14/04/05
|
بسم الله الرحمن الرحيم
من ملامحِ وَهْنُ الخِطابِ
بقلم السنوسي بَلاّلَه
يُلاحَظ أنه كلّما مرَّ بالسلطة الحاكمة في ليبيا زمن، كلّما ازدادت في التخلّف والجهل إمعاناً... ويستطيع المرء دون عناء يُذكر، إدراك علائم جهلها وتردّيها السياسي وشيخوختها الذهنية، من خلال متابعة ورصد صياغات خطابها السياسي بالذّات. وهو بحق الخطاب الذي يستدعي التوقف عنده أحياناً، ليس لملامسة واقع الخرَف والوهن الذي اعترى بنيته، أو لأن المواقف السياسية العاكسة لمحتويات هذا الخطاب والمعبِّرة عنه، أضحت مثار تندِّر المحافل والقمم العربية فحسب، بل لأن هذه السلطة -برأسها- تصرُّ وعن عمَدٍ وباستمرار على ممارَسة التخلّف والجهل، بسلوكياته وبتعبيراته ومواقفه المختلفة، وبما لا يقتضي الحال على الإطلاق، وهو الأمر الأكثر غرابة في هذا السياق بالذّات. إلاَّ أن هذا هو ديدن هذه السلطة مذ كانت، وإلاَّ فلن تكون هي نفس هذه السلطة. وكأنما مواقفها هذه جميعها، إنما جاءت فقط، لتمتص إزدراء مواطنيها وإثارة حنقهم ليس إلاَّ. !!
معلوم بالطبع أن صياغات الخطاب السياسي الليبي ووسائل طرحه والتعبير عنه، لم تُصهر ولم تُصنع داخل أي إطار ديمقراطي أياً كان نوعه. ومن ثمَّ فليس هناك ما يمكن أن يُعرف أو يُشار إليه –رسمياً- بأنه الخطاب السياسي للدولة داخل جماهيرية العقيد. وما هو موجود ويتم التعامل به، ووفقاً لأوامره ونواهيه، هو فقط مجمل كلام وأحاديث القذافي. وهو (الكلام/الخطاب) الذي يخضع بالطبع لمزاجية القذافي ولأفكاره ونزقه ومستوى وعيه السياسي غير الراشد ومن ثمَّ غير المسؤول، والذي يفتقد إلى المعايير والمحددات –المتعارَف عليها- التي تصوغ وتحكم الخطاب السياسي بعامَّة، وترقى به إلى مستوى الخطاب الرسمي للدولة. فما نراه في ليبيا بعبارة أخرى هو عبارة عن "خَلْطة"، يقوم العقيد بطرحها دون خجل، عبر هذا الملتقى أو ذاك. ومن هنا فقد ظل الخطاب السياسي للسلطة، خلال العقود الثلاثة الماضية من عمرها وحكمها، خالياً مثلاً من التناول العلمي والتعاطي الموضوعي الواعي، لبعض المفاهيم المكوِّنة للحمة الخطاب السياسي، برأي بعض الكتّاب، بمعنى تبنِّي قضايا ومعاني ذات مدلولات ضخمة على صعيد وجود الدولة ذاتها مثل: الحرية، المواطن، الدولة، المساواة، ...إلخ. وبما يمكن أن يشير إلى تفهُّم هذه السلطة -صاحبة الخطاب- للعالم من حولها وللتفاعل مع أحداثه، والتأثير فيها بإيجابية أو التأثُّر بها في اتزان.
على خلاف ذلك رأينا، خلال بداية شهر أبريل 2005م. كيف تجسَّد وهن الخطاب السياسي للسلطة في ليبيا، من خلال ما عبَّر عنه رأس هذه السلطة من مزاعم وادعاءات، عبر فعّاليات المدح الحكومي، التي بدأت وصْلتها منذ مغادرته الجزائر، عقب انفضاض القمة العربية، واستقباله في ليبيا استقبال الفاتحين. ثم نزوعه المفاجيء لتفعيل دور –يده الطولى- اللجان الثورية، بعد طُول رقاد، أو لعله تنوِيم. !! وما مُورِس بأمر "القائد" من طقوس ثورية قديمة عملت وسائل الإعلام الحكومية/الرسمية على رصدها ونقل وقائعها بصورة مباشرة، عدة أيام، بمناسبة انعقاد الملتقى السادس والعشرين لحركة اللجان الثورية، لتبيِّن بجلاء أنها لم تأتِ بصورة عفوية، ولم تنطلق من فراغ. وبخاصَّة ما واكبها من متابعة اعلامية مباشرة لوقائع الإحتفال "المبرمَج". الذي تزامن بصورة غير عفوية، هو الآخر، مع الاحتفال بذكرى "ثورة الطلاب" في السابع من أبريل. !!
