منبر الكتّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


09/04/05


 


وطن أغمضت عيناه!!

 

يولد الإنسان مرتين، مرة يوم أن تضعه أمه على أول نقطة في طريق الحياة، ومرة أخرى يوم أن يكتب له عمر جديد،أو يدخل درباً جديداً.. 7 إبريل ،وهو كل هذه الأيام بالنسبة لي،فهو يوم  دخولي سجن الأمن الداخلي بمنطقة الهواري جنوب غرب بنغازي ، وهو أيضا نفس الشهر الذي خرجت فيه من جامعة  بنغازي !!.. لا أعرف سر تلازم بعض التواريخ والأيام أحداث بعضها سعيد،ومعظمها  غير ذلك فمن إبريل ،إلى الفاتح من سبتمبر  ،ذلك اليوم الذي تعرضنا فيه لعاصفة الانقلاب المشئوم عام 1969 !!.

 

..ومن عجب أن يكون ،هو أيضا ذلك اليوم الذي اجتزت فيه اختبار الماجستير، وهو يوم ترشيحي لتحديد موعد أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه. في مثل هذه التواريخ والأيام، المشحونة بالذكريات والآلام ، والآمال اشكر الله على كل صنعه، ولطيف قدره، ولا أجد بعد هذا سوى أن اقلب في دفتري الشخصي  بين ذكرياتي وشجوني.. الفراق الأول بيني  وبين جسد أمي، كان في ذلك التاريخ، ومنذ هذا التاريخ ، واحسب انه رغم مرور بضعة شهور على الفراق الأخير، إلا أنني لا أجد في مثل هذا اليوم من كل عام صورة بوضوح صورتها  في عيني، ولا صوتا اقرب لصوتها الهادي يتسرب حولي، ويدخل إلى خلايا جسدي!! تعلمت منها كيف تضحي إلام من اجلها طفلها؟ كيف يموت الرجل من اجل المبدأ؟! تعلمت منها الحب للحب والخير للخير.. تعلمت من أمي حب الوطن والناس، في زمن تحول فيه الوطن من أم حنون إلى ولادة، تضع وليدها في الزحام، لا تطعمه ، ولا تفطمه، ولا تعود إليه إلا لتأكله، لتعصره، لتلفظه في زمن غير الزمن، وناس ما هم بناس!! كم اصبح رحم الوطن ألام متورما، لا يضم بقدر ما يطرد، لا حلو ولا قوة إلا بالله!!

 

تعودت في مثل هذه التواريخ المشحونة بالذكريات، أن اقلب بعض أوراق دفتري الشخصي، باحثا عن لحظات حصاد مع النفس، ولم أجد ما ارصده في هذا العام، اجمل من لحظات حب الناس، والتفافهم حولي بعد  وفاة  والدتي رحمها  الله  واسكنها  فسيح  جناته... وهذا هو الثمن الوحيد الذي يمكن أن يتقاضاه الإنسان في بلد الأمل فيه اصبح شحيحا، والحلم فيه اصبح عزيزا.. في بلد لا شعور فيه بالجدوى أو التجارب لكل ما تفعل أو تكتب أو تقول .. إلا حب الناس البسطاء رغم مصادرة الحريات والخداع ، رغم الزيف والأكاذيب والافتراءات على شعبنا سليب  الإرادة  وحسبنا الله وحده القادر على رد المكائد، وكشف الزيف والتنكيل بالشرفاء من أبناء الوطن.. في الأول من سبتمبر، اكره أن أنام، واكره أن أصحو، اكره الزحام، واكره أن أكون وحدي، اكره أن اسمع شيئا، واكره إلا أجد شيئا اسمعه!! اكره ذرف الدموع، واكره أن تجف من عيني الدموع.. في هذا الوقت اقبع وحدي في شرفة المشاهدة، أتابع المتفرجين ، وبعضهم يتلذذ بشجاعتنا ويراهن عليها، والبعض الأخر يراهن على قوة احتمالنا.. أما أنا فيتملكني الشعور بالورقية ،فمازلت اركض بسنوات عمري على الورق.. اربح معارك على الورق، واخسر غيرها  على الورق!! فما قيمة أن تضيء شمعة في وطن أغمضت عيناه؟!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

 

allah60@yahoo.com

 

*أستاذ مشارك  بجامعة تكساس الجنوبية.

*عضو لجنة تطوير المناهج بجامعة تكساس الجنوبية.

* عضو بلجنة التظلم بجامعة تكساس الجنوبية.

* أستاذ علم الحوار ومعايير الجدل في كلية مقاطعة هاريس الشمالية.

* أستاذ  الخطاب  المهني لرجال  الأعمال كلية هيستون.

 

  أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.