
د/ جاب الله موسى حسن
13/04/05
|
صناعة تعليب الوعي!!
تعتبر عملية تعليب الوعي وصناعة النمط وتشكيل العقول وصبها في قوالب معده سلفا لخدمة أهداف نظام حكم بعينه وتطويع الجماهير لأهداف خاصة وتدمير الصحة العقلية لهم وشل قدرتهم على التفكير العلمي المستقل هي آخر جريمة إنسانية يمكن أن يرتكبها نظام حكم ما في حق شعبه!!
وعملية تعليب الوعي وصناعة النمط وتسيس العقول بدأت أيام العهد النازي في ألمانيا ونجحت إلى حد كبير في شل القدرة على التفكير المستقل عند شعب عريق كالشعب الألماني واستطاعت أن تجر الملايين منه طائعين مختارين أو على الأصح مخدرين بالدعاية المنظمة إلى مذبحة الحرب العالمية الثانية .لكي يرتكبوا أفعالا اصبحوا هم أنفسهم يعجبون بمجرد أن زال عنهم سحر الدعاية وتخديرها كيف رضوا لأنفسهم أن يرتكبوها؟ وكانت تلك أول تجربة عملية من أجل تشكل عقول البشر ونزع قدرتهم على التساؤل والمقارنة بالتدريج حتى تستسلم آخر الأمر لكل ما يلقنها إياه نظام الحكم القائم. ولم يعد غريبا على أبواق الدعاية القذافية كما يؤكد هربرت شيلر في كتابه المتلاعبون بالعقول أن بنية الثقافة الشعبية التي تربط عناصر الوجود بعضها ببعض وتشكل الوعي العام. هذه البنية أصبحت في الوقت الحاضر منتجا يتم تصنيعه ولا عجب!!
أن التعليم والإعلام في طليعة صُناع النمط عندنا في جماهيرية سرت الشر حيث يضع التعليم ،التلميذ في إطار مرسوم من المناهج وحفظ المقولات السياسية،إطار لا مجال فيه لاختيار الفرد أو ممارسة مواهبه الخاصة ولا مكان فيه لهواية شخصية متميزة . ويصوغ الإعلام "الجماهيري" فكر المتلقين وقيمهم وسلوكهم بما يقدم لهم من أنماط في الثقافة السياسية وتثوير المناهج. ولقد عمد نظام سرت البغاء منذ عام 69 إلى فكرة تعليب الوعي وتنميط الجماهير من خلال تلك المقولات التي ابتدعتها النظرية الثالثة . وادعى صاحبها أنها الأسباب الحقيقية التي اضطرته ودفعته لاقتناص السلطة والجلوس على سدة الحكم!!
وإذ كان لوسائل الإعلام كما هو معروف الدور الضخم في تعليب ذلك الوعي الزائف في عقول الجماهير إلا أن التلفزيون كوسيط إعلامي كان له النصيب الأكبر بعد الإذاعة والصحف في عملية التنميط من خلال ترديد الأناشيد والمقولات البراقة والجوفاء حيث خلص في نهاية الأمر إلى تحديد مفاهيم ومعتقدات ومواقف, بل وسلوك الجماهير وفق هوى نظام سرت الظلام وطبقا لرؤاه. ويعد ذلك الجهاز الآن باستخداماته في الاتجاه السلبي اخطر أدوات السيطرة في يد أجهزة القذافى القمعية لدرجة يصل فيها الأمر إلى حد ضمان ردود أفعال الجماهير في مختلف المواقف الحياتية .حيث تم تعليب وعى المواطن وتنميطه بطريقة تجعله غير قابل للإصلاح أو التعديل بسهولة ,بل جبل على الجبن والذل والهوان!!
أن السيطرة القائمة على التضليل الإعلامي، ودور الإعلام في تكوين الأمنيات لدى المواطنين تهدف إلى غرس روح السلبية والجبن والخنوع ومن ثم تلاشى حلم التغيير والإصلاح الشامل داخل العقول .ودور أجهزة الإعلام و أدواته في خلق النزعة التشاؤمية التي أدت بدورها إلى تكريس الوضع القائم ومحاولة تثبيته،ناهيك عن إصرار مضللي الوعي وسائسي العقول على تقديم المواد الإعلامية المخدرة والمسممة والمفخخة.وكذلك دور الأجهزة القمعية في تكوين الطبائع الذل والانهزامية بشكل يحاصر المواطن من كل اتجاه. وأنماط المواد الإعلامية التي نشاهدها عبر القناة الليبية تفرض على المواطن الليبي الرضا بالقهر والذل والمهانة، كذلك تنميط الجيل الصاعد من أبنائنا في المدارس ومعسكرات "سواعد وأشبال الفاتح" من خلال الكبت والإذلال والتلقين على احتمال القهر السياسي والاجتماعي بعد التخرج من هذه المعسكرات حتى لا يثوروا ضد النظام أو التفكير في رفضه أو التمرد عليه .هي أمور لابد وان تجد اهتماماً بالغا من النخب المناضلة الواعية في هذا الوطن الذبيح !! د/ جاب الله موسى حسن
أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()