فهل كان (مهرجان تفعيل) اللّجان الثورية في ملتقاها السادس والعشرين بعد كساد سُوقها لفترة من الزمن، سلوكاً غوغائياً مُتعَمَّدَاً لإغاضة الراصدين داخلاً وخارجاً؟ أم هو رسالة إلى "مراكز قوى" يَفترِض (البعض) وجودها داخل هيكل السلطة الحاكمة؟
وهل عدم مكافأة أمريكا للقذافي –كما صرّح هو شخصياً بذلك عدة مرات عبر وسائل الإعلام العالمية- على موقفه وتصرفه بشأن تفكيك أسلحة الدمار الشامل (وطلب رفعه من قائمة الإرهاب رسمياً وتطبيع العلاقات معه بشكل كامل)، ...هل يقود طلب الصفح والمكافأة هذا، إلى مثل ذلك الإستجداء المستكين، الذي جسَّده خطابه السياسي الواهِن؟
أم هو، إلى ذلك أو بعضه، نكوص وعجز، وعودة القهقرى، واجترار مفردات الخطاب "الثوري" البائد، الذي ربما أُرِيدَ تفعيله هنا عن عمَد، في الزمن الجديد (زمن الدمقرطة والعَوْلَمة...والإنترنت)، نكاية في تجاهل وعدم استلطاف طرف مقابل -الغرب- لحطامٍ سياسيٍ قديم (السلطة)، ليس فيه من رمق سوى النفط، الذي يجري في عروقه ويضخ له دفقات الحياة؟ أم هو ردّ فعل معلن تجاه موقف أمريكا النافر، بعد أن فشلت كل الجهود التي مَوَّلها القذافي في سبيل التوسُّط لدى هذا القطب السياسي العالمي الأوحد؟ أم هي رسالة لشركات النفط الأمريكية، الأخطبوط الممول للإدارات الحاكمة في الولايات المتحدة، لتمارس على الجانب الآخر، الضغط على ربائبها، مقابل ضمان سريان تعاقداتها مع السلطة؟ ...أم يا ترى هو كل ذلك مجتمعاً؟
إن "عدم استلطاف" قطب القوة الأمريكي لسلطة تمثِّل أحد رموز الإستبداد والإرهاب في العالم، لا يعطي المبرر، لو كان هناك بقية من عقل (سياسي)، لذات هذه السلطة، أن تكشف عن خفاياها، إلاَّ إذا كانت هذه السلطة واقعياً، عاجزة تماماً عن استيعاب ومن ثمَّ مواكبة التغيُّر –والتغيير- الدولي، السائد فوق مشارف هذه الألفية الجديدة، وليس بمقدور هذه السلطة التكيف معه، أو حتى إقناع الآخرين بالإرتياح إليها، والوثوق بها على الإطلاق. ...وهو الأقرب في سياق صياغة التكهنات والتساؤلات. !!
ويُلاحَظ من زاويةِ نظرٍ أخرى خاصَّة بالسلطة، ان لو كان كل ذلك عبارة عدم عدم لياقة وانعدام كياسة دبلوماسية مثلاً، أو أنه كان مجرد عجز في الذهن السياسي، لالتزَم صاحبه، في الأعم، بالصمت. إلاَّ أنه على ما يبدو هو الوهن، الذي أصاب مفاصل السلطة العجوز وأعطب تفكيرها. فبدلاً من أن تعمل هذه السلطة على تنمية خطابها السياسي وتطويره، نجده في حالتها غير السوية هذه، يضمُر وينحط إلى الدرك الأسفل من التقاليد الدبلوماسية والأعراف السياسية، وأيضاً من التفكير السياسي بعامَّة. فيعمل هذا الخطاب،كما رأينا، على اجترار معاني وشعارات كثيرة بائدة، لم يكن هناك أصلاً من مبرر لاستخدامها، لثلاثة عقود من عمره السياسي، ناهيك عن أن يلوكها الآن بصورة سمجة تُظهِر أنها -الشعارات- كانت عبارة عن ممارَسة متخلِّفة لِلَعِبٍ سياسيٍ خارج نطاق زمانه ومكانه وسياقه الطبيعي أو المُفتَرَض إن شئت القول، المتأصل في عقل السلطة والذي يترجم عجزها الكامل عن تقديم الجديد المعقول، في موازاة التغيرات المتسارعة الحادثة في عالم اليوم.
إلى ذلك كله، لا يغيب عن بال المتتبع للشأن الليبي بعامّة، والعارف بسلوكيات السلطة في هذه المرحلة بخاصَّة، أن إصرار العقيد القذافي على ممارسة هذا التهريج السياسي الرخيص لم يأتِ عبثاً، بل هو سلوك متعمَّد كما ألمحنا، يعكس نفسية معيَّنة بالطبع، يظن صاحبه أنه سينتهي إلى اعتقاد القوى الكبرى، بأن العقيد القذافي (فقط) هو مفتاح اللعبة السياسية في ليبيا، وعلى من يهمه الأمر اقتفاء الأثر. والقذافي في ذلك -لطبيعته الإستبدادية- لا يبالي بالإنعكاسات السلبية لمثل هذا السلوك الأناني، على شخوص مَنْ يُطارحونه التمتُّع بامتيازات السيطرة على حكم البلاد وثرواتها العميمة، وبعبارة أخرى هو لن يُبالي هنا بتحجيم دور ورَثته ومقَربيه، بل وسيعْمَد إلى تسفيه الهالة الدعائية التي أحاطتهم بها رؤى وتطلّعات أخرى محلية وخارجية، ليس من أجل إثبات وجوده وسيطرته فحسب، لا بل ومن أجل الإعلان عن رفض التهميش أو الإزاحة عن السلطة -التي تنغص عقله الباطن باستمرار- وإثبات أنه هو (وفقط) الرقم الصعب في معادلة التغيير -أياً كان نوعه- في ليبيا. هذه المعادلة التي يستشعر خطرها من هنا وهناك.
ومَنْ يدري، على جانب آخر، فقد يكون هذا الموقف (والشعور) هو من قبيل التمثيل والأداء الدرامي، أو قد يكون في منتهاه هو التراجيديا التي تجسِّد "رقصة الديك المذبوح" ...مَنْ يدري.!!
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()