منطلقات العملية الإصلاحية – أين منبع
المشكله؟
تتخبط ليبيا فى حال من التيه تتجلى فى أزمة عميقة ذات أبعاد متعددة (ثقافية،
أخلاقية، سياسية واقتصادية، وحتى معيشية)، لايجادل فى ذلك إلا مكابر. ومع ذلك،
فإن البلد يعيش الآن حالة مخاض قد تتمخض عن أفول النظام الاستبدادى وبزوغ فجر
جديد، ومهما يكن التشخيص العام لوضعية البلد أمرا مجمعا عليه، حيث أن الغالبية
من أهل النظر والإهتمام يجمعون على أن الوضع كارثى على كافة الصعد، إلا أنه قبل
التطرق لعملية الإصلاح، لايزال ثمت جهد ينبغى بذله ليتم التعرف على أصل الداء.
من المسؤول عن هذه الوضعية
سؤال كبير يبقى مطروحا إذا، هو : من أين تؤتى هذه الأزمة المتفاقمة؟ أي أنه قبل
الحديث عن البرامج، يحسن التساؤل أين أصل الأزمة المتشعبة الأبعاد؟ و من
المسؤول عن هذه الوضعية المأساوية؟ النظام الحاكم، أم الشعب نفسه؟
النظام الحاكم
أليس هذا النظام هو من فرط فى المرافق الحيوية التى أنشأها مؤسسو الدولة
الفتية، فتدهورت فى ظله قطاعات التعليم والصحة حتى كأنها اليوم خاوية على
عروشها؟ أليس هو من انهارت على يده العملة الوطنية و انهارت معها القدرة
الشرائية للمواطنين؟ و أليس هو من باع بأبخس الأثمان أغلب الشركات الوطنية
محولا إياها لاحتكارات خصوصية بأيدى حفنة من المقربين؟ دون أن ننسى الفوضوية
والرشوة ونهب الأموال العامة الذى بلغ مبلغا لايضاهيه سوى العبث بالمؤسسات
والتفقير الواسع للغالبية من أبناء شعب يرزخون تحت طاحون الإحتكار وسياسة
التمييز القبلى . وأدهى من ذلك، أليس هذا النظام المتسلط هو المسؤول عن الصفحات
الأكثر قتامة من تاريخ البلد ، من قمع وحشي وجرائم عنصرية ؟ وما مسؤولية النظام
إزاء هذه الثلاثون سنة ونيف من التيه التى عرفها البلد؟ وماذا عن روح
التقليد الأعمى التى تكشفت عنها النخب المتعاقبة حيث ما فتئت تحاول زرع قوالب
ورؤى جاهزة تم استيرادها بشكل يعزلها عن سياقها التاريخى، بل وتم بترها من أدنى
شروط تكييفها مع حيثيات ومقتضيات البيئة وثقافة المجتمع؟ قوالب تصب كلها فى
رؤية مادية تتجاهل قيمنا، ولعل آخر تجلياتها المشهودة هذا النموذج الليبرالى
الوحشى المافيوي الذى تميز من جهة باستبدال الاقتصاد المؤمم باقتصاد احتكاري
خصوصى، و من جهة أخرى، بالطفيلية والنهب المنظم. أوليست حال التدجين التى يبدو
أن النظام مقنع بها وعقلية الخوف والطمع وما يتبعها من إطراء زائد، كلها عوامل
تزيد من الطغيان ومن فساد النظام؟
الشعب
قد يقول قائل إن الشعب هو من أفرز هؤلاء المتسلطين عليه، ثم أطاعهم من بعد ما
استخفوه؟ وما هو أكيد أنه لم يعد مقبولا ولا ممكنا أن ندس رؤوسنا فى التراب-
كما النعامة- ونخفى عن أنفسنا حقيقة أن هذا المجتمع لم يتحرر بعد من نير تقاليد
بالية أدت به إلى ممارسة العبودية، وإلى عنصرية راقدة وإلى نظام طبقي استغلالى.
كما أبقت عليه فريسة لجبرية جامدة يستمر ثقلها فى عرقلة كل تطور ... أليست هذه
النزعة الجبرية التى تبقينا فى جمود اجتماعى مستمر، هي إحدى الخصائص التى تشكل
البنية الثقافية السائدة فى المجتمع الليبيى ؟ ولاجَرَم أنها هي التى هيأت
أرضية مؤاتية لاستبداد الحاكم فى جو من السلبية العامة والاستسلام الجماعى.
أم أن المسؤول عن الأزمة المتشعبة هم أولئك جميعا فى مسؤولية مشتركة؟
أحسب أن النظام ينفرد بأنه ليس فقط سببا مباشرا لأكثرية ما وقع، بل أخطر من ذلك
يقف عقبة كأداء فى وجه أي توجه إصلاحى مستقبلي. فمنذ أن استولى على مقاليد
الحكم لثلاثون سنة خلت، لم تنفك الأزمات تتالى وتتراكم حتى وصل إلى ضرب الشعب
بعضه ببعض، مقترفا التقتيل فى حق أبناء فئة مستهدفة بعينها. تحت هذا النظام
تردى التعليم، وتخلى عنه جهارا، مؤثرا التمويه بالتطبيل لمحو مزعوم للأمية. كما
انهار فى ظله القضاء وتم تحويله آلة طيعة "لتصنيع القضايا" تحت الطلب البوليسى،
وإجراء المحاكم السياسية. وبما نصبه من أسلوب حكم قوامه العنف الإستبدادى
والفساد الممنهج ، أشاع الرداءة موطدا أرضية الخوف والنفاق، و أفسد النخبة حتى
إنها لتوشك أن تصل مرحلة التعفن. أما الشعب فإنهم يسعون حثيثا لتحويله إلى
حثالات من المتسولين يستجدون "عطايا" الأقلية المتسلطة. وبشكل أشمل، انحرف
بالدولة عن رسالتها الحقيقية واختزلها فى أجهزة مسخرة لخدمة فرد متسلط وخدمة
دائرته المقربة وتأبيد حكمه بدل خدمة هذا الشعب، غير مبال بما يعنيه ذلك من ثمن
باهظ لأجيال قادمة برمتها. وهكذا ألقى بالبلاد فى غياهب الرداءة
واللامبالاة بالصالح العام. بخلاصة، إن ما نشهده هو تدمير للقيم واجتثاث لروح
المسؤولية والكرامة.
فلا مبالغة إذا فى اعتبار حكم الفرد المستبد سببا رئيسا لأغلب جوانب الأزمة...
إنه أم المشكلات. و كل ماسبق إنما يزيد من قناعتنا ان شرطا أساسيا لنجاح
العملية الإصلاحية هو تنحى العقيد ( القذافى ) عن السلطة.
بخلاصة، يعزز كل ذلك من قناعتنا ان البرنامج الإصلاحى لايمكن أن تضطلع به إلا
حكومة إصلاحية شورية، لا تمت لحكم الفرد بصلة.
اسماعيل سالم
libya_asd@hotmail.info