منبر الكتّاب

30/04/05


 

 

 مصارعة عقارب الساعة !

 

 الوقت عند الإنسان الليبي .. ما قيمته ؟! .. وكيف يُحسب ؟! .. ولماذا هو منصرم دائما من وجهة نظره ؟! .. وهل نحن بالفعل جادون فى صراعنا مع عقارب الساعة .. أم هو صراع من جنس "مصارعة طواحين الهواء" ؟! .. حول هذه التساؤلات كتب الأستاذ سالم العوكلي المقال المرفق.. وفيه لمس ـ فى تقديري ـ مكمن من مكامن الخلل فى الشخصية الليبية (التى يبدو أن العوكلي لن يمل من وصفها بالمرتبكه ).. وسبب توقفي عند ما كـُتب شعوري بوجود نوع من الإتفاق فى التفكير ـ على الاقل ـ مع هكذا ظاهره .. شعور ينتابني وأنا أراجع نفسي قبل أن أسترق البصر الى ممارسات الأخرين .. وإذا كان العوكلي قد أسهب فى الحديث عن مظاهر تلك العلاقة فى مساحات عامة يرقب نشاطها داخل الوطن .. فسأضيف بعض مظاهرها فى الرقعة السياسية .. وسأتجنب الحديث عن مظاهر ذلك عند النظام الحاكم  ليس لأنه فوق النقد .. او لأنه مُنزه عن الخطأ .. بل تحاشيا للإطالة والتكرار من جهة .. ومن جهة أخرى لأن الحكاية وصلت الى مرحلة العبث التى لا يجدي معه النقد ولا حتى التثريب .. وبناء عليه سأتحدث  عن المهجر .. فهنا تشعر وأنت تشاهد سرعة الدفع ببعض الأوراق السياسية الى الأمام وكأن الزمن سيتوقف بعد لحظات ! .. أو أن عقارب الساعة تشير الى أزوف ساعة " الصفر" المنتظره .. فى الوقت الذى نعرف جميعا أن هناك متسع من الزمن ـ تمليه تقديرات حقيقية للمعطيات.. والظروف.. والقدرات التى يتوافر عليها هذا العمل أو ذاك ـ من الممكن الإستفادة منه لتحسين الأداء أو للتقليل من نسب الأخطاء .. لأننا ببساطة نعي أنه بمجرد إنتهاء المنشط السياسي غالبا ما تطل بشائر الركود.. وبالتالي لا وجود لمطاردة متوهمة من شيء إسمه الوقت .. بالوصف والطريقة التى تـُحكى بها فصول أسطورة السيف  .

 

ونفس الشيء ينطبق على كتابة البيانات أو العرائض أو المذكرات .. فتجدها تخرج عن مناسبتها بصورة تعسفية .. وتـُحشر فيها مطالب ورغبات غير منسجمة مع الحدث .. وكأنها الوثيقة أو العريضة الأخيرة قبل قيام الساعة .. رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها !! .

 

والحديث عن العلاقة القلقة ( أو المرتبكه على رأي العوكلي ) بين الوقت والإنسان .. يجرنا للحديث عن مخلفات وأثار تلك العلاقة .. ولعل من أبرز الأثار التى تصيب الأعمال ـ تحت ذريعة نفاذ الوقت ـ وتجعلها غير ناضجة بالقدر الكافي.. وبالتالي تأتي على خلاف المتوقع أو المُبشر به ( فكما يقال : من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ) .. أقول لعل أبرز أثارها هنا هو مزيد من الإحباط .. ومزيد من فقدان الثقة بالنفس أو بالأخرين .. وهو وإن كان عاملا سيكولوجيا ـ وغالبا ما يكون غير مقروء على الورق ..وعادة ما يسقط من حسابات الخطأ والصواب ـ إلا أنه فى تصوري أعنف وأخطر الأثار الناتجة عن ضغوط فلسفة " الوقت كالسيف " عندما تدفعها العاطفة ويغيب عنها العقل.. أو عندما تنصاع لمنطلقات تكتيكية.. وتغفل عن المنطلقات الإستراتيجية  (1) .

 

وإذا كنا نصّر على أن الوقت كالسيف .. فلا أقل من أن يكون سيفا ذا حدّين .. فعندما يُمنح الوقت بالقدر الكافي ودون تقتير يكون جزءً من معادلة الحل ..أما إذا أختصر بدعوى التعجل فعندها سيضاف بكل تأكيد الى الجزيئات المكونه للمشكلة .. والموفق هنا من وفقه الله لقراءة المعطيات المحيطة بالحدث .. بالنظر الى القدرات الذاتية .. ونتائج التجارب الإنسانية .. لرصد وحساب الوقت الأصلى وما يمكن وصفه بالوقت بدل الضائع من أجل تعاطي مريح مع المستهدفات.. وهذا لا يحدث إلا بعد تحويل المفردات السابقة الى أرقام تجعل نسبة الخطأ أقرب الى الصفر منها الى المئة .

 

لن أطيل أكثر من هذا .. وما لم أذكره أعلاه تركته لما فى أسفل هذا العنوان :

        

" هذا الــــزمن "

بقلم / سالم العوكلي

 

 (... غريبة علاقة الليبيين بالزمن ومرتبكة ، فهم أكثر الشعوب استعجالاً ، وفي الوقت نفسه الأكثر إهداراً للوقت ، ومابين هاته النقائض كانت علاقتهم بالزمن تزداد تأزماً وفصاماً قد يرجع إلى خلل في العلاقة مابين الزمن الداخلي للفرد الذي يعتقد بإمكان السيطرة عليه وضبطه ، والزمن الخارجي الجماعي الذي يبدو مفروضاً عليه ومبرمجاً دون إرادته ، وهذه الازدواجية يمكن رصدها في الايقاع اليومى لحياة المواطن الليبي المستعجل الذي غالباً مايطلق زمور سيارته مستعجلاً بمجرد أن يضيء اللون الأخضر ليكتشف بعد تجاوزه للإشارة أنه في حالة فراغ ولايدري إلى أين يذهب ٠٠ الليبي الذي يصرف ساعات في إعداد وجبة من صنف واحد فيلتهمها في أقل من خمس دقائق ٠٠ الليبي الذي يطارده هاجس بأن لا وقت لديه ولايفعل شيئاً ٠٠ الليبي الموظف الذي يعلق في مكتبه ساعة معطلة ويافطة مكتوب عليها الوقت كالسيف ويؤجل معاملتك لأسابيع كاملة ٠٠ الليبي المثقف الذي عادة مايظهر في الندوات الثقافية بمقدمة تسبق ورقته النقدية يشير فيها إلى كتابة هذه الدراسة في عجالة وأنه لم يكن يملك الوقت الكافي ٠٠ الليبي في إذاعتنا الليبية التى كثيراً ما يقدم الأغاني غير مكتملة والمسلسلات دون قائمة منفذيها ٠٠ ويقدم »موجزاً« للأنباء يستغرق ساعة ٠٠ هو الليبي نفسه الذي يستغرق نصف ساعة في الترحيب والسؤال عن الصحة بشكل مكرر ويعتذر عن قراءة مقالة طويلة بعض الشيء ، وربما هذا هو المنحى نفسه الذي جعل الأستاذ علي حمزة يطالب بالاختصار الشديد في المقالات باعتبار »أن القارىء ليس لديه وقت لقراءة صفحة أو نصف صفحة« كدعوة لكتابات من نوع الفيديو كليب التي لاتقول شيئاً في أقل مساحة زمنية ممكنة ، رغم أنه من المفروض أن تكون المقالات في صحفنا الليبية »بالذات« طويلة ما وسعها ذلك باعتبارها ستكون كفيلة بتبديد أوقات فراغنا التى تقضيها في المطار في انتظار طائرة قد تتأخر يوماً كاملاً ، أو في عيادة طبية حيث تقضي ساعات كاملة في انتظار دورك ، أو في حافلة متهالكة تمخر على مهلها طريقاً صحراوياً طويلاً في قارة اسمها ليبيا يلتبس فيها الزمن ويتأرجح بين السيف والسلحفاة في حياة يومية مرتبكة تبدأ بضجيج المنبهات وتنتهي بابتلاع المهدئات ، وهو ارتباك قد يكون ناتجاً عن ارتباك آخر في علاقتنا بالمكان ربما يكون موضوع مقالة قادمة إذا وجدت لها وقتاً ...) إنتهى ( 2 ) .

 

وما لم يقله العوكلي فى مقاله هو : صديقي السياسي لا تسرع فالزمن لصالحك ! .. ولا تبطئ فيفوتك القطار ! .. وأبتغي بين ذلك سبيلا .

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وهذا لا يمنع من وجود اناس يعملون وفق معايير جيدة ومقبولة وينجزون بعض الأعمال التى نقرأ أو نسمع عنها .

2ـ المقال منشور فى الملحق الثقافي لجريدة الجماهيرية بتاريخ 29 أبريل 2005م .

  

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.