الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

05/08/05


 

 

ليبيا والعامل الخارجي

بقلم : عمر الكدي


يكاد يكون العامل الخارجي هو العامل الأكثر حسما في تاريخ هذه البلاد ,فالإغريق أطلقوا عليها أسم ليبيا لمجرد أن قبائل الليبيو هي التي استقبلت طلائعهم , والإغريق هم الذين بنوا المدن الخمس في شرق ليبيا ,وكان الفينيقيون قد وضعوا أسس المدن الثلاث في غرب ليبيا ,والتي ازدهرت في عصر الرومان ,وكانت ليبيا قد ازدهرت في ظل الإغريق والرومان ,وأصبحت جزاء مهما من العالم القديم حين صدرت السلفيوم والحبوب والماشية,وأيضا الإمبراطور سبتيموس سيفيروس,ومرقص مؤسس كنيسة الإسكندرية والكرازة المرقصية,وقبل ذلك شيشنق مؤسس الأسرة الحادية والعشرين في مصر,وفي هذا العصر ولد وعاش كبار الشعراء والمسرحيين الرومان والإغريق , وتحولت قورينا إلى قبلة لطالبي العلم بعد أن ظهرت فيها مدرسة فلسفية أصيلة أسمها مدرسة اللذة ,وهذا يعني أن الليبيين ينبغون خارج بلادهم ,وأن بلادهم تزدهر من خلال الوافدين.بل أن أزياءنا الوطنية أخذناها بالكامل من هولاء الوافدين,فالجرد أو العباءة أخذناه من الرومان,والفرملة والطاقية والبصكل والقميص أخذناه من الإغريق.


عن طريق العامل الخارجي وصلت هوية ليبيا الحالية على صهوات خيول المسلمين, وتولت هجرات بني هلال وبني سليم تعريب الجزء الأعظم منها , ومنذ ذلك الحين فقدت ليبيا أهميتها التي تكونت من خلال تلاقحها مع البحر المتوسط , وتحولت إلى مجرد معبر صحراوي بين الشرق والغرب ,عندما جاء العامل الخارجي من خلال البر وليس من خلال البحر.


حتى مجئ بيدرو دي نفارا الأسباني عام 1510كانت ليبيا جزءا من دولة أخرى, تظهر في مكان ما من أقصى المغرب , وتجذبها مثلما يجذب المغناطيس برادة الحديد , وللتخلص من الأسبان وخلفاءهم فرسان القديس يوحنا كان لابد من الاستنجاد بالعامل الخارجي ,وهكذا وصل العثمانيون وعلى رأسهم سنان ودرغوت باشا ,ولمدة خمسمائة عام لاحقة كانت ليبيا جزءا من الإمبراطورية العثمانية اسميا أو فعليا ,حتى مظاهر الاستقلال التي تكونت في ظل القرهمانللين تكونت من خلال جدهم التركي أحمد باشا ,الذي اكتفى بالزواج من سيدة ليبية ليحكم وسلالته كل البلاد.


في ظل الأتراك شاهدت ليبيا أنواعا عديدة من الحكام جميعهم من خارج البلاد,باشاوات متغطرسين بشوارب كثة,وطابورا من الأعلاج لمجرد أنهم أسلموا,وحكمها قراصنة مغامرون ,وحكمها علي برغل بفرمان مزور,وحكمها صاحب مقهى في سوق الترك ,وتارزي , ورجل برموش شائبة,كما حكمتها من مخدع يوسف باشا الملكة استير.


الايطاليون الذين لم يترك لهم البريطانيون والفرنسيون ما يحتلوا إلا هذا القفر الصحراوي اعتبروها مجرد شاطئ رابع لبلادهم , وبالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه الليبيون في حربهم مع الطليان,إلا أن العامل الخارجي تمكن من حسم الأمور أخيرا, وبعيد استشهاد عمر المختار استسلم الجميع ,وفر خارج البلاد من استطاع الفرار.الاستعمار الايطالي هو من كشف عن هشاشة العامل الداخلي,فباستثناء  معارك محدودة قاتل الليبيون كقبائل لها مصالح متضاربة أحيانا ,وتكشف رسائل زعماء المجاهدين مع الطليان على هشاشة مفهوم الوطن لديهم ,فعندما كان الساحل الليبي محتلا بالكامل كانوا يحذرون الجنرال غرسياني من أنهم سيضطرون للدفاع عن الوطن,إذا اقتربت القوات الايطالية منه,وطبعا لم يكن هذا الوطن إلا حدود قبائلهم ,وسبب استمرار المقاومة في شرق ليبيا يعود بالأساس إلى عامل خارجي,وتحديدا إلى السيد محمد بن علي السنوسي الذي ولد في الجزائر,ووصل إلى شرق ليبيا عام1864 ليؤسس فيها الحركة السنوسية,وقد رأى هذا المصلح الكبير ببصيرة ثاقبة أن شرق ليبيا بتكوينه القبلي هو أفضل بيئة لنجاح دعوته,لذلك لم تصب دعوته حظا من النجاح في غرب ليبيا باستثناء الحزام البدوي في منطقة القبلة,وفي سنوات قليلة تمكن السنوسي وخلفاؤه عن طريق سلسلة من الزوايا من السيطرة على تجارة الصحراء,والتجارة مع إفريقيا,ومع وصول الغزاة الطليان كانت الحركة أقوى عسكريا وماليا وتنظيميا من ولاية طرابلس مجتمعة,ومن كل الحامية التركية المرابطة في البلاد,لذلك كانت قادرة على الاستمرار في المقاومة عشرين عاما متواصلة,بينما انسحب الأتراك بعد عدة شهور,وتوقفت المقاومة في الغرب بعد عام 1924,وتمكنت هذه الحركة من إعادة صياغة برقة بعيدا عن تراثها القبلي,فعمر المختار القائد العام العسكري للحركة تعود أصوله إلى قبائل المنفة المرابطة,وأقرب مساعديه هو الفضيل بو عمر الأمازيغي المولود في واحة أوجلة,ثم بقية شيوخ قبائل السعادي.


لم تكن هناك حيوية داخلية لتحرير ليبيا من الطليان,لذلك كان لابد من انتظار نضج العامل الخارجي ,الذي جاء مع الحرب العالمية الثانية,وكان لخسارة دول المحور هذه الحرب التي دار جزءا منها في ليبيا ,هو خروج ايطاليا منها.في معركة الاستقلال كان العامل الخارجي حاسما مرة أخرى ,تولى مندوب هايتي في هيئة الأمم بفارق صوت وحيد من إفشال مشروع بيفن سفورزا,الذي كان يهدف إلى تقسيم ليبيا بين بريطانيا وفرنسا وايطاليا,ويروي بعض الظرفاء أن مندوب هايتي لم يكن يقصد التصويت إلى جانب ليبيا,ولكن داهمه مغص مفاجئ في لحظة التصويت فرفع يده طالبا الإذن للذهاب إلى الحمام , وهكذا فشل مشروع التقسيم.


بينما كانت الدول المنتصرة والمهزومة في الحرب العالمية الثانية تتداول مستقبل ليبيا بعيدا عن أهلها,تدخل الاتحاد السوفيتي طالبا منحه الحق في الوصاية على ليبيا,فما كان أمام الدول الاستعمارية إلا الموافقة على استقلال ليبيا ليمنعوا الاتحاد السوفيتي من الوصول إلى مياه المتوسط,ومرة أخرى كفل العامل الخارجي استقلال ليبيا.


هل كنا قادرين على اكتشاف النفط واستخراجه وتصديره؟لو لم يكن الأمريكان يجوبون هذه الصحراء بأنوف دربت منذ قرن مضى على شم الزيت الأسود الذي كنا نطلي به الإبل الجر باء,ومنذ ذلك الوقت جذب النفط العامل الخارجي وجعله يقرر مصير ليبيا أكثر من أي وقت مضى,وعلى هذه الخلفية جاء انقلاب سبتمبر كشكل من أشكال لعبة الأمم , ومع الوقت اتضح دور المخابرات الأمريكية في إنجاح الانقلاب من خلال التوقيت الدقيق الذي سبق انقلاب الشلحي بثلاثة أيام,ومن خلال الدعم المعلوماتي ,وتسخير إمكانية الاتصالات بين الانقلابيين,أما العامل الخارجي الآخر فتمثل في مصر عبد الناصر,التي منحت للانقلاب إيديولوجيته وخطابه السياسي والقبول في الشارع الليبي, وحمايته من خلال فتحي الديب ووزارة كاملة من كبار التكنوقراط.


ها قد انقضت ستة وثلاثون عاما ولم يفلح العامل الداخلي في تغيير هذا النظام ,جرب خلالها كل شئ من الانقلابات العسكرية إلى محاولات الاغتيال ,إلى المواجهة المسلحة,إلى العمل المعارض الخارجي المنظم في السر والعلن, ويبدو أننا لا نمتلك الحيوية الكافية من أجل إنضاج العامل الداخلي على حساب العامل الخارجي ,لأنه لم يكن موجودا على الإطلاق , وهذا لا يعني التعويل الكامل على العامل الخارجي والجلوس في انتظاره , ولا يعني الركوب على دبابة أجنبية لتحقيق التغيير , ولا يعني التعاون مع المخابرات الأجنبية من أجل نفس الهدف ,وإنما يعني عدم إغفال التغيرات في السياسة الدولية ,وعدم التردد في استخدام المجتمع الدولي من خلال مؤسساته في الضغط على النظام , وحتى الآن لعبت المنظمات الحقوقية , والمدافعة عن حقوق الإنسان , والقناوات الإعلامية الأجنبية دورا يفوق كل ما قام به المعارضون قبل مؤتمر لندن للضغط على النظام.


أتمنى أن ينجح الليبيون من خلال حيويتهم وفعاليتهم الداخلية من القيام بالتغيير, لأن ذلك يعني أن العامل الداخلي قد ولد أخيرا,وأن التراكم الذي تم منذ الاستقلال لم يذهب هدرا ,وأننا أصبحنا أخيرا شعبا واحدا وليس مجرد قبائل متناحرة, وأن مفهوم الوطن قد تكامل عند الجميع , وأن ليبيا لم تعد مجرد بيدق في لعبة الأمم.
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع