اليوم في نهج الكثير من المعارضات وأن
تجعل من كل خطوة تقدم عليها فعلا مقارناً لخطوة النظام في محاولاته للخروج من
مأزقه ، مع الوضع في الحسبان أن كل يوم يمر من عمر النظام هو انتصار له وتوطين
مستدام للظلم .
فى النهايه اتمنى من الله التوفيق فى الاجتماع المرتقب
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info
|