24/08/05


محمود محمد الناكوع

 

الاصلاح الحقيقى هو: الانتقال بليبيا الى دولة القانون والديمقراطية

  

فى بعض كتبى وفى مقالات صحافية عدة كتبت  عن اهمية التحول بليبيا الى دولة دستورية تضمن العدل والرفاه الاجتماعى للجميع وقلت ان ذلك الهدف يمكن ان يتوافق عليه كل المخلصين الشرفاء من ابناء وبنات ليبيا فى داخل البلاد وخارجها ، والآن اكتب من جديد  بمناسبة التطورات المتلاحقة منذ  مؤتمر لندن التاريخى  الذى انعقد خلال يومي 25/26 يونيو 2005  ، ومن تلك التطورات تصريحات السيد سيف الاسلام القذافى الأخيرة والتى ساعلق عليها باقتضاب فى نهاية هذه المقالة ولابد من التأكيد هنا ان الكلام عن دولة القانون لن يحدث بين يوم وليلة ولكنه يتطلب عملا متواصلا من كل القوى الوطنية ، ويتطلب ارادة واصرارا على الوصول اليه ....ولايمكن لأي جماعة ، او جماعات او احزاب، او نخب  ان تتعاون وتوحد جهودها الا اذا اتفقت على هدف اساسي ، والا اذا كان ذلك الهدف واضحا وضوح الشمس . وكلما كان الهدف يخدم مصالح اغلبية الشعب ، كلما كان اكثر حظا من الاجماع .

 

والاتفاق على الهدف الأساسى ، لايعنى الاتفاق على التفاصيل ، ولا يعنى الاتفاق على الوسائل ، اذ من طبيعة الفكر وطبيعة البشر ان يتفقوا على الأشياء الكبرى اي الأهداف عندما تكون واضحة ، لكنه من الصعب الاتفاق على كل  الوسائل للوصول الى ذلك الهدف الكبير .... فهناك من يختار وسيلة التنظيم الحزبى ، وهناك من يختار الصحيفة والكتاب والاذاعة وغيرها من وسائل الاعلام ، وهناك من يختار النقابات والاتحادات ، وهناك من يختار جماعات الضغط ، وهناك وهناك الكثير من الوسائل للعمل من اجل بلوغ ذلك الهدف المشترك .

 

هل يمكن ان نتساءل ماذا يريد الليبيون بعد اكثر من ثلاثين عاما من المعاناة والظلم والتخلف والفساد المالى والادارى  ؟ وبصورة ادق هل يمكن ان نتساءل بعد مؤتمر لندن وما احدثه من ردود افعال عن ما يتطلع اليه الشعب الليبى من آمال واهداف ؟  

 

ان الشعب الليبى الذى اكتوى بنار الفوضى والفساد بسبب غياب دولة الدستور والقوانين والممارسة الديمقراطية وجد فى خطاب مؤتمر لندن الاجابة الصحيحة عن مطالبه المشروعة والواضحة مع التاكيد على خيار النضال السياسى السلمى لتحقيق تلك الاهداف  .. انه يريد دولة دستورية ديمقراطية حقيقية .

 

