
بقلم: مجاهد البوسيفي
البيضة الاخيرة
نظريا يملك العقيد معمر
القذافى فرصة نادرة وربما اخيرة لتحقيق هوسه الابدى
الذى قاده الى كل هذه المخازى ، هوس دخول التاريخ
وخلود الذكر . لاجل الوصول الى هذه المكانة يتطلب من العقيد ان
يعلن فى عيد ثورته بعد ايام الغاء كل القوانين
الكابته للحرية واستعداده لتقبل حل مؤسسته الامنية
ــ الثورية ، ووضعها تحت تصرف القانون ، والتنحى من طريق
الليبيين وتركهم يتدبرون امورهم بالطريقة التى يرون ، عليه ان يكبر ــ
على غير انتظار ـ
كى يستطيع بلع كل هذه الجرعات من المرارة ليعبر من البوابة الليبية
لتحقيق ذلك الهوس ليستريح الجميع .
عمليا لااعتقد بان هذه المعجزة قابلة للحدوث ، اظن انه من الافضل ان لاننتظر
الكثير من رجل فى منتصف الستينات ، لايتقن لغة اجنبية ولايقرأ منذ زمن
، ويكاد لايسافر الا الى مصر وافريقيا . ارحب
بالطبع بان يخيب العقيد ظنى ولو مرة فى حياتى ،
ويتخذ الموقف الصحيح من التاريخ ، لكن المعطيات المتوفرة لاتسمح
بتوقع الكثير ،
ان التصرفات التى ابداها العقيد معمر القذافى اثناء فترة حكمه
الطويلة جدا تدل على عدم ادراك فادح للحظة التاريخية ، وليس هناك
مايدل حقيقة على ان هذه الغيبوبة ستختفى فجأة فى
اقل من اسبوع ، ويحل مكانها عقل راجح يؤمن بشريعة
التعاقد بين الناس فيما يخص شئون الحياة . عقلية كالتى للعقيد
القذافى تميل
اكثر الى المراوغة وكسب الوقت الى اخر قطرة ممكنة من نعيم السلطة حتى وهو
على بعد خطوات من هوة الانهيار . المتوقع من عقلية كهذه هو القيام
بحملة اعلانات مكثفة ، توزع فيها تشكيلة لامعة من
الاكسسوارات ، على محتفلين جاهزين لعقد مهرجانات
متسلسلة من ابداء الامتنان واسمى ايات العرفان لمسيح العصر الذى
سيغفر لحوارييه شططهم فى تفسير اياته الخضراء ، عطفا على وقفته الاولى
يوم الطلقاء فى اصبح الصبح.
بالطبع بعد ان يهدأ الغبار وويعود
الرجل الى خيمته وروتينه اليومى ، سيكون علينا غربلة
ماجرى وتقييمه ، وبالتأكيد سنجد فيه بعض المكاسب التى تحققت ، والاخرى
التى فتح الباب لتحققها ، لكننا ندرك ان ذلك يحدث
نتيجة لخيبة سياسة النظام وللضغوط المتوالية التى
يقوم بجزء لابأس به منها ليبيون ، وسنكون امام تحدى توظيف هذه
المتغيرات ودمجها فى الفكرة العامة للسعى نحو التغيير ، لكن كل هذا
سيحدث بعيدا عن من العقيد وسلواه ، فنهر التاريخ
قد بدأ اخيرا بالتحرك ، ولن يقف امامه شئ حتى
نهاية الرحلة . لن يدهشنا السيرك الذى يجرى الاعداد له ، ولن
تخلب لبنا سوق الخطابة التى تشحذ لها الحناجر على قدم وساق ، ولن نكون
معنيين اكثر من صاحب الازمة الذى يتظاهر بانه قابض
على الامور بينما خيمته على وشك ان تقتلعها الرياح
، كما اننا لسنا قلقين ولاينبغى ان نكون من الزيارات
المتتالية التى يقوم بها مسئولون غربيون وخاصة امريكان للخيمة ، اننا
بذلك نعطى للعقيد القذافى فرصة للتهويش علينا بهم
، اننا نعرف بانه سيبقى مدة متقلبا على جمر قائمة
الارهاب ، وفى الطريق الى ازاحة اسمه من قائمة المطلوبين هذه ، سوف
يفقد الكثير من قدراته وسيزداد هشاشة على ماهو عليه ، نعرف بطبيعة
الحال ان الغرب وامريكا ليسا بجمعية خيرية ، لكننا
ندرك ايضا ان المصالح ودروس التاريخ المرة معاكسة لطموحات النظام هذه المرة .
كابوس بن لادن ينزل بكلكله على الصدر الامريكى ، ولن يزال الا بمسح رموز
كثيرة من على الخارطة ، وليس من اسباب كافية تجعل
العقيد غير مرشح للمضى فى هذا الاتجاه، ليس من
الترف ان نسأل ماذا بامكان العقيد ان يقدم للامريكان اكثر مما
قدمه لهم ؟ فبعد الارهاب واسلحة الدمار والنفط ، ليس امامه الا الصرف
من رصيد حقوق الانسان والديمقراطية ، وهو حساب
خالى ليس به شئ ، فالاخ القائد لايحب هذا النوع من
العملات ، ولن يدرك الا بعد فوات الوقت انها العملة الوحيدة
التى كان ينبغى له التعامل بها فى هذه الفانية .
مجاهد البوسيفى
|