منبر الكتّاب

 

 د/ جاب الله موسى حسن


10/04/05


 

 

صناعة الأزمات !!


يعاني الشعب الليبي وبصفة خاصة الأغلبية الساحقة من أزمات خانقة في السلع التموينية الأساسية ومن تدني الخدمات العامة التعليمية والصحية والإسكانية وفى خدمات النقل والمواصلات والاتصالات، ظاهرة الأزمات الخانقة آخرها أزمة الرز!! ويتضح من الملاحظة الدقيقة لهذه الأزمات ،أنها تنشأ فجأة وبلا مقدمات عند الحاجة وتضاعف الطلب الشعبي عليها حيث يخفيها مدبرو الأزمة من الأسواق و أحيانا في سفن الشحن أو الجمارك بالموانئ وفى الأوقات التي يزيد فيها الاستهلاك مثل حلول شهر رمضان،أو العيد ،أو دخول المدارس والجامعات، أو قدوم فصل الصيف والشتاء ..!! وتبدأ عادة الأزمة بالنقص الشديد في العرض والارتفاع الفجائي في السعر ودائما يؤكد "الأمين" المختص بعدم وجود أزمة وبان السلع رغم رداءتها متوافرة بأكثر من ضعف الحاجة إليها، وأن نظام الإفقار والتجويع جاد في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لتوفيرها لكل مواطن بسعر التكلفة وما على المواطن إلا أن يصطف في الطابور للحصول عليها!! ورغم الحملات التحذيرية فإن الأزمة تستحكم ويتكالب الناس على السلعة رغم فقدانها لصلاحيتها ويرتفع الثمن لدى الموزع الفردي، وتتدخل الواسطة بالنفوذ والسلطة سواء من اللجان الثورية ، أو من أعضاء مؤتمر الشعب العام وذوي النفوذ لتوفير السلع الناقصة استثناء للمستهلكين من ذوي المراكز والرتب في أجهزة النظام الحساسة و أيضا لغيرهم من ذوي النفوذ والسطوة المؤيدين لنظام سرت الشر، وعندما تصل الأزمة إلى قمة ضغطها على الناس يتم التدخل من قمة سلطة النظام الشمولي ، المبني على تركيز السلطة الانفرادية تشريعيا وسياسيا و إداريا في يد المستبد الأعلى ، وتصدر التعليمات دائما من قمة هرم السلطة إلى أمناء اللجنة الشعبية المختصين بحل الأزمة، ويعود عرض السلع بعد شهرين أو اكثر من بداية الأزمة إلى أوضاعها العادية، وينخفض السعر إلى ما هو قريب إلى السعر الأصلي ، ويؤكد ذلك الاحتكار من قمة السلطة للسلطة الرقابية السياسية على اللجان الشعبية، وانه لا تحل الأزمة إلا بعد أن يتم حصاد المستغلين والمتربحين منها لفروق الأسعار والرشاوى النقدية والعينية للمسئولين عن حماية الشعب من الاستغلال والابتزاز، ويجني المستغلون والمتربحون ،خلال المنحنى التطوري للازمة عدة ملايين من الدينارات يستولي على معظمها نفر لا يتجاوز عدد أصابع اليد من المستوردين أو التجار المنتمين لنظام سرت البغاء والمندمجين عضويا مع أركان ورموز السلطة الشمولية ، و أبنائهم و أقاربهم المتربحين من المناصب العامة، وتمر الأزمة دون محاكمة أو محاسبة أحد وذلك بعد أن تتضخم حسابات المستغلين السرية في البنوك الأجنبية دون جهد من الاستثمار البشع للنفوذ السياسي والإداري وتحقيق الريع السياسي ، وبعد أن يوهم النظام الشعب بأنه قادر على حل مشاكل الجماهير والحرص على مصالحه ،وحمايته لذوي الدخل المحدود، بينما الواقع المعيش يؤكد أن الغارم والمعذب هو الشعب البائس والمسكين الذي تمتص المافيا الاستغلالية الجديدة ماله وتستنزف عمره المعذب كل يوم!! ومن ثم أصبحت تختلف الأزمات بكل الطرق،حيث ساد الانغلاق وتحكم السلطة البيروقراطية في الاستيراد والعملة الصعبة والاستهلاك للسلع والخدمات باسم "الجمعيات تحت شعار "لا حرية لشعب يأكل من وراء البحر" ، والتي كانت في حقيقتها رأسمالية "القيادة التاريخية"!! التي دأبت على نهب ثروة الوطن باسم التأميم،ناهيك عن احتكار الاستيراد والمقاولات وقد تحقق له ذلك باندماج السلطة الاقتصادية في السلطة السياسية للاستيراد تحت القيادة الانفرادية للصقر الأوحد بمعاونة مراكز القوى السلطوية التي يدير بها البلاد بلا حسيب أو رقيب، ومن بين السلع العديدة الشهيرة التي كان أغلبية المواطنين يتهافتون عليها بالواسطة أو يحصلون عليها من السوق السوداء من حاملي أذون الصرف وإيصالات الحجز رغم رداءة صناعتها شكلا وموضوعا هي الثلاجات وإطارات السيارات ، والبطاريات، وقطن وأقمشة التنجيد والأسمنت وحديد التسليح، بل والسكر والصابون، والدجاج والبيض ولبن الأطفال ، والأدوية المستوردة، والملابس الداخلية والجلاليب والأجهزة المنزلية!! قالك دولة!! "لا حرية لشعب يأكل من وراء البحر" !!

وقد أدت هذه الأوضاع التي فرضتها سياسات وأساليب قادة السلطة الاستبدادية والاستغلالية إلى نشوء ظواهر تجار الشنطة والتراخيص حيث اصبح عدد هائل من شاغلي الوظائف والمناصب العامة من أهل الثقة في كوادر اللجان الثورية والمكاتب الشعبية في الخارج التي لها بحكم وظيفتها حق السفر للخارج والعودة بصحبة سلع لا تخضع للتفتيش الجمركي مثل باقي المواطنين تجار الشنطة يحملون بضائع وسلع يعز وجودها في الداخل نتيجة الأزمات التي يفرضها الاستبداد،ناهيك عن الانغلاق الاقتصادي ورأسمالية شراذم "القيادة التاريخية" سواء لحساب أنفسهم أو لغيرهم ومن ثم نشأت تجارة سرية دون رقابة أو ضرائب تمثل نسبة هائلة من الاقتصاد السري الانتهازي الناشئ في أحضانها ،حتى تكونت المافيات المتخصصة في هذه التجارة السرية والثراء على حساب الشعب. وقد تعودت الفئات ذات التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية في الوطن على تمييزها بالاستثناءات من الجمارك وقوانين الاستيراد والعملة والتجارة، و الاستعانة بالوساطات وتعلم الرشوة وفساد وإفساد الضمائر وعدم الانتماء الوطني و إهدار كرامة وهيبة المناصب العامة والوظائف التي تشغلها في سبيل التميز في الحصول على السلع المطلوبة دون عناء ، ولم يتوقف هذا الانفلات الاقتصادي الحالي،لكونه يشكل سياسة دائمة لإبقاء السلطة الشمولية من خلال وسائل الإفساد في ظل الأزمات الدورية المصاحبة للاستبداد لتحقيق الولاء والتربح والثروة على حساب الشعب.!!

د/ جاب الله موسى حسن

 

allah60@yahoo.com

 

*أستاذ مشارك  بجامعة تكساس الجنوبية.

*عضو لجنة تطوير المناهج بجامعة تكساس الجنوبية.

* عضو بلجنة التظلم بجامعة تكساس الجنوبية.

* أستاذ علم الحوار ومعايير الجدل في كلية مقاطعة هاريس الشمالية.

* أستاذ  الخطاب  المهني لرجال  الأعمال كلية هيستون.

 

  أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.