22/08/05


 

تكامــــــــل المعارضــــــــة
بقلم:عمـــــر الكـــــدي


تمكن القذافي من الإنفراد المطلق بالسلطة عن طريق تفكيك الدولة والمجتمع ,بدأ بشركائه في الانقلاب بعد ثلاثة أشهر من وقوعه"آدم الحواز وموسى أحمد",وفي عام 1973 ضرب كل التيارات السياسية والثقافية التي كانت قائمة في البلاد,كما ألغى كافة القوانين والنظم الإدارية,وأقفل كل الصحف والمطبوعات الخاصة,وفي منتصف السبعينات ضرب الطلبة,وتغلغل في كل النقابات والاتحادات المهنية بحيث أفرغها من محتواها ,وفي نفس الفترة ضرب أعضاء"مجلس قيادة الثورة" وما عرف بتنظيم الضباط الوحدويين الأحرار فيما عرف بمحاولة المحيشي,أما بعد 1977 فقد ضرب التجار,والرأسمالية الوطنية,وأقفل المستشفيات والعيادات الخاصة,ومكاتب المحاماة ,وتم الزحف على كل المصانع والشركات الخاصة,وفي الثمانينات تمت عسكرة كل المجتمع الليبي ,وهكذا انتقل الليبيون من خانة المواطنين الأحرار,إلى مجرد جنود بائسين يقفون في طوابير الإهانة والذل,وفي ظل اشتراكية غبية قصيرة النظر تحول الليبيون إلى مجرد موظفين يتلقون رواتبهم من القذافي ,هكذا انفرد القذافي بالسلطة المطلقة,ولنزع السلطة منه وإعادتها للناس لابد من إعادة تركيب ما فككه القذافي طوال 36سنة.


وبهذا الصدد أعتقد أن الجميع يعارض القذافي من اٍبنه سيف ورئيس وزراءه إلى الذين استظلوا بالمؤتمر الوطني للمعارضة باعتباره السقف الأعلى للمعارضة,بين هذين القوسين الجميع يطالب بالإصلاح ,الذين يمثلون النظام في هذا الإصلاح يخططون لإصلاح تكتيكي فرضته المتغيرات الدولية,وهدفه إعادة تعويم النظام دوليا ,والذين يمثلون المعارضة يريدون إصلاحا استراتيجي يهدف إلى إنقاذ البلاد من كل أمراضها المزمنة.


تتفق كل أطياف المعارضة على العمل السلمي من اجل التغيير,وتتفق على أن اللجؤ إلى أي طرف أجنبي من أجل هذا التغيير هو خط أحمر,ثم تختلف المعارضة في الطرق التي سيتم من خلالها التغيير المرتقب ,وهي بهذا لها رؤية إستراتيجية واحدة ,ولها طرق تكتيكية متباينة, وهذا أمر طبيعي حدث وسيحدث في تاريخ كل بلاد العالم ,ونحن في ليبيا لسنا استثناء من هذه القاعدة ,وعادة ووفقا للجدل الهيجلي والماركسي فيما بعد تولد الفكرة ويولد نقيضها من داخلها ,ويتكفل الصراع والزمن بدمج مزايا الفكرة ونقيضها في فكرة مركبة من الاثنتين.


للتخلص من ظاهرة القذافي لابد من دفعه لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه عندما استولى على السلطة, وفي مقدمتها قدرة المواطنين الفعلية والعملية من اجل اتخاذ المبادرة,وهو أمر يكاد يكون مستحيلا خلال الثمانينات ,وأصبح ممكنا الآن ,فإذا نجح شكري غانم في دفع مرتبات الليبيين في مواعيدها فهو يخدم مخطط المعارضة ,ويقرب من إمكانية الشارع الليبي من القيام بالمبادرة ,وإذا نجح سيف في إخراج السجناء فهو يخدم من حيث لا يدري رؤية المعارضة الإستراتيجية,وإذا أقدم النظام تحت ضغوط دولية وداخلية على السماح بالصحافة الخاصة فهو يساهم في التخلص من ظاهرة القذافي ,وكل من يساهم في بلورة المجتمع المدني ,وتقوية الروابط والاتحادات والنقابات المهنية فهو يقرب من يوم الخلاص ,ذلك أن الشعوب لا تخرج إلى الشوارع وتنتفض وهي تعيش في ظل أسوء أشكال القمع ,وعندما يتنفس الناس الخوف ,ويكادوا يقبضون عليه بأصابعهم من شدة كثافته ينكفئون إلى داخل قواقعهم ,لان غريزة البقاء هي أقوى الغرائز على الإطلاق.


لم يخرج الروس طوال سبعين عاما من الحكم الشيوعي ,ولا انتفض الصينيون في ظل ماوتسي تونغ وهو يقفز بهم قفزته الكبرى إلى الأمام فقتلت المجاعة منهم ثلاثة مليون في سنة واحدة ,ولكنهم خرجوا إلى الشوارع وتحدوا الدبابات عندما طردوا الخوف من نفوسهم وتعلموا كيف ينظمون أنفسهم .في كوريا الجنوبية يخرج الناس إلى الشوارع ليتصادموا مع قوات مكافحة الشغب ,وفي كوريا الشمالية يخرج الناس ليرقصوا ويغنوا للزعيم المحبوب وابنه العزيز بالرغم من أنهم شعب واحد في البلدين .هل خرج المصريون إلى الشوارع زمن عبد الناصر وصلاح نصر,ولكنهم يخرجون الآن ويقولون لا للتوريث.


لا أحد يعرف كيمياء الانتفاضة,ومتى يثور هذا الشعب ,ومتى ينتفض ذاك الشعب ,ولكن صار في حكم المؤكد أن الشعوب تنتفض متى كانت قادرة على ذلك بشكل عملي ,أي متى كانت قادرة على تنظيم نفسها من خلال مؤسسات المجتمع المدني ,ومن خلال مكتسبات حقيقية انتزعتها انتزاعا من حكامها .


من المهم أن تتكامل المعارضة الليبية من أجل هدفها الاستراتيجي المشترك ,مهما تباينت طرق الوصول إلى هذا الهدف .إن وجود الإخوان المسلمين والإصلاحيين في الداخل لا يقل أهمية من وجود المؤتمر الوطني للمعارضة بسقفه العالي نسبيا ,عمليا سيجد النظام نفسه مجبرا على التعامل مع الإخوان بسبب خطاب المؤتمر الوطني ,وسيحقق لهم بعض المطالب هنا وهناك ,وهو بهذا يقرب من تحقيق الهدف الاستراتيجي ,فإذا لم يكن المؤتمر الوطني للمعارضة موجودا لاستحال القبول بالإخوان من طرف النظام .


المعركة مع النظام طويلة وشاقة وتحتاج إلى نفس طويل ,يتميز بثبات الرؤية الإستراتيجية ,وتنويع التكتيكات ,وللوصول إلى غايتنا في إنقاذ بلادنا وشعبنا يجب أن نخرج من المهاترات ,وخطاب التخوين والإقصاء ,وأيضا الحساسية من النقد الموضوعي , والتعصب الحزبي الذي يشبه إلى حد كبير التعصب القبلي ,ولابد من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه ,فلا يمكن بناء الديمقراطية في ليبيا ما لم نطبقها في المنفى ,لنكون قدوة لشعبنا الذي ولد أكثر من 70%من سكانه في ظل أكثر الأنظمة استبدادا ودموية ,ومن يقل أن هناك طريقا واحدا وحلا نهائيا واحدا فإنما يكرر نفس رؤية النظام وخطابه المغلق .
 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع