14/08/05


 

 المؤتمر(2): حقائق وأكاذيب*

بقلم: حسين الفيتوري

 

إستمدت المعارضة الليبية طوال الخمس وعشرون سنة الماضية شرعيتها من كونها تواجه نظام حكم ديكتاتورى لا شرعية له، أى أن شرعية المعارضة كانت شرعية من يواجه اللاشرعى، وهى شرعية يمكن وصفها بالهشّّة خصوصا إذا ما أخذنا فى الإعتبار الحقائق التالية:

 

1)  تأخر إنطلاق المعارضة الليبية المنظَّمة لمدة حوالى عشر سنوات على إنقلاب سبتمبر 1969، وكوْن أغلب قياداتها فى ذلك الوقت ممن عملوا فى مؤسسات النظام، وساهموا بشكل أو بآخر فى بناء تلك المؤسسات وتطويرها، بالإضافة إلى أن بعض تلك القيادات كانوا ممن شاركوا فى إنقلاب سبتمبر 1969 بشكل مباشر، مما سهّل إتهام أى منهم بممارسة المعارضة من أجل مجرد الوصول إلى السلطة والبقاء فيها إلى ما شاء الله.

 

2)  تركزت خلال تلك الفترة، جهود المعارضة فى الداخل والخارج، سواء بالذات أو بمساعدة من العرب أو الغرب، على محاولة إسقاط النظام بالقوة، وإذا إستثنينا المنافع الخاصة والدوافع الشخصية، فإن العمل على إسقاط النظام بالقوة عمل يمكن أن يستمد شرعيته من عدة مصادر، حسبما يريد المرء تأويل الأمور، ومن هذه المصادر الدوافع الوطنية والدينية، وما تبيحه العهود والأعراف الدولية، بما فى ذلك الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والذى تنص إحدى فقرات مقدمته على ما معناه (إنه على حكومات الدول صيانة حقوق مواطنيها حتى لا يضطروا إلى اللجوء للعنف دفاعا عن حقوقهم)!

 

3) أدى فشل المحاولات المتلاحقة لإسقاط النظام بالقوة إلى إعطائه رخصةً مجانية لتصعيد تنكيله بالقوى الوطنية فى الداخل، وملاحقتها فى الخارج، والظهور بمظهر النظام البرئ، كما قال حسنى مبارك، والذى يواجه متطرفين وعملاء فى الداخل والخارج.

 

4)  فى ظل شعور بعض قيادات المعارضة الليبية، فى ذلك الوقت، بهشاشة شرعيتها، لجأ بعضهم إلى محاولة خلق شرعيةٍ خاصة به، وهو أمر كان من السهل أن يتقبله الشعب الليبى فى الثمانينات من القرن الماضى، وقد تمثلت تلك المحاولات فى الإعلان عن مشاريع (دستور ليبى!) وبرامج لحكم ليبيا بعد سقوط نظام القذافى، وغير ذلك من الأمور التى أطالت فى عمر نظام الحكم فى ليبيا، وأحدثت تباعدا كبيرا بين قوى المعارضة الوطنية، ودفعت بالدول التى كانت يوما قد إحتضنت تلك المعارضة التى تسعى لإسقاط الحكم بالقوة دون أن تتمكن من ذلك، إلى مراجعة مواقفها، ثم الإنحياز بالكامل إلى من يحقق لها مصالحها فى ليبيا وخارجها، ألا وهو نظام الحكم المسيطر على منابع النفط فى ليبيا، ويتمتع بإستعداد فطرى للإنبطاح لكل من يقدر أى يمارس عليه أى نوع أو قدر من الضغط.

 

5) فى ظل هذه الظروف، ونظرا لما أملته تطورات الأحداث عالميا وإقليميا ووطنيا، وبسبب ممارسات ومواقف النظام الزئبقية والتى أدت إلى سحب البساط من تحت أقدام المعارضة فى العديد من المواقف والساحات، فقد إختلط حابل المعارضة الليبية بنابل نظام الحكم فى ليبيا، مما أفقد المواطن الليبى القدرة على معرفة من يخاطبه عندما يسمع أى صوت يحدّثه، فهل ذلك هو القذافى بنظريته الخضراء، أم هو قذافى آخر يحاول تسويق نظرية أخرى، ربما ليست عفنة كتلك الخضراء، غير أن المواطن الليبى لا يعرفها، وليس لديه الإستعداد لأن يلدغ من نفس الجحر مرتين!

 

وبعد هذه المقدمة التى حاولت جاهدا إختصارها، وبالإضافة إلى ما حوته من حقائق، فإن الحقيقة الأساسية التى أردت التركيز عليها فى هذا المقال، هى أن مؤتمر لندن، وتحديدا إعلان التوافق الوطنى الذى صدر عنه، قد منح المشاركين فيه، وغيرهم ممن قبِل أو سيقبل بقرارته، شرعية المرجعية فى مواجهة نظام لا شرعية ولا مرجعية له، وذلك بإعتماد دستور البلاد كمرجعية لشرعية المعارضة ووضع المطالبة بتفعيله فى مقدمة مطالب وأهداف وثوابت المعارضة الليبية بكل أطيافها، ولتفادى أى نوع من اللبس، فإن المطالبة بتفعيل الدستور لا تعنى بالضرورة العودة إلى نظام الحكم الملكى، فالقرار النهائى فى ذلك هو قرار الشعب الليبى.(**)

 

ومن الجدير بالذكر هو أن مسألة الشرعية الدستورية لم يكن متفق عليها قبل عقد المؤتمر، غير أن الممارسة الديموقراطية السليمة، والأجواء الإيجابية التى أحاطت بأعمال المؤتمر، وإدراك المشاركين لمسؤولياتهم الوطنية، أدّت كلها إلى توافق المشاركين على هذا الأمر، وبالتالى تسطير حدث تاريخى هام فى مسيرة النضال الوطنى الليبى فى فترة ما بعد إنقلاب سبتمبر 1969، وتحقيق مقولة المناضل الليبى منصور الكيخيا، والتى أطلقها فى القاهرة فى منتصف الثمانينات عندما قال (إذا كانت المعارضة الليبية تطالب بالديموقراطية فى ليبيا، فعليها أن تكون هى نفسها ديموقراطية)، فهل هناك ديموقراطية أكثر من قبول بعض الأطراف التى شاركت فى المؤتمر بالإتفاق على المرجعية الدستورية بعد أن كانت تطرح، وإلى وقت قريب، بدائل أخرى؟

 

فتحية تقدير لكل من قبل وسيقبل بالإنضواء تحت لواء الشرعية الدستورية، وتحية تقدير لكل الأبطال الذين رفعوا علم ليبيا فى العديد من العواصم الأوروبية، والذين ذكّروا الجميع بأن لليبيا علم واحد، ودستور واحد، وقبل ذلك كله: شعب واحد!

 

وأخص بالتقدير أبناء وبنات ليبيا فى الداخل، الذين تجاوبوا مع الإعتصامات ورفع العلم، وقاموا بإبداء آرائهم ومقترحاتهم وتوجيه إنتقاداتهم للمعارضة فى الخارج، مما أكسب العمل الوطنى روافد جديدة أصبح لها أثر واضح فى توجيه هذا العمل إلى طريقه الصحيح، ألا وهو المساهمة الفعّالة فى تمكين الشعب الليبى من تحرير نفسه من الطاغوت.

 

أما أهم الأكاذيب التى روّج لها الثوريون فى الداخل، وأتباعهم فى الخارج، هى أن المشاركين فى المؤتمر هم خونة وعملاء!

 

وبداية، فإن الخيانة هى نقيض الولاء، والولاء فى هذه الحالة لا يكون إلا لله والشعب والوطن، وليس للكتاب الأخضر أو النظرية التى أذلّت الشعب ودمرّت الوطن وأضْفت على القذافى صفات الإله وولىّ الأمر، فمن هم الخونة إذًا؟

 

أضف إلى ذلك أن وصف المعارضة الوطنية بالعمالة قد أصبح مضحكا إلى درجة تبعث على الغثيان، فكل الدول العربية والغربية، والتى يمكن أن تبحث لها عن عملاء فى أوساط المعارضة الوطنية، لم تعد فى حاجة إلى ذلك، بعد أن زار رؤساؤها وكبار موظفوها خيمة القذافى و (طبّعوا) علاقاتهم معه أو كادوا (وكادوا هذه تنطبق على إسرائيل فقط، وذلك بعد أن عفت السعودية عن عملاء القذافى المتهمين بمحاولة إغتيال الملك عبدالله عندما كان أميرًا)!

 

وبمعنى آخر، فحتى بإفتراض أن من بين المشاركين فى المؤتمر من لديه الإستعداد لأن يكون عميلاً، فإنه لن يجد حتى الشيطان لسيتخدمه كعميلٍ له، وذلك ليس لأن الشيطان قد زار الخيمة، ولكن لأنه يسكن فيها!

 

ولعقد المؤتمر كان لا بد من تحديد مكان لذلك، وقد تم إختيار مدينة لندن بسبب كثرة عدد المشاركين فى المؤتمر من الليبيين المقيمين فى بريطانيا، وسهولة وصول غيرهم من المشاركين إليها، وتم التعاقد على قاعات الإجتماعات بصورة شخصية، بين إدارة الفندق وأحد أعضاء لجنة الإعداد للمؤتمر، وذلك كله فى ظل القوانين البريطانية والتى لا تسمح بحرية الإجتماعات السلمية فقط، وإنما تحميها أيضًا، ولا فضل فى ذلك لحكومة بلير.

 

ومن إعتقد أو روّج للأكذوبة القائلة بأن عقد المؤتمر كان بدعم أو تشجيع من الحكومة البريطانية، فهو واهم و (يرفس) كما نقول فى ليبيا، فالحقيقة هى العكس تماما، والدليل على ذلك هو رفض السفارات البريطانية فى كثير من الدول منح تأشيرات دخول لمدعوّين للمشاركة فى المؤتمر من الليبيين الذين يحملون وثائق سفر لا تخوّلهم دخول بريطانيا بدون تأشيرة. أما الشرطة البريطانية فقد سمحت لعملاء القذافى بإلتقاط صور للمشاركين، بينما صادرت هذه الشرطة بعض الكاميرات من المشاركين الذين حاولوا إلتقاط صور لأولئك العملاء.

 

أما أكبر أكذوبة حاول بعض الليبيين المقيمين فى الخارج الترويج لها، هى أن المؤتمر قد عُقد بتمويل سعودى!!!

 

ولهؤلاء، ولغيرهم، أقول:

 

1)  إن تكاليف عقد المؤتمر لم تصل قيمتها حتى نصف قيمة ما يتم تبذيره من خزينة الشعب الليبى على علاج أحد الثوريين من العقم فى مستشفيات أوروبا، وهو مبلغ متواضع، قياسا بمستوى الدخل فى أوروبا وأمريكا، جمعه المشاركون من تبرعاتهم وتبرعات بعض الليبيين الذين لم يشاركوا فى المؤتمر، فليس كل الليبيين فى الخارج فى ظروف مالية صعبة، فبينهم أطباء ومحامون ومهندسون وإعلاميون وفنيون مهرة ورجال أعمال، وغيرهم من أصحاب الدخول العالية والمتوسطة والتى يكسبونها بجدارة، ومن يشك فى ذلك، عليه مراجعة عدد الأطباء الليبيين العاملين فى الخارج ممن ساهموا فى المؤتمر الطبى الذى عقد مؤخرا فى طرابلس، وذلك كأبسط مثال.

 

2) السعودية من الدول التى لديها أيضا معارضة نشطة فى الخارج، وتعرف تماما أن دعمها للمعارضة الليبية سيؤدى حتما إلى قيام القذافى بدعم المعارضة السعودية بلا حدود، وهو ما تعمل السعودية على تفاديه بأى ثمن. أما عن الدور السعودى فى دعم المعارضة الليبية فى أوائل الثمانينات، فقد كان ذلك بتنسيق ومباركة من الحكومة الأمريكية أيام الحرب الباردة وإعتبار أن القذافى أحد عملاء الشيوعية فى المنطقة، ولقد تغيرت هذه الظروف والمبررات، وبالتالى فلم يعد هناك ما يبرر قيام السعودية بنفس الدور مرة أخرى.

 

3)  إلى الذين أصابهم وهن فى الذاكرة، أو إدّعوا ذلك، لم، ولن ينسى المشاركون فى مؤتمر لندن ما للشعب الليبى من ديْن فى أعناق حكام السعودية ترتّب على قيامهم سنة 1996 بشحن العشرات من الليبيين الهاربين من بطش القذافى، بينهم نساء وأطفال، فى حاويات بضائع أرسلوها هدية للقذافى! فكيف يقبل المعارضون الوطنيون الآن بدعم من مثل هذه الحكومة؟ وما تصرفها الأخير، المتمثل فى العفو عن عملاء القذافى المتهمين فى جريمة دولية، إلا أكبر دليل على إستعدادها الكامن لتطبيع علاقاتها مع القذافى أسوة بالدول الغربية، والعربية الأخرى، فكيف يمكن أن تموّل نشاطًا مثل مؤتمر لندن، حتى ولو طُلب منها ذلك؟

 

أدعو للجميع بسلامة العقل والمنطق، فسلامتهما ميزةٌ لصاحبهما، وكذلك لمن يختلف معه فى الرأى!

 

وإلى اللقاء فى حلقة قادمة بعنوان: إستحقاقات

 

حسين الفيتورى

Feitouri@Hotmail.info

 


*) أهدى هذه المساهمة المتواضعة لأبطال لجنة العمل الوطنى على الساحة الأوروبية وفى مقدمتهم الأخوين / حسن الأمين وعلى زيو.

 

**) لمزيد من المعلومات يرجى الرجوع إلى تصريحات الأمير محمد الحسن الرضا السنوسى.

 

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع