
رجال الكراسي البيضاء
أمس كان واقفا على شاطئ بحر طبرق، لم يعرف لماذا أو كيف أتى إلى هناك،
نظر إلى الافق بحكمة عندما رأى غريقا مستنجدا به، وبعد أن أشعل سيجارة سأله
صائحا:
ألست أنت فلان؟ الم نلتق منذ حوالي سنة بطرابلس؟ كيف أحوالك الآن وأحوال
العائلة الكريمة والعمل.
* * *
سار بهدوء على الشاطي بعد إختفاء الغريق وهو يفكر به: لقد قضينا أياما
ممتعة معا بطرابلس، لقد كان رفيقا جيدا، ولكن لا أدري أين أختفى الآن.
بحث عن مكان يرمي فيه عقب السيجارة، وعندما لم يجد مكانا لذلك، رماها على
الرمل مرددا بينه وبين نفسه: ان سبب تخلف المجتمع هو عدم اهتمامه بتوفير
سلال للقمامة في كل مكان.
* * *
اليوم اوقف سيارته قرب رواق العزاء، ونزل بهدوء بعد أن تأكد من شكل
هندامه. تقدم من الكراسي البيضاء، وسأل أحدهم عن أقارب المرحوم، وعانقهم
معزيا، بعد أن قدم نفسه، ثم جلس على أحد الكراسي بجانب والد المرحوم.
بعد أول طأسة شاهي يشربها بدأ يتكلم عن المرحوم، وكيف تعرف به في طرابلس،
وعن الايام الجميلة التي قضاها معه. عند الطاسة الثانية قال بصوت عال:
ولكن الغريب انني رأيته صباح الامس، وهو يسبح في البحر، ويصيح مستنجدا، ثم
أختفي عني بعد ذلك.
نظر اليه الوالد قائلا بهدوء: كلامك صحيح يا رفيق المرحوم، لقد وجدناه مساء
الامس ميتا في نفس المكان الذي ذكرته.
صمت الجميع عند سماعهم ذلك الكلام لفترة قصيرة، ثم بدأ كل منهم في سرد
ذكرياته المشابهه لذلك الموضوع.
كانت ذكريات كل منهم أحسن من الآخر، لقد كانوا جميعا متكلمين ممتازين وكان
الكلام حرفتهم.
* * *
غدا سيتكلم جميع الجالسين
على كراسي طبرق البيضاء عنه، وعن رؤيته للمرحوم مستنجدا به، وستكون هي
الحكاية الاولى في ذلك الغد وفي كل غد.
عبدالرازق المنصوري
طبرق ـ ليبيا
30 / 3 / 2001
جمعية اصدقاء الكاتب
|