26/08/05


د. جاب الله موسى حسن

 

ديمقراطية ..اللجان الشعبية!!

للشعب الليبي أقول: "من يطع دائما فقد اختار الهوان!!"

 

في هذا النمط الغريب والشاذ من الديمقراطية الذي يعود الفضل في إنتاجه وفرضه بالقوة العارية إلى قائد مأفون، قائد لم يتردد منذ اغتصابه للسلطة في شهر سبتمبر 1969 على أن يتخذ القرارات التي تتصل بالشأن الوطني في خيمة و بعد منتصف الليل، كناية عن كونها قرارات ظالمة ومستبدة ولا تحب الضوء أو ساعات العمل الرسمية . لأنها ببساطة قرارات غير مؤسساتية (( غير شرعية بمعنى أدق )) وفي منتصف الليل يكون خلق الله الذين من أجلهم تتخذ هذه القرارات عادة نياما لا يدركون ما يخطط لهم وما يتخذ بشان مصيرهم !!و((ديمقراطية منتصف الليل )) دائما مثل الليل شديدة السواد ؛ شديدة العداء للضياء ,وللشمس , التي عادة ترتبط في أذهان الشرفاء بالحقيقة فيقولون: (( شمس الحقيقة )) و (( وضح النهار )) وغيرها من التعريفات التي تقترن بالوضوح وبالنقاء أما ((ديمقراطية منتصف ليل فهي عادة معادية للوضوح وللنقاء وللحقيقة وهي دائما تدعي إنها لم تقصف قلما ولم تغلق صحيفة ولم  تسجن رأياً  لأنها ببساطة كسرت القلم أصلا وأغلقت الوطن كله خمسة ثلاثون عاماً وجمدته ثلاثون درجة تحت الصفر!!

 

و (( ديمقراطية منتصف الليل )) التي تتخذ قراراتها باسم المؤتمرات الشعبية تم إنتاجها بعد سلسلة طويلة من التجارب الخاطئة، وحتى يتم الاستقرار على شكلها الخاطئ راح في سبيلها العشرات من الضحايا من البشر , والقوانين، والقرارات، واللوائح، تجارب شاركت في ضياع القيم والمبادئ ولعب في صياغة برنامج عملها جوقة من المنافقين والأفاقين بعضهم ظل في مقاعد الحكم اكثر من ثلاثون عاما كانوا أثناءها يجربون ويجربون صيغا وأشكالا لهذا النمط الفريد من الديمقراطية حتى استقروا عليه ..فارتبط بهم كماركة تجارية مسجلة حيثما تواجدوا ذكروا به وحيثما ارتحلوا ارتهن بهم !!

 

و(( ديمقراطية منتصف الليل )) تلك التي أبتدعها القذافي وانفرد بها بين ديمقراطيات العالم والتي كان  ضحاياه [حقوق الإنسان الليبي، حرية الإعلام، كرامة المواطن، مجتمع المؤسسات، دولة القانون ، المجتمع المدني، حرية الاقتصاد وازدهاره ، التبادل السلمي للسلطة، حرية الفكر وحرية التفكير،قول الحقيقة، احترام الوطن، استقلالية القرار] تستهدف جملة من الغايات:

 

أولاً : أن يظل النظام الحاكم حاكما مدى الحياة، والنظام الحاكم هنا هي "اللجان الثورية" ومدى الحياة المقصود به هنا هو مدى حياة اصغر أبناء القذافى بمعنى آخر بظل حاكما لسنوات قادمة ما دامت الدولة  هلامية ولا وجود لدستور لأنها دولة بلا مرجعية قانونية، دولة تحكم بنظام مطلق ومصّنع وعليه فالزمن لدى هذه الطغمة كذلك مطلق ومصّنع مفتوح!!

 

ثانياً: أن يتم إغراق الشعب الحاضر الغائب في ديمقراطية الكلام تارة بأسم الشعب المغلوب على أمره وتارة بأسم صحافة لا تقول شيئا ولا يمارس كتابها آلف باء العمل الصحفي ولكن المهم أن يغرق شعبنا الذبيح في الكلام وفى صحافة الكلام, أما الفعل فهو لأصحاب  هذه الديمقراطية وفعلهم يمتد من نهب المال العام  وتصفية الرأي الآخر إلى الاستحواذ على المناصب لهم ولأولادهم وأحفادهم إلى بيع الوطن سياسيا واقتصاديا دون وازع من ضمير أو خوف من معارضة أو شعب،ومن ثم قد تم  تدبجينهما  تماما كما يتصورون بقرارات مسبقة من قبل ديمقراطية منتصف الليل!!

 

ثالثا: أن تزداد حالات العقاب السياسي للشعب ولهيئاته الممثلة كالقبائل والجامعات حتى لا يتسنى لأحد استيعاب مفهوم الديمقراطية!! فيتجه إلى تقليد ديمقراطيات أخرى تمثل خطرا وفقا لفهم صُناع ديمقراطية منتصف الليل ،مما يشكل خطراً على مصير مكتسبات هذه الطغمة الصانعة لهذه الديمقراطية الشاذة سياسة العقاب هي القاعدة والاستثناء هو الانفراج ،انفراج عادة لا يأتي إلا في أوقات يختارها القائد المفكر!!مثل رجوعه من أفريقيا مظفرا!!!ساعتها لا باس أن يتم استقبال ممثلي القبائل في خيمة التعاسة والبؤس  والابتسام لهم بعد طول تغييبهم!!

 

سياسات العقاب الفردي والقبلي غاية في ذاتها لدى هذا النمط من الديمقراطيات ، لأن العقاب في عرفهم اكثر ضمانا واقل تكلفة من سياسات الإغراء أو الانفتاح التي قد تعود الشعب على الاحتجاج وهو أمر غير مستحق!! إلا أن  ديمقراطية اللجان الشعبية  والتي يحتفظ النظام الحاكم ببراءة اختراعها دون منازع، تظل رغم مكاسبها العديدة  له ومنافعها التي لا تحصى لاستقرار ثالوثة المقدس الفساد والاستبداد والفقر  لها مخاطرها المستقبلية على بنية النظام واستقراره ولنتأمل فقط نماذج لهذه المخاطر المحتملة والتي نظنها آتية لا ريب مادامت هذه الديمقراطية باقية  ومادام ظلم أصحابها واستبدادهم طاغيا إلى هذه الدرجة. فأولا: هذا النمط الفريد من الديمقراطيات هو نمط مفرخ للعنف الاجتماعي والسياسي غير مأمون العواقب صحيح انه بإمكان هذه الديمقراطية أن تكمم الأفواه وتعتقل البشر وتعذبهم وتقنن سياسات الجوع والإفقار الاقتصادي. 80% من سكان المناطق الشرقية  تحت خط الفقر أيها السادة  بينما 80% من الدخل القومي  لما كان يعرف  بليبيا  يأتي من هذه المناطق المجوعة  والمحاصرة ,وبإمكان هذا النظام العشائري الداعر أن يعقد الصفقات مع جميع المنظمات الإرهابية والتي من بينها منظمة أبو سياف واستعداد النظام الليبي وعلى لسان سيف الزيف القذافي أن يدفع 25 مليون دولار أمريكي مقابل إطلاق الرهائن المحتجزين من قبل جماعة أبو سياف وهذا ما أكدته صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 6 -8 -2000 وأن يلعب كذلك دور العراب في أفريقيا بدفع رواتب الليبيين  المتأخرة وحصتهم من السلع التموينية للأفارقة مقابل التصفيق للقذافي!! كل ذلك صحيح ولكن ما هو غير صحيح وغير مضمون هو غضبة هذا الشعب ضد هذه الديمقراطية و أفعالها القبيحة تلك، ما هو ليس بمضمون هو الغضب التلقائي أو المنظم القادم فجأة كالطوفان والغريب أن تاريخ ليبيا القريب وليس البعيد فحسب ملئ بنماذج من هذا الطوفان  الذي أودى بالمحتل الإيطالي بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار الذي يحاول القذافي جاهدا محوه من ذاكرة الوطن وذلك عندما قامت شراذم لجانه الثورية بنسف الضريح في ساعة متأخرة من الليل وفق مفهوم "ديمقراطية   منتصف الليل"!! .. والأكثر غرابة أن بعض صناع هذه  الديمقراطية الفاسدة كان عرضه في لحظة من اللحظات لهذا الطوفان ومع ذلك لم يتعظوا!! و الآن وقبل فوات الأوان !! هل يدرك صُناع هذه الديمقراطية المخدوعون بنوم هذا الشعب  هذا الأمر فيتداركوا الأخطاء والخطايا!!..

 

 رابعا: هذا النمط من الديمقراطيات يولد شاء أصحابه أم أبوا صراعات بين صُناعه وأركانه وهى صراعات على المغانم  والأدوار اكثر منها صراعات على مصلحة الوطن لان مصلحة الوطن، راحت وضاعت على أيديهم، وهذه الصراعات قد تصل إلى حد الاقتتال وهى لحظات فارقة في تاريخ هذا النمط الهجين من الديمقراطية... ساعتها سيفرح الشعب جدا فيهم لان "الديكة" تتصارع فيما بينها وكلما اشتد صراعها استفاد الشعب واستراح ضميره و أظن هذه الصراعات قد بدأت!!

 

 خامسا: هذا النمط من الديمقراطية ينطبق عليه المثل الشهير "أسد على وفى الحروب نعاج" و أصحاب هذه الديمقراطية دائما أمام الغرب ولى نعمة اغلبهم اقرب إلى حالة الطاعة العمياء وهى طاعة عادة قد تؤدي إلى حتفهم لان هذا الغرب على تنوع خريطته وأطماعه ومصالحه لا يهمه أصحاب ديمقراطية منتصف الليل على اعتبار انهم استنفدوا دورهم وآن وقت رحيلهم وفقا للاجندة الغربية ومتطلبات المرحلة الجديدة و أظن أن هذا الغرب ، لديه شكل عام من الالتزام الديمقراطي لا يفهم حكاية ديمقراطية منتصف الليل تلك، حتى لو كانت تحقق له مصالحه،إلا  انه يريد شكلا آخر من الديمقراطية لا تسئ إليه أمام رأيه العام الداخلي الذي بدأ ينتبه إلى هذا النمط من الأنظمة المستبدة التي يصحو أركانها بالليل فقط من اجل ممارسة طقوس ديمقراطيتهم المقيتة تلك!! وهو يريد التخلص من هؤلاء بعد استنفاذ أدوارهم التي قاربت على الانتهاء فلا باس من استبدالهم  بمن يجددون ولو في الشكل بعد أن فاحت رائحة ديمقراطية منتصف الليل تلك، ولم يعد يفلح معها أي معطرات غريبة. هذه هي النتائج المرة لهذا الاستبداد "الثوري" وهى نتائج سوف تأتى ويلاتها على من انتج ومارس هذا الاستبداد أولا قبل غيره وان بدأ له السطح ساكنا فتحت هذا السكون غليان وضيق لو يعلمون وديمقراطية اللجان الشعبية التي تحكم شعبنا لن تبقى طويلا لأنها ببساطة ليست ديمقراطية وما ابشع الألفاظ حين تستخدم في غير مكانها، أنها استبداد باسم الشعب يمارس على شعب حر لم يدرك القذافي وشراذم لجانه الثورية طبيعته التي اعتادت الصبر والصبر ثم الغضب والذي لن يصلح معه ساعتها ديمقراطية منتصف الليل أو أول الليل لان الفجر ساعتها سيكون قد بان للناظرين!!وإن غداً لناظره قريب!!   

  

د/ جاب الله موسى حسن

Jaballah60@yahoo.com

أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع