الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

01/04/05


 

وجهة نظر ليبية فى الوحدة المغاربية

 

بقلم : عبد المنصف البوري

 

 

انتهى القرن العشرين بسلسلة متلاحقة من الأحداث والتطورات السريعة لعل أكثرها مفاجأة وإثارة يتمثل فى التغيرات الكبيرة التى تمت في الإتحاد السوفيتى ، وما تبعها ذلك من إنهيار سريع للأنظمة الحاكمة في دول أوروبا الشرقية الواحدة تلو الأخرى بصورة فاقت توقعات كل المراقبين وربما أذهلت بعضهم .

 

وبسقوط هذه الأنظمة ـ غير المأسوف عليها ـ تم دق المسمار الأخير في نعش الحكم الشمولي أحزاباً وحكاماً ، ولم يبق لنا سوى محاولة فهم المغزى الهام الذى تنطوى عليه هذه الأحداث التى حركت الجماهير في هذه الدول لمواجهة الطغيان .

 

هذه التطورات الخطيرة التى يجب ألا ينظر إليها بمعزل عن بعضها البعض ، وألا نتعامل معها كما لو كانت بدون تأثير على مكونات الواقع المحيط بها أو الغير محيط بها . بل يجب النظر إلى أسبابها الحقيقية ، وربطها تاريخياً بالقضايا الأبعد مدى كالحاكم الفردي ، وإحتكار السلطة ، وممارسة القمع ضد الشعوب .

 

إن أهمية هذه الأحداث ينبغى أن تتجلى لصانعي السياسة في دول المغرب العربي وهم يصرون على التعامل النظام البدائي القائم في ليبيا ، لفهم دلالاتها الحقيقية ، فهى توضح بدون تزييف أو تعتيم مشاعر السخط والتذمر لدى الشعوب على الأنظمة الفردية والشمولية التى ظلت تمارس القمع والفشل وتحتكر السلطة باسم الشعارت التى فقدت مصداقيتها إلى الأبد .

وفي هذا السياق نجد أسئلة كثيرة تطرح نفسها على بساط البحث فيما يتعلق بمصير الوحدة المغاربية فى عقد التسعينات وهى :

 

  • هل يمكن أن تبقى العلاقات سواء بين الأنظمة والحكام رهن سياسة الأمر الواقع المفروض باسم ممارسة الواقعية السياسية ؟

  • أم يجب أن تأخذ في حسبانها مصلحة الشعوب ، من وجهة نظر الشعوب وليس من وجهة نظر الأنظمة والحكام ؟

  • وهل تكفى النظرة البرجماتية وحدها ، ونقصد بها المصلحة الآنية في تأسيس وإقامة علاقات وطيدة ومتينة بين الدول والشعوب ، أم هناك مستجدات من الظروف والمتغيرات لابد وأن تؤخذ في الحسبان ؟

  •  وهل يمكن بناء مستقبل شعوب منطقة المغرب العربي في إطار توازن من الحرية والمشاركة السياسية ، أم أن الأمر قد يكون على حساب شعب من الشعوب ؟

 

إنه مهما يكن تقديرنا للأسباب التاريخية والاجتماعية والسياسية التى تقف وراء هذه التغيرات والتقلبات الجديدة ، إلا أننا ينبغى أن نقر بأن عقدي الثمنينات والتسعينيات قد أستوعبا كل عقد من العقود السابقة وتجاوزاها ، فقد هُدمت أبانهما كيانات ، وتخلخت إيديولوجيات ، ليتبقى منها ـ فقط ـ مايتمشى مع نسيج القرن الواحد والعشرين .

 

فإذا كان منطلق صانعي السياسة في تونس والجزائر والمغرب ـ خلال المرحلة السابقة ـ في التعامل مع القذافي ونظامه ، قد تم في إطار سياسة التسليم بالأمر الواقع المفروض ، ومحاولة بناء الجسور على هذا الواقع بكل المخاطر التى يحملها ، وبدون تلمس لجوانب الأزمة التى يعانيها هذا الواقع ، فإن ذلك قد يجعل المستقبل يتأرجح بين مزيد من الخلاف وبين الاتجاه نحو التفتت والتشرذم .

 

إن ممارسة الواقعية السياسية دون تشخيص لمظاهر الاختلال التى يتخبط فيها النظام السياسي في ليبيا واقتراح سبل تصحيح هذا الاختلال قد يترتب عليه نتائج وخيمة خاصة في القرن الواحد والعشرين ـ المشبع بالضغوط والتحديات المختلفة ـ لأسباب ثلاثة :

 

أولها: الهوة العميقة التى جسدتها التحولات التى طرأت على شكل النظام السياسي في دول الجوار الجغرافي ، وعلى وجه الخصوص في تونس والجزائر ، فضلاً عما هو موجود في المغرب ، وبين الواقع السياسي المزري الذى يعيشه الشعب الليبي الآن تحت الحكم الفردي البدائي .

 

وثانيها:  مشاهدة المظالم التى ترتكب كل يوم ضد الشعب الليبي دون أن يكون لها رد فعل من قبل الأنظمة المجاورة التى خطت نحو الديمقراطية ، لابد وأن تشكل فى وجدان هذا الشعب صورة مغايرة عما ينبغى أن يحدث ، وقد تكون له انعكاساته السلبية على مواقف الليبيين من أنظمة المغرب العربي .

وثالثها : التيارات السياسية والاجتماعية التى تتفاعل في دول المغرب خاصة في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا فضلاً عما هو قائم في مصر سوف تنتقل آثارها إلى ليبيا عاجلاً أم آجلاً فتصطدم بالواقع القمعي ، ويصبح من العسير بعد ذلك على أي قوة منع الصراع الدموي الذى قد ينشب نتيجة الاخفاق في إجراء التغيير الديمقراطي السريع والملائم الذى يستوعب الظروف والمعطيات المتغيرة بكل امتداداتها وتشعباتها ، ولعل في تجربة أوروبا الشرقية مثال حي يمكن أن تتطور إليه الأحداث وتصل إليه النتائج .

 

إن ممارسة الواقعية السياسية مع العجز في التعرف على مصلحة الشعوب من وجهة نظر الشعوب نفسها يعنى الاستمرار في الاعتماد على آليات وأساليب وممارسات لا تلبى المطالب الأكثر حيوية والأكثر أولوية في القرن الواحد والعشرين . وأهم هذه المطالب يتمثل في توسيع دائرة المشاركة السياسية والشعبية عبر السماح بقيام التنظيمات السياسية في ظل تعددية تحمى حرية التعبير والفكر والرأي ، وتدعم دور الصحافة الحرة ، وتعمل على تحقيق التجديد الحضاري والثقافي ، وإقرار العدالة الاجتماعية ، والسعى من أجل إرساء التنمية الاقتصادية المستقلة .

 

فإذا كان الشعب الليبي لم ينجز أي من هذه المطالب التى تحقق مصالحه تحت حكم العقيد القذافي ، فكيف يمكن للواقعية السياسية أن تنجز أهدافها في ظل مصادر كامنة وقابلة للاستنفار والانفجار في أية لحظة .

 

من الطبيعي أن تتفاوت درجة هذه التحديات التى يفرضها القرن الواحد والعشرين من دولة إلى أخرى ، كما تتفاوت درجة ردة الفعل من شعب إلى آخر ، ولكن لا يمكن القول بمناعة أية دولة من التأثيرات المتساقطة عليها من خارج حدودها ، ومن هنا فإن العلاقة بين الأنظمة الحاكمة أو بين الحكام لا يمكن لها وحدها أن تكون علاقة مستمرة وثابتة يخطط على أساسها مستقبل شعب من الشعوب أو مستقبل الشعوب كلها .