ان دولة القانون تعتبر من اعظم انجازات الفكر الانساني الحديث، حيث يتساوى المواطنون فى الحقوق والواجبات، وحيث يتمتع كل مواطن بهذه الحقوق دون منة او عطاء من احد ، ونجد لهذه القيم جذورا عميقة ، ومبادئ عامة  فى القرآن الكريم ، وفى مرحلة الخلافة العادلة ،ولكنها فترات تاريخية قصيرة جدا ولم تتحول الى تجربة سياسية عميقة التأثير فى الحياة الاجتماعية . لكن دولة المؤسسات الحديثة فى الغرب الديمقراطى ، نظمت شئون السياسة والاقتصاد والخدمات الاجتماعية بآساليب فائقة التطور ، وجعلت الدولة اكثر عدلا و استقرارا ونهوضا ورفاهية . وعندى ان اعظم انجاز لدولة القانون  ،هو مبدأ  التداول السلمى على السلطة ، وهوتداول فى اغلب النظم لايسمح للرئيس ان يستمر اكثر من ولايتين وغالبا لا تتجاوز مدتهما اثني عشر عاما ، واذا سمح بأكثر من ذلك ، لزعماء الاحزاب فى بعض النظم الملكية ، فان الشعب بوعيه وحسه وحقه الانتخابى ــ لايسمح عادة ــ باستمرار ذلك الزعيم لأكثر من ثلاث دورات ، لأن استمراره يوحى بظاهرة لا تنسجم مع الخيار الديمقراطى ..والانجاز الآخر لدولة القانون هو الفصل بين السلطات بمؤسسات يقودها خبراء مؤهلون لادارتها بشفافية عالية . واذا وقعت اخطاء او تجاوزات فان اصحابها لا يفلتون من العقاب .

 

وكل المعاناة التى يعيشها الشعب الليبى ، وغيره من الشعوب العربية ، سببها الرئيس غياب دولة القانون ، وهو غياب طال امده  . وهذه المعاناة سوف تظل قائمة ومدمرة مالم نكافح جميعا من اجل هذا الهدف : ( دولة القانون ) . والناس فى داخل الوطن اشد حاجة الى الانتقال من الفوضى ، ومن المحسوبية ، ومن دولة الشوكة والغلبة والانقلاب ، الى الدولة التى تحمى الجميع ، وتخدم بؤسساتها الجميع . أليس هذا الهدف جدير بأن تتجمع من اجله كل القوى الاجتماعية فى داخل الوطن وخارجه ؟ وان تنشط كل الاقلام والمنتديات من اجل خلق وعي عام بشأنه ؟

 

ان العمل من اجل تحقيق ذلك الهدف ، هو الضمان الفعلى لأن يعيش المواطن الليبى انسانا كريما حرا عزيزا فى وطنه . وهو الضمان لتحقيق العدل الاجتماعى بين افراد الشعب . وهو الضمان لأزدهار الافكار والآراء ، وللدخول بكل المجتمع نحو مرحلة النهوض والارتقاء . انه هدف كبير ، ويستحق ان نجتهد جميعا من اجل اثرائه بالحوار والافكار ، وألا نتوقف او نتردد فى حشد كل القدرات والامكانات سعيا نحو الوصول اليه او الاقتراب منه .

 

نحن الذين نعيش فى دول القانون، وفى المجتمعات الديمقراطية  ،ونتمتع بحقوق انسانية لم تعرفها بلداننا بعد ، اول من يجب ان يجعل هذا الهدف ، ليس امنية يتمناها لبلاده وموطنه الاول فقط ، بل عليه ان يسخر كل طاقاته من اجل التوعية اولا ، ثم من اجل توحيد الجهود للسير حثيثا باتجاهه ... وعندما نتحدث عن دولة القانون التى عرفناها فى الغرب الديمقراطى ، لا ندعوا الى نسخ هذه التجارب طبق الأصل ، ولا نتبنى نقل كل ما فيها ، انما يهمنا الاسس والمبادئ العامة ، ومنها ضرورة وضع دستور ، ومن هذا الدستور تنبثق القوانين المنظمة لكل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية .  فى دولة القانون لا يعتقل اي مواطن الا اذا انتهك القانون ، ولا يجوز لأحد ان يستأثر باي قدر من المال الا بجهده وعرقه وطبقا للقانون ونظم العمل والنشاط الاقتصادى المعمول تحت رعاية مؤسسات متخصصة . فى دولة القانون لايجوز لرئيس الدولة ولا لرئيس الحكومة ان يستلم اي مبلغ من المال لا من خزينة الدولة ولا حتى الهدايا الا فى حدود القانون ، ولا يجوز لأي من افراد عائلته انتهاك القانون لأي سبب من الأسباب ..... تلك هي دولة العدل التى تحترم المواطنين وتتعامل معهم وتخدمهم بتفويض حقيقي اصيل عن طريق ألآختيار الحر ،عن طريق صناديق الاقتراع  اما غير ذلك فهو العبث ، وهو الاستبداد والظلم الذى لا ينطلى على الشعوب ، ولا تقبله الشعوب ، وان خضعت له تحت عوامل خارجة عن ارادتها وخيارها فان ذلك لن يدوم ، ولابد للأجيال الجديدة الواعية بحقوقها وفى عصر تدفق المعلومات ان تستعيد عافيتها وحقوقها ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) انه قانون كوني الهي لابد ان يتحقق فى لحظة ما من لحظات تاريخ شعب من الشعوب قرر ان يصل الى ذلك الهدف عبر كل وسائل النضال المشروعة وطنيا ودوليا .وفى بلادنا ليبيا لقد اختفت دولة القانون ، وحلت محلها سلطة ليس لها اية شرعية دستورية ، ولذلك تعاظم شرها واتسع فسادها ليشمل كل حقوق الانسان الليبى . وفى هذه المرحلة من التحولات الدولية والأقليمية يجب ان تتضافر جهود قوى المعارضة من اجل انضاج خطاب سياسي يتناسب مع تصاعد قوى المد الديمقراطى الذى بدأ يتفاعل ويصرخ فى وجه الحكام المستبدين .... انها مرحلة واعدة بانتصار قوى الحرية والديمقراطية والعدل اذا عرفت هذه القوى كيف توظف معطيات هذه المرحلة ، واذا استطاعت ان توحد صفوفها واهدافها وخطابها السياسى .

 

وجميع هذه القضايا تتطلب عملا وصبرا ووعيا . ان مؤتمر لندن قد وضع معالم الطريق نحو حلم دولة القانون ووضع شروط الاصلاح الحقيقى الذى يرفض كل المسكنات وكل المحاولات المغشوشة للالتاف حول تلك الاهداف وتمييعها.... وان اي خطاب يدعى الاصلاح ثم يتساهل او يتهاون فى الانتقال بليبيا من الفوضى والفساد بكل صوره الى دولة الدستور والقانون والديمقراطية وصناديق الاقتراع  هو خطاب ترقيعي تلفيقي لا قيمة ولا معنى له . ان العالم يتغير من حول ليبيا وان جيل الشباب الليبى كان ألأ كثر تفاعلا وتجاوبا مع الخطاب السياسى لمؤتمر لندن التاريخى وهو مؤشر له دلالته الثقافية والسياسية ولقد حاول سيف الاسلام القذافى ان يظهر  فى مرات عدة  وان يرفع راية الاصلاح والتصحيح ولكن بلغة مرتبكة وحائرة ، ولعل اشارته الى القبعات المتعددة التى يستخدمها تؤكد ان ما يصدر عنه من تصريحات لا تعبر عن جدية ولا يتقبلها العقل المراقب بارتياح ،  وهي فى عمومها لا تنطلق من اسس واضحة الأهداف  ثم بعد تلك التصريحات  يتوارى ويختفى لمدد طويلة ، وتاتى اقوال اخرى وافعال اخرى من شخصيات ومؤسسات رسمية تنسف تلك التصريحات ... واهم ما تعبر تصريحات السيد سيف الاسلام  انها تجسد وجود ازمة متفاقمة داخل تركيبة النظام السياسى فى البلاد ، فالنظام وصل الى نهاية النفق والفوضى والفساد والصراع بين مراكز القوى محتدما وواضحا ، والنظام لا يريد ان يعترف رجاله علنا بالازمة ، ولا يريدون الاصلاح الحقيقى ، فالاصلاح الحقيقى يتطلب رؤية سياسية جديدة ويتطلب قيادات جديدة .... ان مرحلة تاريخية حبلى  تطل ملامحها على البلاد وبعضها تقرأ عبر شبكات  الاتصالات والمعلومات المحلية والدولية والنصر بالتاكيد سيكون حليف جبهة دولة الدستور والديمقراطية  فى ليبيا المستقبل .   

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع