24/08/05


د. جاب الله موسى حسن

 

ذكرى اغتصاب عقل الوطن وتاريخه!!

"الحياة بدون حرية تساوى الموت!!"

 

عندما يتقدم حملة مباخر انقلاب سبتمبر ليعيدوا من كل عام تدشين ذلك التاريخ المشئوم الذي اعتادوا روايته ونفس الأطروحات  التي لم يملوا من إعادة بثها ونشرها فأنهم يعيدون كل عام اغتصاب عقل الوطن وتاريخه...!!

 

 ومما يستلفت النظر في تلك الحملة إنها تجسيد كامل للعقلية الديماغوجية المنغلقة الكليانية وتلك العقلية هي أسيرة حزمة من الأفكار والتهويمات تراكمت وتعاظمت بمرور الوقت لتصبح جبلا من الرؤى والمخيلات وفي المقابل فان الأخر في نظرها مجموعة من الخونة والكلاب الضالة غير خاضعة للنظر وبالطبع خارج  نطاق التفكير..!!.

 

 وتعمل هذه العقلية الديماغوجية على تعميق اليقين الدائم والمتزايد تجاه مجموعة من القضايا المحفوظة لديها وإعادة هضمها وإخراجها  في صورة مطابقة للإيقاعات القذافية القديمة دون الشعور بأي مشكلة أو قلاقل.. وقد حدث هذا عبر خمسة وثلاثون عاماً من الزمان ملكوا فيها هؤلاء المغتصبين السلطة والأعلام والتعليم وقاموا بتدشين كامل لأجيال متعاقبة عن طريق معسكرات  أطلق  عليها هؤلاء الطغاة " معسكرات سواعد  وأشبال الفاتح"!!

 

 ولكن اليوم الديماغوجية القذافية تواجه مأزقا بالغ الحرج في إطار دورها المعتاد في الطبع واللصق وإعادة الإخراج في مواجهة السيولة المعلوماتية والمواجهات العقلانية والخطاب السياسي الناضج المتميز بالشفافية التي تمثلة  مؤسسات المعارضة.!!

 

في إطار تلك المنظومة الشمولية المتشجنة والمنعزلة داخليا وخارجيا نستطيع تفهم الكتابات السبتمبرية القذافية الغارقة في قضايا الصقر الأوحد والتمحور حول عرابها والبحث عن تلفيقات للخروج وإعادة الدخول حول محورها ومركزها. وهكذا دأب الكتاب السبتمبريين على طرح قضايا لم يستدعها أحد ليقيموا حولها إشكالية للأخذ والرد واستخدام كافة وسائلهم التهويمية فعلى زعم أن هناك من ينعي على انقلاب سبتمبر إخراج القواعد الأجنبية عن أرض الوطن رغم معرفتنا بأن القواعد الأجنبية خرجت من تلقاء نفسها، وها هي ألان ترجع وبهدوء إلى عقول وقلوب الشعب!!.. وتشعل المباخر رغم أنه لا يوجد عاقل واحد لا يوافق على استقلال الوطن السياسي والاقتصادي أو ضد العدل الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة وما شابه من القضايا. ولكن داب ديماغوجيين سبتمبر القذافي على اعتباره مواد مثارة  ثم يبذلون كافة قواهم في الرد عليها مما يخلق حالة من الضباب الكثيف حول القضايا الأصلية المثارة.  ويداوم أعلام القذافي على نشر فقرات من تاريخ العهد الملكي من وجهة نظره عبر شهادات ملفقة من محاكم الشعب والثورة وغيرها من المحاكمات المشبوهة واعتبارها دليلا على فساد ما سبق وصلاح ما لحق في سذاجة واستخفاف.!!.

 

لم تتحول الاشتراكية على يد القذافي إلى رأسمالية الدولة فحسب, بل دولة الحاكم الطاغية الممسك بكافة الخيوط والأهداب والشعيرات فذابت المؤسسات والهياكل والتنظيمات ،بل الشعب والوطن... كل شئ  ذاب  بين يدي الطاغية القذافي إقصاء المعارضين والتيارات المضادة واعتماد سياسة التصفيات الجسدية  كقتل السجناء في سجونهم , وحقن الأطفال بمرض الموت انتقاما من أهاليهم, وبتر أصابع الصحفيين والتمثيل بجثثهم والتعذيب المنظم داخل دهاليس المثابات الثورية!!.

 

  والسؤال المطروح هو:أين هذا الشعب الذي قاوم الاحتلال الإيطالي وطالب بالاستقلال والدستور والجلاء دافعا دماءه ثمنا لاستقلاله وحريته.لقد انصرف تماما عن مسرح الأحداث فقد أدرك انه خارج اللعبة,بل وخارج الهامش فانصرف عن المشاركة السياسية وآليات اتخاذ القرار وانغمس في زيف التظاهرات المعدة سلفاً والمؤتمرات المُعده قراراتها مسبقاً؟!

 

تدشين نظام إعلامي  توليتاري كلياني تنميطي من اجل إخراج أجيال متتابعة فاقدة الوعي والمشاركة,غارقة في الذاتية وبالطبع من اجل تأليه الصقر الأوحد القايد المفكر..حتى اصبح القذافي في هذا المضمار مثالا يحتذى لكافة ديكتاتوريات العالم الثالث كما أصبح النموذج المثالي للدراسة في نشوء وتأثير الأنظمة العسكرية الديكتاتورية الفاشية المتعفنة!!

 

وترسيخ سياسات استنزاف المال العام والتربح والنهب المنظم عبر ما يسمى بالاستثمار الخارجي ومكاتب التصدير والاستيراد والجمعيات الخيرية. كلها آليات شيطانية أعدت  تربة خصبة مجهزة لمافيات تجار المال العام وسياسات النهب  التي لا نعلم من أين أتت أموالها وكيف تغرس أنيابها في قلب الوطن والناس!! وفوق هذا وذك  دأبت  هذه المافيات على  قتل الإحساس بالانتماء والوطنية... وتهميش التيارات الفكرية والسياسية المختلفة وضرب الحركة النقابية المهنية والعمالية وتحولها إلى حركات غوغائية تسير في ركب النظام وحرث التربة لصالح كافة التيارات الفاشية ونعارات التعصب القبلي.!! متلازمات  شيطانية هدامة نتج عنها انحطاط  في التعليم وتدني الثقافة العامة وفقدان قيم الجدية والدأب والمثابرة وسيادة روح النصب والاحتيال والانتهازية والسوقية واللامبالاة !! هذه هي  جماهيرية القذافى!!

 

تاريخ بلا وثائق لأن التوثيق ظاهرة حضارية ملفات الوطن في منازل المقربين بأيديهم تعلن وتطمس وقائع ما حدث.. فلا أحد يعلم لماذا انهزم الجيش الليبي في أتشاد ..؟ لا أحد يعرف أهداف إسقاط الطائرة الليبية فوق مطار طرابلس؟لا أحد يعرف لماذا تم تصفية المعارضين الليبيين على الأراضي الأوربية؟ لا أحد يعرف كم طفل قتل على  الطريق السريع أثناء مرور ركب القذافى و و الحديث مرير ومخز ولكن أين أنت يا حمرة الخجل وسوف تخرج علينا من يذكرنا بأحداث سبتمبر وكيف ظل الصقر الأوحد وذهبت الكرامة وهكذا دواليك دوامات من العبث والغبار والطمس المقصود!!

 

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع