
د/ جاب الله موسى حسن
25/04/05
|
لماذا وقف القذافي ضد محاكمة مجرمي مذابح دار فور؟!!
إحدى سيئات المنهج المتشنج في التفكير السياسي انه يؤدي إلى تبسيط شديد للأمور فهو غالبا لا يرى غير خير وشر،أو مساحات سوداء وأخرى بيضاء بلا لون رمادي.. ويعتبر أصحابه أنفسهم ممثلي الخير دائما ويرون في مخالفيهم الشر المطلق ، ولذلك يقترن هذا المنهج عادة بأحادية سياسية ورفض التعدد والاختلاف ولا ينسجم مع الديمقراطية!!
ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا إيجابيا على المستوى الشعبي في بعض دول الجوار العربية مثل مصر في اتجاه تراجع هذا المنهج على الصعيد الداخلي أي في العلاقة بين الاتجاهات السياسية والفكرية المختلفة ،إلا أنه ما زال قائما ومؤثرا في توجيه علاقة القذافي مع الخارج.أم الداخل فحدث ولا حرج!!القذافي ينظر إلى الغرب وخاصة الولايات المتحدة،كشر مطلق جامع مانع لا يمكن أن يصدر عنه أي خير ولو على سبيل الاستثناء!! وكل ما يقوم به القذافى حاليا من أنبطاحات وانكسارات فهي ناتجة عن النظرية القائلة "بأن القذافى يخاف وما يختشش"!! أو ما يردده أهالي البطنان بعد نهاية كل حديث "سهراية" لا الله إلا الله الخوف اكويس"!!
فإذا تحركت الولايات المتحدة ضد نظام حكم متوحش يقوده مجرمو حرب بكل معنى الكلمة ويشن حرب إبادة ضد أهالي دار فور الأبرياء في السودان، لا يجوز أن يكون هناك أي شيء إيجابي في هذا التحرك. فهو كأفعال الشياطين لا يحقق أي خير. ولا مانع من الوقوف في صف مجرمي الحرب السودانيين طالما انهم معادون لأمريكا. ولا يرى أصحاب هذا الموقف المتشنج في الصورة الراهنة في السودان إلا عدوانا أمريكيا على السودان. أما ذبح وتهجير أهالي دار فور فهو خارج الصورة؟ أو على هامشها في افضل الأحوال. ولا نجد لدى أصحاب الموقف المعادى لأمريكا ما يفيد أن هؤلاء الذين يتعرضون للإبادة بشر، ناهيك عن أن تربطنا بهم صلة باعتبارهم أفارقة ومهيضي الجناح ،أو حتى لكونهم مستضعفين بائسين يستحقون التعاطف.!! لا حول ولا قوة إلا بالله!!
ويحس المرء بالخزى والعار عندما يجد في الولايات المتحدة ودول أوربية مشاعر إنسانية اكثر حرارة تجاههم مقارنة بما نجده لدى القذافي عبر إظهاره العداء لأمريكا حتى في السودان. ولان المنهج المتشنج هو بطابعه تبسيطي ، يستعصى عليه أن تجتمع دوافع استراتيجية وإنسانية في عمل واحد. ولذلك يقول أصحابه أن الأمريكيين لم يتدخلوا في السودان إلا لتحقيق مصالحهم . وهم يعنون بذلك أن المصلحة الأمريكية لا يجوز أن تجتمع مع إنقاذ أهل دار فور سياق واحد. وإذا تأملنا هذه المقولة نلاحظ أنها تضفى على المصلحة دلالة سيئة بالضرورة .فأنت تسعى إلى تحقيق مصلحتك ..أذن أنت سيئ بالضرورة وهذا تبسيط شديد لمفهوم المصلحة. فهناك مصالح مشروعة هي الأساس في حياة البشر وعملهم وتنافسهم .ولكن المنهج المتشنج يرادف بين المصلحة وبين العمل غير المشروع أو الأنانية أو الاستغلال ولذلك يسود هذا المنهج في الفكر الثوري القذافى التشنجي !!
ومما يؤسف له أن هذا الفهم البسيط لموضوع المصلحة اثر على عدد من مثقفي السلطة الذين شوهوا تاريخ الوطن ونضاله الوطني وانتزعوا افضل دستور في تاريخه كله. حيث ذهب هؤلاء من أمثال رجب أبو دبوس وعلى فهمي أخشيم اللذين طعنوا في خيارات الوطن من منظور طبقي ساذج بحرمان الأعيان و أصحاب الرأس المال الوطني من وطنيتهم دون بحث أو تمحيص. وتعلق هؤلاء بتعبير "أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة" الذي أطلقه تنظيم ضباط الوحدويين الأشرار على أنفسهم باعتبارهم أوصياء على الشعب والوطن. ولو انهم اجهدوا أنفسهم قليلا لعرفوا أن هذا التعبير تم استخدامه للرد على الحركة الوطنية المناهضة للضباط الأشرار التي يسيرها من له مصالح حقيقية في عزة الوطن ورفعته !!
تعبير "أصحاب المصلحة الحقيقة في الثورة!" الذي روج له انقلابيو سبتمبر جاء نتاجا للمنهج المتشنج الذي ما زال غالبا في فهم طبيعة العلاقة مع الغرب. فالعلاقات الدولية تقوم في الأساس على المصالح ولكن هذه المصالح ليست كلها مادية لان بعضها أخلاقي وقيمي فانتشار مبادئ العدالة والديموقراطية والحرية والمساواة وقيم الخير والتسامح والتعايش السلمي مع الأخر المختلف يمكن أن يحقق مصلحة شعبنا في التطلع إلى لحرية والكرامة. كما أن الحفاظ على قدر معين من المصداقية هو نوع من المصالح الأخلاقية!!
ولذلك يجوز أن تجتمع مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة في أفريقيا مع سعيها إلى منع إبادة أهالي دار فور وفى هذه الحالة قد يكون تدخلها عسكريا على راس عملية حلف الأطلنطي تدخلا استراتيجيا مصلحيا وإنسانيا في الوقت نفسه.ويحدث هذا التلاقي لان نجاح طغاة الخرطوم في إبادة أهالي إقليم دار فور وتشريد سكانة سيهدد استقرار القارة الأفريقية كلها لسببين :أولهما أن إفلات مجرمي مذابح دار فور من العدالة الدولية سوف يشجع الطغاة الآخرين من أمثال القذافى على مزيد من الاعتداءات على شعبهم وجيرانهم طالما أن أحدا لا يتصدى لجرائمهم. وثانيهما أن المهجرين من هذا الإقليم سيكونون عنصر تفجير للدول المجاورة إذا بقوا فيها. ولذلك تلتقي مصلحة أمريكا في الحفاظ على الاستقرار في أفريقيا مع حماية أهل دار فور وإنقاذهم من الإبادة و إعادتهم إلى الإقليم المنكوب. وما يثير الاستغراب أن يكون إدراك ذلك صعبا إلى الحد الذي يدفع القذافي إلى الوقوف فعليا مع عملية إبادة وحشية لبشر لا حول لهم ولا قوة. فاتخاذ موقف مستقيم ضد بربرية طغاة الخرطوم لا يعني تأييد السياسة الأمريكية في كل مكان وزمان. والإقرار بان هناك جانبا إيجابيا في عملية حلف الأطلنطي ليس عارا من منظور موضوعي يميز بين الصواب والخطأ ،وليست هناك دولة مثلما لا يوجد إنسان على حق دائما أو على باطل في كل وقت. وإذا كان هناك باطل أو خطأ أكيد فهو في الأحكام المطلقة الجامعة المانعة التي يتسم بها المنهج المتشنج الذي يتزعمه القذافي!! د/ جاب الله موسى حسن
أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()