 

وفيما يتعلق بالنظرة البرجماتية الصرفة التى يراد لها أن تحكم العلاقة بين أقطار المغرب العربي فانها قد لا تكون كافية لتجنب مخاطر عديدة غير منظورة على المدى القريب ، ولا يمكن تبين معالمها بدقة في فترة قصيرة ، وإذا تصور صانعوا السياسة في دول المغرب العربي بأن المهم في سلم أولوياتهم هو التخفيف من عبء المشكلات والأوضاع الاقتصادية القائمة في بلدانهم عبر سياسة (فن المعارك) التى ترتكز على الاستفادة الاقتصادية من الوفرة المالية التى تمتلكها ليبيا ، فإن ذلك قد لا يعد ممكناً على المدى البعيد لسببين :

الأول: إن هذه العلاقة ستكون دائماً رهن توجهات السلطة السياسية الحاكمة في ليبيا وهى ممثلة في العقيد القذافي الذى عرف عنه عدم الاستقرار في أي علاقة . وهذه الحقيقة ضمن حقائق أخرى ، تجعل الأمر كله مرهون بيد شخص وليس بيد أجهزة ومؤسسات يمكن الاعتماد عليها .

 

والثاني: إن القرن الحالي سيفرض على كثير من الأنظمة والدول ظروفاً وشروطاً مستجدة سواء بفعل عوامل خارجية أم داخلية أو كلاهما ، وعلى ضوء هذه المستجدات سوف تتحدد النتائج التى قد لا تكون بالضرورة مبنية وفقاً للمصالح المختلفة وإنما وفقاً لمدى تأثير الشروط والظروف المستجدة .

 

وبالتالي ينبغى أن تكون النظرة إلى العلاقة مع الشعب الليبي أكبر وأشمل من العلاقة البرجماتية مع النظام القائم فى ليبيا ، وذلك بغض النظر عن ماهية وطبيعة هذا النظام .

 

إن ملامح هذا القرن تدل على أنه سيكون قرن التفوق الاقتصادي ، وليس قرن التفوق العسكري ـ أو قرن القوة العسكرية بمعناها التقليدي ـ فكل المؤشرات تفيد بأن الغلبة ستكون للقوى الا قتصادية ، فلقد برزت اليابان كقوة إقتصادية منافسة للولايات المتحدة والغرب عموماً ، وبدأت الوحدة الأوروبية كقوة إقتصادية تأخذ شكلها النهائي ، وأتجهت دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتايلاند والهند نحو مسارات إقتصادية واعدة ، وفي جميع الحالات كان الاستقرار السياسي المشبع نسبياً بجو الحرية والممارسة الديمقراطية والانفتاح الاقتصادي وبناء المؤسسات والهياكل والأطر القادرة على تحقيق البناء الاقتصادي عنصراً مهماً ، ولعل ما جرى فى العقود الأخيرة من القرن العشرين في كل من الصين والاتحاد السوفيتي ، ثم ما تم من تغيرات في أوروبا الشرقية هى مؤشرات على تصحيح المسارات السياسية من أجل التحضير لبناء إقتصادي جديد .

 

فإذا كانت هذه بعض ملامح هذا القرن على المستوى الاقتصادي ، فأننا فى هذا المضمار سوف نجد التساؤلات التالية تطرح نفسها على سياق الموضوع : 

  • كيف يمكن لأقطار المغرب العربي أن تبنى علاقات إقتصادية يراد لها الاستمرار والدوام مع نظام هو ضد الاستقرار السياسي والاقتصادي ، وضد بناء المؤسسات والأطر ، وضد أجواء الحرية والممارسة الديمقراطية ؟ .

  • كيف يمكن لأقطار المغرب العربي أن تبنى علاقات مع نظام لا يقوم أصلاً على الترشيد والعقلانية ؟

إن بناء مستقبل شعوب دول المغرب العربي ينبغي له أن ينسجم مع ملامح القرن الواحد والعشرين الذى بدأت الكثير من مؤشراته تظهر على سطح الأحداث الدولية مؤكدة بأن عصر الأنظمة الشمولية والحكم الفردي قد ولى ، وأن أجواء الحرية والانفتاح وتحطيم الحواجز والقيود بين الشعوب ونيل حقوقها السياسية ـ ممارسة وتطبيقاً ـ هى التى سوف تسود ، بل إن الأنظمة التى تبتعد كثيراً عن الاتجاه الرئيسي لتوجهات هذا القرن في المجتمع الدولي مرشحة للتصادم مع الأطراف الأخرى فيه .

 

وفي ضوء هذه الملامح لا يجدر بصانعي السياسة في دول المغرب العربي الاعتقاد بأن المسألة الديمقراطية التى فرضتها الظروف والمتغيرات المستجدة في تونس والجزائر يجب أن تقف حدودها عند البوابة الشرقية لتونس ، وبالتالي فليس من المهم الالتفات إلى طبيعة النظام السياسي ، ونوعية الحكم ، وما يجرى في ليبيا عموماً باعتبار ذلك مسألة داخلية بحتة ، لأن النتائج في المستقبل ستكون بعكس التوقعات .

 

إن التجانس في الأخذ بالنظام الديمقراطي والممارسة الديمقراطية في إطار توازن من الحرية والمشاركة السياسية أمراً غاية في الأهمية لإنجاح مشروع اللقاء في دول المغرب العربي وبالتالي فإن النظر إلى الشعب الليبي على أنه ممثل ثانوي في مسألة تطور الوعي السياسي في المنطقة قد يخلق الكثير من التعقيدات ـ غير المنظورة على المدى القريب ـ خاصة وأن التاريخ الجماعي للمجتمع البشري لا ينفصل عن بعضه البعض إزاء قضايا الحرية والديمقراطية عموماً .

 

إن الشعب الليبي قد صبر طويلاً على نظام القذافي ، وهو يرى أن السمة الغالبة عليه تنحصر في طابعه القمعي وأساليبه البدائية ، ومهما أحكم النظام قبضته لخنق الحريات ، ومهما بلغت درجة القمع التى يمارسها هذا الحكم ، تبقى إمكانية التغيير والانفجار في ليبيا قائمة على الدوام .

 

وقد يحسب البعض أن الأمور سوف تبقى وتستمر على هذا المنوال ، ولكن ما لا تضعه سلطة الإستبداد والحكم الفردي فى حساباتها ـ في سائر البقاع وعلى مر الأزمنة ـ أن السعى إلى التحرر والتغيير هى إحدى سمات قدرة الإنسان .

 

إن التحدي الداخلي الذى يولده التحدي الخارجي بسبب مستجدات ومتغيرات هذا القرن لهو كفيل بأن يخلق الوعي لدى أي شعب من الشعوب فى تجاه تعميق الدعوة إلى التغيير ، فالظروف الموضوعية للبيئة الدولية تختلف الآن كثيراً عما كانت عليه في العقود السابقة ، حيث أصبح الأمر منذ السنوات القليلة الماضية يقتضى تعديل وإزالة كل الأوضاع الظالمة التى تعانى منها الشعوب .

 

إن قادة المغرب العربي في تعاملهم مع القضية الليبية ، ومع نظام القذافي على وجه الخصوص قد أغفلوا البت في أمور كثيرة كي لا تتعقد عملية الوحدة أو الاتحاد المغربي ، ولكن قد يصبح من المحتم الآن إعادة النظر في هذه الأمور لأنها لم تعد مقبولة بمعطيات هذا القرن للمضي قدماً في المسارات ذاتها التى كان البعض يراها أصلح وأصوب فى العقود السابقة .

 

ولعل إدراك صانعي السياسة في دول المغرب العربي لحقائق واقع هذا القرن الجديد وتداعياته هو الأمر المطلوب ، لأن في هذا الإدراك يكمن الإنتقال بالواقع إلى بؤرة الوعي من أجل وقف مظاهر التدهور التى تجرى على بعض الساحات ، ولضمان وضع تصور مستقبلي متقن ، وتعامل كفء مع شعوب المغرب العربي .

 

*****

 

 

 

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.