08/08/2005
 

 

اللعنة السوداء والإنقلاب الموريتاني !

 
بقلم: مخضرم
أرشيف الكاتب

 

نبذة تمهيديّة:

 

ربّما يكون من باب التعجّل استخلاص (النتائج) من الحركة الإنقلابيّة الأخيرة في موريتانيا ضد رئيسها معاوية ولد الطايع ،والتي يترأسّها الآن مدير الأمن الوطني (الشرطة)،ومعه ثمانية عشر ضابطا من قادة الجيش بينهم قائد الحرس الجمهوري ورئيس جهاز المخابرات . بيد أنه يحقّ للمرء أن يستبط ويستقريء هذا الحدث غير المفاجيء والذي لم يكن فريدا في وقوعه،وإنما تتجلّى فرادته في كونه نجح بينما سبقته سلسلة من المحاولات باءت جميعها بالفشل،آخرها تلاث محاولات متتالية في 15 شهرا: الأولى في يونيو 2003 وقد أحبطتها القوّات المؤيّدة لولد الطائع بعد معارك دامية أوقعت ضحايا كثيرين،وقادها الرائد صالح ولد حنن (زُجّ به في السجن مع زملائه وعانى فيه التعذيب الشبيه بالتعذيب الأمريكي لسجناء بوغريب في العراق،ومن المتوقّع ضمّه الى القيادة الجديدة!)؛ والثانية في أغسطس 2004 والثالثة في سبتمبر من نفس العام. وجميع تلك المحاولات اتُّهمت قذّافيستان بتمويلها، وحوكم وسُجن العديدون بحجّة التورّط فيها. وأبرزهم محمّد خونا ولد هيداله رئيس البلاد الأسبق الذي استولى على الحكم بانقلاب عسكري في 10 يوليو 1978 ثم انقلب عليه ولد الطائع في 12 ديسمبر 1984 . ومنذ نيلها عام 1960 للإستقلال عن فرنسا التي احتلتّها عام 1902،وموريتانيا ما أن تخرج من أزمة فرضتها السياسة الخارجيّة وعلاقاتها مع بلدان الجوار،حتى تدخل في دوّامة أزمة جديدة . ولسنا بسبيل تناول جميع هذه الأزمات بالتفصيل،ويكفي الإشارة الى أن أولها واجهتها بعيد إعلان استقلالها مباشرة،والذي عارضته المغرب متذرّعة بتبعيّة موريتانيا تاريخيّا لها. وحُلّت الأزمة باعتراف دول الجامعة العربيّة وانضمام موريتانيا الى عضويّتها. وبعد أوّل إنقلاب عسكري أطاح في 10 يوليو 1978 بمختار ولد داده،أوّل وآخر رئيس مدني للبلاد،تورّطت في حرب الصحراء الغربيّة التي اندلعت آنذاك إذ احتلّت الجزء المتأخّم لها،ولكن الحرب أنهكتها وكبّدتها خسائر بشريّة وماديّة لاقبل لها بها. ولذلك اضطرّ رئيسها محمد ولد هيداله لتوقيع اتفاق مع (البوليساريو) بتاريخ 7 أغسطس 1979 انسحبت بموجبه قوّاته من الجزء المحتل . وبذلك نفضت يدها من الصراع منجذبة نحو الموقف الجزائري ومرضيّ عنها من القذّافي الذي أنشأ مصرفا تجاريا مشتركا ومشروعا لصيد الأسماك في نواديبو وآخرين لتفريخ الدجاج ولإنتاج الخضروات ومركزا ثقافيا ثقافيّا يعرض كتابه الأخضر ولا يتردّد عليه عدد يذكر من القرّاء . وقد تعرّضت هذه المشروعات جميعها لتقلّباته المزاجيّة على النحو الذي تقلّبت فيه علاقاته الدبلوماسيّة مع نواكشوط بين قطعها ثم استئنافها عدّة مرّات كما هو ديدنه مع الآخرين.

 

ولمّا كان القذّافي ملتحما في صراع (دونكيشوتي) ضد الملك الحسن الثاني،فقد قام بدعم البوليساريو بالأسلحة والأموال، قبل أن ينقلب عليها بعد ذلك في 13 أغسطس 1984 ويعقد مع الحسن الثاني (الإتحاد العربي الأفريقي). وما أن مرّت سنتان على تأسيسه حتى فُسخ في أغسطس 1986 عقب زيارة الصهيوني بيريز للحسن الثاني،في مناورة واضحة للتخلّص من العلاقة مع القذّافي بعد أن قضى وطره منه .. وعندما اشتعلت حرب الخليج الثانية عام 1991 وقفت حكومة ولد الطايع مؤيّدة لصدّام حسين مقابل مساعداته ولنشاط دعايته وتأسيس تنظيم بعثي مناصرله (بينما لم ينشأ أي تنظيم للقذّافي على المسرح السياسي الموريتاني،بل كان شخصه موضوع سخريّة المثقّفين هناك) ونظرا الى هذا الموقف الذي لم ينحاز كليّة الى الغرب، أُنزل العقاب بموريتانيا التي تعيش على المساعدات والقروض، فتوقّف البنك والمصرف الدوليين وكذلك البنوك والصناديق العربيّة الخاصّة (السعوديّة والخليجيّة) ومتعدّدة الأطراف، عن تمويل مشروعات التنمية،إضافة الى الدول المانحة في أوربّا والعالم،لاسيّما فرنسا وأمريكا. وورغبة في ترميم نظامه،سارع ولد الطايع وقلب ظهر المجن،وانخرط في المعسكر الغربي منساقا وراء أمريكا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. ووصل به الأمر الى تبادل التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل ليصبح الدولة العربيّة الثالثة خلف مصر والأردن تطبّع علاقاتها معها علانيّة.. وهكذا ضمن عودة تدفّق المساعدات والقروض من الجميع بما فيهم العرب،ومعها بالطبع مساعدة إسرائيليّة شكليّة !

 

هذه كانت إضاءة لتاريخ وتطوّرالعوامل الخارجيّة التي ارتهنت لها أوضاع موريتانيا منذ إستقلالها وحتى الآن، سردناها باختصار شديد على هيئة (برشامة).

 

أمّا في الداخل فقد لبس ولد الطايع القناع الديمقراطي التعدّدي المزيّف حسب الوصفة الأمريكيّة،فسنّ دستورا جديدا طرحه على استفتاء شعبي في يوليو 1991 بموجبه استأنفت الأحزاب نشاطها. وفي أبريل 1992 أجرى انتخابات حزبيّة ورئاسيّة ضمن فيها فوزه،ثم أردفها بانتخابات مماثلة عام 1997 ،وثالثة في 7 نوفمبر عام 2003 . والأخيرة تبيّن فيها التلاعب والتدخّل الحكومي الصريحين (إعتقال ولد هيداله قبل يوم من إجراء الإنتخابات بتهمة تدبير إنقلاب،والإفراج عنه في نفس اليوم،ثم إعادة اعتقاله في اليوم التالي للإنتخابات!) ولهذا فإن الأحزاب المعارضة (برجوع الحكم المدني عام 1992 بلغ عدد المسجّل منها قانونيّا 16 حزبا) قاطعت مسلسل هذه الإنتخابات،ولكنها شاركت في الإنتخابات البلدية عام 1994 وعام 2004 ،وحصلت على نسب تمثيليّة فيها . وواصل ولد الطايع كأي ديكتاتور عسكري أسلوبه الفظّ في قمع المعارضة،والإغداق على المحاسيب وذوي القربى،لا سيّما من أبناء قبيلته (السماسيد)،والإكثار من التغييرات في المناصب الوزاريّة والحكوميّة بشكل دائم ممّا شجّع على النهب للثروة العامّة،لأن المسئولين يستشعرون قُرب إزاحتهم عن السلطة.. واستشرى الفساد في كلّ دواليب الدولة وتكدّست فيها البيروقراطيّة المترهّلة . كما غذّى التناحر الإثني في البلاد التي تتعايش فيها كثير من الأعراق (عرب وبربر ومستعربين منهم –ويطلق عليهم الحسنيّة والبيضان- إضافة الى الهالبولار والسونينكا والوُلف وأغلبهم من أصول سنغاليّة وماليّة). ولعلّ الإضطرابات الدمويّة التي استعرت عام 1989 وجرى على أثرها طرد من اتهمهم نظام ولد الطايع بالمتسلّلين السنغاليين،وطرد حكومة داكار الموريتانيين المقيمين فيها –وأغلبهم من ملاّك المتاجر- كردّ فعل انتقامي- ما تزال عالقة بالإذهان .. وبمجرّد رفع أمريكا لراية مكافحة الإرهاب (الإسلامي) هرول ولد الطايع الى الإنخراط في المعسكر الجديد،مثل القذّافي ومشرّف وأضرابهما . فمارس القمع ضدّ المعارضين،مركّزا بالذات على التيّار الإسلامي مستغلاّ التوصيف الأمريكي للإرهاب،بل بلغ به التعسّف حدّا أن اقتحمت قوّاته يوم 15 يوليو الماضي مسجد طلحة بالعاصمة بدعوى البحث عن الإرهابيين . وقد تحدّثت مؤخّرا تقارير موثّقة عن تورّط نظامه مع بعض العناصر المرتكبة للإرهاب في الجزائر! وربّما يكشف النقاب عن هذه التقارير بعد سقوطه . فهو أيضا لم يكن بعيدا عن لعبة الصراع المغربي الجزائري المحتقن بمأزق الصحراء والمشحون بالمؤامرات المتبادلة. (وأثناء إعداد هذا المقال أذيع عن استقالة رئيس الحكومة الصغيّر ولد مبارك،ليحلّ محلّه السفير في باريس محمد ولد بوبكر،الذي سبق له ترأسه لها بعد فوز ولد الطايع في انتخابات 1992 ،وهو شخصيّة حصيفة وغير ملوّثة ،كما أعلن الإفراج عن المعتقلين من التيّار الإسلامي،وعلى رأسه الداعية الكبير الشيخ ولد الددو).

 

في بؤرة الصراع:

 

معظم هذه المعلومات تنافلتها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأخرى ،ولكن ما تمّ إغفاله هو أن الذهب الأسود قد بدا ينبثق من مياه وصحراء موريتانيا ،وما جرى حتى الآن هي بواكير للعنة لا نتمنّى أن يحملها معه كما حملها من قبل الى الجزائر المجاورة وليبيا القريبة..

 

فموارد موريتانيا متمثّلة أساسا في القروض الأجنبيّة،وخامات الحديد في منجم (القّلب) وصيد السمك في نواديبو المطلّة على جزر الكناري التابعة لإسبانيا،وكذلك في تربية المواشي وانتاج زراعي غير كاف يعتمد على الريّ من نهر السنغال . أمّا الآن فالنفط قد وضعها في بؤرة الصراعات الأجنبيّة في الإقليم،ولا نستبعد أن مسلسل الإنقلابات ،وآخرها الناجح، جرى إنضاجها بفعل التطاحن بين الشركات - وورائها دولها- للحصول على أكبرمقدار ممكن من الثروة الجديدة،وعلى أطول مدى . وفيما يلي رصد للتطوّرات:

 

* أعلن عن أول اكتشاف بكميّات تجاريّة للخام يوم 13 مايو 2001 في حقل (شينكويتّي) .

 

* أعلنت شركة (وودسايد) الأستراليّة –والتي سبق لها الحصول على عدّة عقود امتياز في ليبيا – أنها عثرت على حقل منتج داخل الشاطيء الإقليمي الموريتاني،أثناء شهر أكتوبر من العام الماضي. وهو حقل يقلّ كمياّ عن حقلي (باندا) و (طيوف). ووضعت الشركة برنامجا لحفر عشرين بئرا فيها . وقبل شهر من ذلك التاريخ  تعاقدت مع شركة (دانا) البريطانيّة بحيث تتنازل لها عن 6, 25%  من المقطع 2 وتحتفظ هي ب 41,75% مقابل أن تتنازل لها دانا) عن 5% من المقطع 7 .

 

* من خلال نبأ أعلنته (أخبار فوكس) الفضائيّة الأمريكيّة المؤيّدة لبوش وعصبة المحافظين الجدد،تبيّن أنها أعدّت برنامجا للبثّ يوم 21 أغسطس الجاري عن الوضع النفطي الواعد في موريتانيا ،يتضمّن مقابلة مع الرئيس المخلوع ولد الطايع. وجاء فيه أن الشركات الأمريكيّة وعلى رأسها العملاقة (شيفرون) ستعود لاستئناف أعمال الإستطلاع بعد غياب بدأ منذ عام 1991 بسبب حرب الخليج الثانية. وسيكون عنوان البرنامج Back to Mauritania فهل سيظهر فيه ولد الطايع أم يُستبدل بولد فال؟!

 

* يوم 28 يوليو الماضي وقّع وزير النفط والطاقة زيدان ولد حميدة في مقرّ وزارته بنواكشوط  على عقد مع مديرة مؤسّسة (إنرجيك ريسورس) البريطانيّة لتقاسم الإنتاج في المقطع 18  البحري لمدة 9 سنوات.

هذه التطوّرات تنبيء بأن موريتانيا ،باحتياطيّاتها المقدّرة مبدأيا بألف مليون برميل وثلاثة ملياردات قدم مكعّب من الغاز الطبيعي،ستنضمّ السنة القادمة 2006 الى نادي الدول الأفريقيّة العشر المنتجة للذهب الأسود . فأفريقيا تمدّ العالم الآن ب 11% من احتياجاته من النفط الخام،وهو ما يوازي 8 مليون برميلا يوميّا. وستزداد هذه النسبة في الأعوام القادمة لأن انتاج القارّة سينمو بمقدار 68% من الآن وحتى العام 2020 .وفي الشمال تقدّر ليبيا بأن تصديرها عام 2010 سيبلغ ثلاثة مليون طن. وقد زاد من أهميّة القارّة المنتجون الجدد في (خليج غينيا) وهم :غينيا الإستوائيّة – تشاد - ساوتومي وبرنسيب – إضافة الى نيجيريا- أنجولا - الكاميرون –الجابون . والآن انضمّت اليهم موريتانيا التي يقدّر بأن يبلغ انتاجها أكثر من انتاج الكاميرون (100,000 برميلا في اليوم). وباستثناء أنجولا ونيجيريا،ستغلّ صادرات البترول على هذه الدول حوالي 200 مليارد دولارا سنويّا . فأمريكا حاليا تستورد من الدول الأفريقيّة جنوبي الصحراء 17% من احتياجاتها ،وفي مدى عشر سنوات ستزداد النسبة الى 25% .

 

الخلاصة:

 

في ضوء هذه المعطيات ينبغي إذن فهم الخفايا التي لايستبعد أنها تفعل فعلها في توجيه الأحداث الحالية في موريتانيا . واستخلاصا منها يمكن التذكير بما يلي :-

 

  • أن مدّ التغيير وصل الآن الى الشمال الأفريقي،ولن يترك الأوضاع ستاتيكيّة كما تريدها الأنظمة الديكتاتوريّة . ولن ينفع هذه الأنظمة الإرتماء في أحضان أمريكا ،ولا حتى التطبيع مع إسرائيل . مالم تطبّق النهج الديمقراطي التعدّدي الحقيقي،وليس المزيّف كما فعل ولد الطايع،وكما يحاول حسني مبارك أو القذّافي . وهو في كلّ الأحوال أدنى منهما بمراحل وما يزال سادرا في غيّه وعبثيّته التي لا تنطلي على أحد . ولكي نبقى في شمالنا الأفريقي نكاد نجزم بأن لا مفرّ من تغيير الجلد للإستجابة الى مطالب الشعوب دون لفّ أودوران . وهو الأمر الذي يسعى الى التكيّف معه النظامان في الجزائر والمغرب .

 

  • لقد قام بالإنقلاب الموريتاني أقرب وأخلص الأوفياء لولد الطايع والقابضين على (السلطة والثروة والسلاح) لحماية نظامه،بل والمنفذين لسياسته الإستبداديّة طوال عقدين من الزمن ولكن عندما حان موعد التغيير،وجب أن يذهب. ولم يشفع له انصياعه ووضع نفسه طوع بنان الغرب الأمريكي والأوربّي باطشا بشعبه ومتنكّرا لمطالبه المشروعة،فمصالح أمريكا ودول أوربّا هي التي توجّه البوصلة لديهم . وإذا استدعى الأمر فالتضحية بالحلفاء الأقزام في معمعة التطاحن على المصالح ستكون هي الرهان الجديد . وتدليلا على ذلك شاع القول إن أصابع فرنسا والدفاع عن مصالحها في منطقة هي تاريخيّا وتقليديّا من ممتلكاتها ،كانت وراء تحريك الإنقلاب، لوقف إنجرار ولد الطايع كليّا ومعه بلاده وراء أمريكا .

 

  •  لعلّ الظاهرة الجديدة في انقلاب موريتانيا،أن زعماء من المعارضة (فرسان التغيير) هدّدوا بالإنتقام الجماعي من أعوان ولد الطايع والمفسدين من قبيلته،وهوما لا يتمنّاه العقلاء لموريتانيا، وعلى قادة النظام الجديد ،وسط الترحيب الشعبي الواسع ولكن الحذرأيضا، أن يأخذوا هذه الأمور في الحسبان ويسارعوا الى تطبيق وعودهم دون تسويف (آخر الأنباء أنهم قصّروا الفترة الإنتقاليّة الى سنة وقرّرا إجراء تعديل دستوري ينقّحه من المواد التي استغلّها ولد الطايع لتبرير طغيانه وأعلن حزب ولد الطايع تأييده لهم!). والمأمول أن يفوّتوا الفرصة على من يريد أن يستغلّ ثروتهم الجديدة،بأن يوظّفوها فعلا طبقا لشعارهم (العدالة والديمقراطيّة) وإلاّ صارت نقمة أو لعنة سوداء!

 

وفي الختام فالدرس المستفاد أنه لن تنقذ حاكم قذّافيستان مهرجانات البيعة والتقديس التي يفرضها على أهل ليبيا،مهدّددا بقطع الخدمات من ماء وكهرباء فضلا عن المرتّبات عليهم،إن لم يأتوا اليه زاحفين، ويرقصوا ويغنّوا له و(يحزّمونه) بالأنواط والنياشين .. فلا يكفي الآن أن ينظر غربا ،بعد أن رأى ما حدث شرقا .. في بغداد . بل عليه أن يلتفت حواليه !

 

مخضرم