22/08/05


 

المؤتمر: (3) إستحقاقات

بقلم: حسين الفيتورى

 

 لم يكن إنعقاد مؤتمر لندن هدفًا فى حد ذاته، وبالتالى فإن السؤال الذى يجب الآن طرحه بقوّة ووضوح هو: وماذا بعد؟

 

ولا أدّعى هنا بأننى قادر على الإجابة على هذا السؤال بمفردى، أو مخوّلٌ بذلك، فالسؤال مطروح على الجميع، على من شارك فى المؤتمر ومن لم يشارك، وعلى الليبيين فى الداخل والخارج، وبغض النظر عن مواقفهم من المؤتمر.

 

ولقد بدأت تباشير العمل على الإجابة على هذا السؤال الهام تَهّل تباعا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه السيد/ أحمد عبدالباقى فى هذا الشأن بعنوان: سؤال مهم ويحتاج إلى إجابة، ونشر له يوم 16/08/2005 فى صفحة الرسائل على منبر (ليبيا وطننا) ويمكن الوصول إليه عن طريق هذا الرابط:

http://www.libya-watanona.info/letters/v2005b/v16aug5u.htm

 

فقد طرح السيد/ أحمد عبدالباقى نفس السؤال، ولكن بشكل آخر، وقدّم العديد من الإجابات الجيدة للعديد من جزئيات السؤال على مختلف أشكاله، وأهم جزئية تناولها الكاتب هى (البديل المنتظر) لما يجب أن تكون عليه ليبيا، وإذْ أتفق معه فى أغلب ما طرحه، إلا أننى أعتقد أنه قد تعاطى مع موضوع البديل من زاوية (القيادة) أكثر من تعاطيه مع (الإطار)، وفى هذا الصدد تبرز تلقائيا أهمية تحديد الأولويات، فهل سيتركز سعينا على البحث عمن (سيقود) المعارضة الليبية، أو عمن (سيحكم) ليبيا، أو البحث عن كيف يجب أن (تُحكم) ليبيا الآن ومستقبلا، حتى ولو فاجأنا تغيير على حين غرة كما قال الكاتب؟

 

ولكى أكون أكثر وضوحا، فبإستثناء رفض توريث القذافى للسلطة لأحد أبنائه، فإن موضوع البحث عن (رمز / بديل) للقيادة هو أحد أهم وأخطر الأسئلة التى لم تطرح بكيفية مناسبة حتى الآن، وبقيت حبيسة فى صدور كثيرٍ من الناس!

 

وبالرغم من أن هناك عدد لا بأس به من قيادات المعارضة الذين يقدمون أنفسهم، وبطريقة غير علنيّة، للترشيح لهذا المنصب، ناهيك عما يدور فى الداخل، ويباركه البعض فى الخارج، من ترتيبات لإعداد (بديل) قذّافى أصيل، إلا أن هذه المسألة أصبحت شبه محسومة بحكم إقرار مؤتمر لندن للشرعية الدستورية كمرجعية لعمل الجميع، وبالتالى فإن أى تغيير سيحدث فى ليبيا سيجد القائمون به أنفسهم مطالبون بتفعيل الدستور واللجوء إلى صناديق الإقتراع لتمكين الشعب الليبى من إختيار قياداته بحرية ونزاهة، وإلا فستبقى المعارضة فى الداخل والخارج على موقفها الصلب من هذا المطلب الجوهرى، وذلك بغض النظر عمن يكون وراء التغيير، وبغض النظر أيضا عما قد يطرحه من بدائل، فخديعة (الفاتح) من سبتمبر قد بلعها الشعب الليبى مرّةً، وحتما فإنه لن يسمح لأحد بلدغه من نفس الجحر مرة أخرى!

 

ولا بد هنا من تذكير الجميع بأن الشعب الليبى فى الداخل كان قد بنى آمالا كبيرة على بعض رموز المعارضة فى فترة الثمانينات، وهم: أ. منصور الكيخيا، د. محمد المقريف والرائد عبد المنعم الهونى، وقد أثبتت تطورات الأحداث أن أ. منصور الكيخيا كان أكثرهم تأهيلا للقيادة، وهذا هو السبب الرئيسى فى قيام أيادى الغدر والإجرام بتغييبه قسرا فى مدينة القاهرة يوم 10/12/1993، فهل من المفيد الآن أن تختار المعارضة رمزا (وحيدا) لها، عندما يحدث له أى مكروه يصاب العمل الوطنى كله بنكبة كالتى حلّت به بعد إختطاف المناضل منصور الكيخيا، أو ربما أسوأ؟

 

وبالتالى فإن وضع إطار للعمل الوطنى هو أهم بكثير من إختيار قيادة له، وبما أنه قد تم الآن إعتماد المرجعية الشرعية لهذا العمل، ففى إطار هذه الشرعية، وعلى الخير والبركة، فليتنافس المتنافسون، وليعملوا بجدية وديموقراطية على توسيع دائرة القيادة المتجانسة وغير المتناحرة، فهذا، ولعمرى أول إستحقاق يُمْلى على الجميع وضع منهاج عمل وإدارة طال إنتظارهما.

 

وفى المرحلة الحالية، فإن الإستحقاق الثانى الذى ترتب على قرارات المؤتمر، وفى مقدمتها إعلان التوافق الوطنى، هو ضرورة إسراع فصائل المعارضة التى شاركت فى المؤتمر بتوفيق أوضاعها ونظمها الأساسية بما يتفق مع نص وروح إعلان التوافق، وتوسيع دائرة المشاركة والإنتساب إليها، وفتح المجال لدماء جديدة لكى تساهم فى قيادتها بفاعلية، والبدء فى تطبيق مبدأ التداول السلمى (للسلطة)، وذلك لإثراء التجربة وتصحيح مسارها والإستعداد العملى لتطبيق هذا المبدأ عندما يأذن الله لها بالمشاركة فى العمل السياسى على أرض الوطن.

 

وعلى عاتق المستقلين، ممن شاركوا فى المؤتمر أو لم يشاركوا فيه، يقع الإستحقاق الثالث، فظاهرة المستقلين هى ظاهرة صحية وموجودة لدى كل الشعوب التى تحكمها أنظمة ديموقراطية، غير أن هذه الظاهرة تعتبر إستثناءا، وعادة ما يكون عدد المستقلين فى أى نظام ديموقراطى صغيرا جدا، قياسا بعدد المنخرطين فى العمل السياسى المنظّم، وبالرغم من عدم وجود إحصائيات أو معلومات دقيقة حول هذه الظاهرة فى أوساط المعارضة الليبية فى الخارج، غير أن أى مراقب يمكنه أن يستنتج ببساطة أن عدد المستقلين (النشطاء) فى المعارضة الليبية قد لا يقل عن نصف عدد المنتسبين إلى جميع فصائل وتنظيمات المعارضة! وهذا التقدير، والذى لا أعتقد أنه مبالغ فيه، يدل على وجود خللٍ ما، والذى حتما كان له ما يبرره فى السنوات الماضية، أما الآن، فإن المستقلين، وكذلك تنظيمات المعارضة، أصبحوا جميعا مطالبون بخفض حجم هذه الظاهرة، ولا أقول بوضع نهاية لها، وعلى كل مستقل أن يعرف بأنه لن يجد تنظيما مفصلا على مقاس أفكاره وتوجهاته، فالأمور نسبية، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بممارسة الديموقراطية فى إطار المعارضة الليبية ذات الظروف الإستثنائية، إضافة إلى أنه من خلال الإنخراط فى العمل المنظم، سيكون لكل مستقل دوره، ليس فى المساهمة فى قيادة وإدارة التنظيم فقط، وإنما فى المساهمة أيضا فى دعم العمل بأفكار المستقل ورصيده النضالى، وكذلك توعية وتدريب الكوادر من خلال الإحتكاك وتبادل التجارب والخبرات فى إطار العمل المنظم.

 

وسعْىُ المستقلين للإنخراط فى العمل المنظم من خلال التنظيمات التى يروا أنها أقرب إلى توجهاتهم، ليس هو الإقتراح الوحيد، فهناك إمكانية قيام المستقلين، من ذوى الأفكار والتوجهات المتقاربة، بتأسيس تنظيماتهم أو أحزابهم الخاصة بهم، وليظهروا من خلالها ما لديهم من تمايز عما تطرحه وتمارسه التنظيمات القائمة الآن، وكما أسلفت، فعلى الخير والبركة، وفى إطار المرجعية الشرعية، فليتنافس المتنافسون، وإلا فقد يدخل بعض المستقلين فى خندق (خالف تشهر)، وما أبعد هذا الخندق عن العمل الوطنى الجاد!

 

أما من لم يشارك فى المؤتمر من تجمعات لم يغفلها أحد، وفى مقدمتها بعض الإخوة الأمازيغ والتنظيمات الإسلامية، فقد حان الأوان لهم جميعا لمراجعة إعلان التوافق الوطنى وتحديد مواقف واضحة منه، فإعتماد دستور البلاد كمرجعية لمعارضة النظام القائم الآن، والعمل على إسقاطه أو تغييره أو إصلاحه، قد كفل حقوق الأقليات، هذا فيما يتعلق بالإخوة الأمازيغ، هذه الحقوق التى لا يمكن مساومة المعارضة الوطنية الآن على القيام بمنحها لهم، فالحق السليب هناك، فى أرض الوطن، وعلى الجميع العمل متعاونين على إسترداده ممن سلبوه من أصحابه، أسوة ببقية حقوق الناس الأخرى.

 

وفيما يتعلق بالإخوة من التنظيمات الإسلامية، والذين إنسحبوا من المشاركة فى المؤتمر بحجة إرتفاع أو إنخفاض سقف مطالبه، فيقع عليهم أحد الإستحقاقات المهمة، وبالرغم من تعاطفى معهم، ومشاركتى الميدانية والوجدانية كمدافع عن حقوق الإنسان فى ليبيا، فى الدفاع عمّن لهم من (رهائن) شرفاء من أبناء ليبيا البررة فى الداخل والخارج، سواء كانوا من جماعة الإخوان أو غيرهم، أقول لهم وبمنتهى الوضوح والصراحة: ها هى بوادر الأزمة قد قاربت على الإنفراج، ولن يضيع حق وراءه مطالب، وبعد ذلك فستكونوا جميعا مطالبون أمام الله والشعب بإتخاذ موقف علنى واضح من المطالبة بتفعيل دستور البلاد والذى ينص على أن الإسلام هو دين الدولة، فبعد الإفراج المنتظر قريبا عن السجناء، سوف لن يكون هناك مبرر لإعتبار أن معمر القذافى من أولى الأمر (منكم)، ولن يكون هناك مبرر للتفاوض السرى أو العلنى مع منهم غير ذى صفة من أمثال سيف (الإسلام) أو بوزيد دوردة، وكفّوا جميعا عن تسويق (الإصلاح)، فهذه قصة مكررة ومعادة ويعرفها كل من له صلة بالعمل الوطنى منذ مسرحية أصبح الصبح فى مارس 1988، فانظروا إلى عدد السجناء الذين أفرج عنهم فى ذلك الوقت، وإلى عدد من أغتيلوا فى بوسليم فى يونيو 1996! أضف إلى ذلك عدد الذين لا زالوا وراء القضبان ممن أعتقلوا بعد مارس 1988 وإلى يومنا هذا!

 

أما عن الإصلاحات الأخرى، فكيف تأتى إذا كانت اللجنة الشعبية العامة مخولة فقط برفع الأسعار ورفع الدعم عن السلع التموينية وخصصة القطاع العام، وليس لتلك اللجنة صلاحية رفع أو تعديل المرتبات، أو حتى القيام بدورها فى حماية أرواح الناس، أو على الأقل التحقيق النزيه والسريع فى جرائم الإغتيال والإعتقال بدون وجه حق؟

 

وبإختصار، فإن الإصلاح، بمعنى القضاء على الفساد المالى والإدارى والسياسى، وإحترام حقوق الإنسان فى ليبيا، سوف لن يتم أبدا على أيدى النظام الحالى، لأن أى خطوة جادة يتخذها هذا النظام فى أى من هذه الإتجاهات، ستكون بمثابة قيام رجل بقطع ساقيه بمنشار آلى، فهو نظام حكم شمولى، وبطبيعته الحالية، لا يقوى على الوقوف إلا على أرجل صناعيّة إسمها الفساد والإفساد وإنتهاك حقوق الإنسان الليبى بشكل منهجى، وفى هذه الحالة فإنه طبعا فى حاجة لمن (يحاوره) من أجل الإصلاح الوهمى للإبقاء على قوائمه دون بتر، فهل هناك من يريد أن يساعده على ذلك؟

 

وكما طالبت القوميين فى عديد من المناسبات، فإننى كمواطن ليبى، أطالب الآن غيرهم بإغلاق الشبابيك الشرقية، لأنها تجلب الناموس، كما قال (البسباسى) لزوجته فى إحدى مسلسلات الإذاعة الليبية الشهيرة، فمن أين يتأّتى للإخوان المسلمين فى مصر، مع إحترامى لهم كتنظيم غير معترف به فى بلده، التدخل فى الشؤون الليبية البحثة، وكيف يتأّتى للسيد عمر سليمان، رئيس أسوأ أجهزة المخابرات فى المنطقة العربية، أن يكون له دور (وساطة) بين تنظيم ليبى (معارض) ونظام الحكم القمعى فى ليبيا؟ أم أن هناك من يريد تزاوج العسكر مع رجال دين، فأنظروا إلى ما حلّ من جرّاء ذلك بالسودان الشقيق، إن كنتم تفقهون، أو لا تفقهون، فقد أصبح كلاهما سيان!

 

أما التنظيمات الإسلامية الأخرى التى تطالب بتطبيق الشريعة فى ليبيا وإقامة جمهورية إسلامية فيها، وغيرها من التنظيمات والأفراد الذين لا يرون فى المرجعية الدستورية الحل الناجع، أقول لهم جميعا: إنظروا إلى ما يجرى الآن فى العراق، وأيضا فى السودان، وغيرها من الدول التى إنزلقت شعوبها، ومعارضاتها فى مطب اللاشرعية، أو الشرعية الهشة كما قلت فى مقال سابق، وإتقوا الله جميعا فى الشعب الليبى ومستقبله، وإذا كانت لديكم بدائل عمليّة أفضل من الدستور، تم إعتمادها بنجاح فى أى بقعة من هذا العالم، فاطرحوها على الشعب، وسيشرفنى حتما أن أكون من أوائل المواطنين الذين سيناقشوها معكم ويقتنعوا بها، إذا كانت فعلا مقنعة وتمثل حلاً أفضل.

 

وأخيرًا، فهناك مواطن ليبى قد خصّه التاريخ الآن بإستحقاق كبير، إضافة إلى ما لقيه هو وأسرته الكريمة من معاناة على مدى أكثر من ستة وثلاثون عاما، وهو الأمير محمد الحسن الرضا السنوسى، وليسمح لى الجميع بأن أناديه بالأمير، فهذا حق تاريخى له لا يستطيع أحد أن يسلبه إياه، سواء رجعت الملكية إلى ليبيا أو لم ترجع، فقد أصبح على هذا المواطن الغيور على شعبه ووطنه أن يعلن للناس أجمعين، بأن المطالبة بتفعيل الدستور لا تعنى بالضرورة عودة الحكم الملكى لليبيا، وكما أسلفت فإن ذلك هو قرار الشعب الليبى، وبحكم معرفتى بالأمير، وما سمعته منه وما قرأته له، فإننى على يقين من أن ذلك هو رأيه الصادق، غير أن إعادة الإعلان عنه من شخصه الكريم هو أبلغ رسالة يمكن له أن يوجهها للشعب الليبى فى الداخل والخارج، وأتمنى له التوفيق فى ذلك.

 

أعاننا الله جميعا على ما فيه الخير لشعبنا ووطننا

 

وإلى لقاء قريب فى حلقة أخرى بعنوان: مناهج العمل الميدانى

 

والسلام

 

حسين الفيتورى

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع