21/08/05


 

سيف القذافي و شعار الإصلاح

بقلم: الفيتوري الحسومى

 

إن المتابع لتصريحات سيف القذافى منذ عدة سنوات و ما يحاول أن يبرزه من تحسن الأحوال السياسية و الإقتصادية و من أن مشروع الإصلاح قد أنطلق، و إغتنامه للمناسبات العديدة سواء على المستوى المحلى أو الدولى لا يجد جديدا فى تصريحاته، و حتى هذه اللحظة لم تتجاوز كونها وعود و رغم أن هناك بعض التحسن قد طرأ مع السجناء السياسين داخل السجن، و قد تم إلغاء محكمة الشعب سيئة السمعة إلا  أن كل ذلك لا يلامس أصل الإصلاح،  بل يعدو كونه مجرد ترميم لحائط لا يصلحه إلا الهدم، و رغم كثرة المناسبات التى صرح أثناءها سيف القذافى إلا أن الكثير من المتابعين للشأن الليبي يؤكدون أنها مجرد حملة علاقات عامة و تسويق لسيف حيث أنه يمر بمرحلة إعداد و تجهيز لخلافة والده فى الحكم، و لذلك يكثر من الحديث عن الإصلاح و أن ذلك من البرامج المستقبلية لليبيا، سواء على مستوى القوانيين و التشريعات سواء تلك التى تكبل الإنسان و يحاكم الشعب الليبيى على أساسها، بحيث أضحى المواطن الليبيى دائما متهما و محل ريبة من قبل السلطات الأمنية ، حتى تثبت برائته بعكس كل القوانين و الشرائع، و من هذا المنطلق يبقى الواقع بكل ملابساته داخل ليبيا بحاجة الى تغيير يتمشى و المرحلة الراهنة  يحس به كل أفراد الشعب الليبيى، و هذا لايمكن أن يحدث فى ظل الوضع الحقيقى وهو أن العقيد القذافى هو الحاكم المطلق لليبيا، و أن إخفاء ذلك تحت مسميات عدة لا تخدم على الأقل شعار سيف نفسه وهو الإصلاح، لأنه بدون الإعتراف بذلك وإجراء تعديلات قانونية تضعه فى إطاره الصحيح سوف يبقى شعاره فاقدا للمصداقية و لا يمكن الوثوق به من قبل أبناء الشعب الليبي لان تجربة ستة و ثلاثون عاما لا يمكن تجاوزها من خلال تصريحات هنا أو هناك مهما كانت مصادرها ،لأن الواقع المعاش أنه لا يوجد مسؤول يملك إتخاذ أي قرار داخل ليبيا دون موافقة القذافى نفسه ، لذلك الحل الأول أمام سيف القذافي هو أن يجد حلا قانونيا لموقع أبيه داخل الهيكل التنظيمى للدولة الليبية، و أن يتحمل مسؤوليته كاملة على ما حدث من إخفقات و ماسي للشعب الليبيى طلية وجوده على رأس السلطة ، بدون ذلك يبقى الحديث عن الإصلاح مجرد عبث و لا يصدقه أحدا .

 

أن بلد نفطى مثل ليبيا دخلها السنوي لم يقل عن خمسة و عشرين مليار دولار سنويا و عدد سكانها  لايتجاوز ستة ملاين نسمة ، و مرتبات المواطنين بها لا يتجاوزفى المتوسط مائتى دينار شهريا أي مائة و عشرون دولار و لم تطرأ أي زيادة عليها طلية خمسة و عشرون عاما ، الأمر الذى خلق نسقا إجتماعيا لم يكن معروفا من قبل داخل ليبياعلى مستوى حياة المجتمع من إضمحلال ملامح الشخصية الليبية ، و تفشى الفساد الإداري و السلبية المفرطة فى التعامل مع القضايا الوطنية و إنتشار الرشوى و المخدرات و الدعارة نتيجة للبطالة التى تسرى بين الشباب و التى تجاوزت نسبتها 35 % من عدد القوى العاملة كلها من الشباب المتخرج من الجامعات و المعاهد المختلفة.

 

إن بلدا نفطيا يغيب فيه الدور الإجتماعى للدولة من دعم لمؤسسات المجتمع و تسهيل الإجراءات الإدارية و القانونية أمام أفراد المجتمع لتأسيس مؤسسات إجتماعية فى مختلف المناشط الحيوية للمجتمع الليبي و تتغول الجهات الآمنية على كل مناحى الحياة حتى فى إطار المؤسسات الغير ربحية إن وجدت لهو الهول بعينه و لا أدل على ذلك من ترؤس سيف الإسلام لجمعية حقوقية، و ترؤس عائشة القذافى لجمعية أخري وترؤس الساعدى ومحمد للاتحاد العام للكرة وأنشطة أخرى، وهذا يؤكد تغول الأجهزة الأمنية على كل مناحى النشاط داخل المجتمع الليبي.

 

إن بلدا  نفطيا تنهار فيه كامل البنية التحتية من طرق ومدراس تكتظ بالطلاب حتى يصل عدد التلاميذ داخل الفصل الواحد أربعين طالبا، بل يصل الأمرإلى عدم وجود عدد كافى من المقاعد داخل الفصل الواحد، وإنهيار القطاع الصحى حتى تنعدم الحدود الدنيا من الخدمات الصحية التى يمكن أن توجد فى أفقر دولة من دول العالم، الأمرالذي أدي بالليبين إلى التزاحم على عتبات المستشفيات فى تونس و مصر والأردن و تحدث فيه كارثه صحية حتى يكتشف أربعة مائة و خمسون طفلا مصابون بالإيدز و لا يحاسب المسؤولون على ذلك بل تستخدم قضيتهم  وتقحم فى مناورات سياسية لقفل ملفات عالقة من مرحلة المراهقة السياسية التى سبقت.

 

إن بلدا نفطيا يعانى من أزمة سكن حادة حتى أنك تجد أكثر من أسرة و فى كثيرا من الأحوال أكثر من أسرتين تعيش فى بيت واحد، و رغم أن البيت فى كثيرا من الأحيان يفتقد المقومات الأساسية للحياة،  فلا صرف صحى ولا مياه صالحة للشرب وأن وجدت فهى فى ساعات معدودة فى اليوم و الليلة.

 

إن بلدا يعيش فى هذا العصر ويقتل فيه فى ليلة واحدة ألف ومائتى مسلم ولا تسلم الجثث إلى أهل القتلى و يحاسب المسؤولين على تلك الأفعال البريرية..؟ و لكن هل يمكن محاسبة المسؤول على ذلك ؟؟ إذا كانت الدولة الليبية تعانى من الأختطاف منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن ناهيك على السجون المكتظة بقاطنيها دون أن يكون هناك مبررا  لوجودها هناك أصلا، إلا رفضهم أن يعيشوا وفق نسقا لم يحددوه أو يختاروه بإنفسهم و رفضهم كذلك أن يتحولوا إلى عبيد لإفكار لا يؤمنون بها.

 

إن كل ذلك لابد من أن يوضع فى الحسبان عند الحديث عن الإصلاح و لعل أخذ جنوب أفريقيا كمثال على التصالح  لن ينطبق على الحالة الليبية إلا بوجود مسؤولين يتحملون مسؤولية ما حدث كما هو الحال فى جنوب إفريقيا .

 

إن الأعتراف بالمظالم والإنتهاكات لحقوق الإنسان فى ليبيا رغم أنها خطوة جيدة إلا أنها سوف تبقى ناقصة ما لم يتم رد المظالم و تعويض المتضررين كما عوض ضحايا لوكربى و الطائرة الفرنسية و ضحايا ملهى برلين، ثم إيجاد صيغة توافق سياسي بمشاركة كل أطياف اللون السياسي الليبيى، يكون الدستور هو المحدد لشكل الدولة و صندوق الإنتخابات هوالإطار الوحيد الذي يحدد من يتولى المسؤوليات فى الدولة, اعتقد أن هذا لن يسنى فى ظل إصرار العقيد القذافى على هلامية الدولة و مسرحية سلطة الشعب و نظرية الكتاب الاخضر، فهل يا تري سيف القذاف قادرا على إقناع والده بالتنازل عن هذه النظرية التى لا تقبل المشاركة السياسية و تعد التعدد السياسي و الحياة النيابية تدجيل و يجرم من يحاول مجرد التعبير برأي مخالف يعتقده أو يرى أنه صواب يخالف العقيد القذافي و سنت قوانين و إنشئت محاكم شبيهة بمحاكم التفتيش .

 

 ربما مطالبة سيف القذافى بضرورة وجود دستور في ليبيا سوف تكون خطوة جيدة اذا تجاوزت الإطار السياسى الحالي فى ليبيا، و حدد هذا الدستور شكل الدولة بما ينسجم و مثيلاتها فى دول العالم الديقراطى،  وإلا فأنها لن تزيد عن كونها تهيئت الأجواء لإستلام لسلسا لمقاليد الأمور فى ليبيا بعد رحيل العقيد القذافى.

 

إن الإصلاح ليس شعارا يرفع لدغدغة العواطف وكسب المزيد من الوقت لتفتيت شعث جهود لملمت لإحداث التغيير وهذا يمكن تلمسه بسهولة ويسر من خلال تصريحات المسؤولين الليبين وحرصهم على عودة الليبين الموجودين بالخارج رغم أنهم لا يعانون معاناة الشعب الليبيى فى الداخل.

 

إن الإصلاح لابد من أن تتوفر له شروط موضوعية سبق الإشارة إليها حتى تلتف الناس حوله و إلا فإنه سوف يكمن شعارا سرعان ما يندثر و ينسى هو والرافعين له .

 

 الفيتوري الحسومى


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع