المؤامرة ونظريتها... بين الجحود والمبالغة
بقلم:
إبراهيم عبدالعزيز صهّد
خلال الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي، زخرت كتابات
الكتاب العرب بأحاديث موصولة ومبالغ فيها عن "المؤامرة" وعن "نظرية
المؤامرة". وعزت الحكومات العربية –الثورية خاصة- فشلها الذريع وهزائمها
المنكرة في كافة الميادين إلى مؤامرة دولية تقودها الإمبريالية تارة
والصهيونية تارة أخرى وتساهم فيها العناصر المحلية المناوئة دائما.
وبسبب هذه المؤامرة كان على الشعوب العربية أن تستبعد كل أدوات المحاسبة
والمراجعة، وتكتفي بالنجاح الهائل في فشل هذه المؤامرة في أن تقتلع أولئك
الزعماء الملهمين الذين جاءت بهم انقلابات عسكرية في معظم الحالات، واعتُبر
بقاء هؤلاء متسلطين على الشعوب بمثابة انتصار باهر حتى وإن كان قتلانا
وأسرانا بالآلاف وحتى وإن احتل العدو مساحات شاسعة من أراضينا.
وهكذا غدت المؤامرة مشجبا جاهزا تعلق عليه كل المصائب والهزائم، ويتخذ منها
مبررا لإغفال ما سواها من عوامل الوهن التي قادت إلى ما حل بنا من كوارث
ونكبات ونكسات. وبين مبالغات الكتاب العرب وتهويلات الحكام واستكانة الشعوب،
ضاعت التساؤلات التي كان يجب أن تطرح وأن يجاب عليها:
·
لماذا فشلنا في التصدي لهذه المؤامرة ؟
·
ولم كان عجزنا في الإحاطة بها عندما كانت لما تزل "نظرية" يتم رسمها وتوضع
خطط تنفيذها ؟
·
ولم نجحت هذه المؤامرة هذا النجاح المذهل ؟
·
ولماذا تستهدفنا هذه المؤامرة دون غيرنا ؟
·
وهل أن ضياع هذه التساؤلات في الزحام كان جزءا من المؤامرة وكان بندا من بنود
نظريتها ؟
استمر اهتمام الكتاب العرب بالمؤامرة وبنظريتها خلال الثمانينيات والتسعينيات
من القرن الماضي، ، لكن هذه المرة بالتباري في جحودها وإنكار وجودها أصلا،
واستتبع ذلك إغراق في جلد الذات وتقليب كل الأحجار بحثا عن الأخطاء والخطايا،
وهي كثيرة على أية حال. ويبدو أن عملية البحث المحموم عن هذه الخطايا قد حالت
دون العثور على أي عقرب أو صل يختفي تحت هذه الأحجار، رغم كثرتها. كما يبدو
أن عملية جلد الذات قد صرفت الأنظار والاهتمام عن أن توجه إلى التشخيص الدقيق
ومن ثم تحديد العلاج وأساليبه وخطواته. وكانت النتيجة أن حفلت الكتابات
والأدبيات، بل وحتى قصائد الشعر، بفنون من العبارات السوقية التي تخلو من
الأدب والرقة وتتوقف عند حد "التغزل" بهذه الأخطاء والخطايا، وعند حد إعلان
الكفر بالمؤامرة ونظريتها ثم السخرية بأولئك "البلهاء" الذين ما زالوا يظنون
بوجود المؤامرة ونظريتها. الغريب أن أيا ممن كتب جاحدا للمؤامرة لم يستقرئ
التاريخ، ولم يستخدم أسلوب البحث العلمي، بل ولم يحفل لأسماء خلدها التاريخ
لارتباطها بالمؤامرة التي تحاك: (سايكس- بيكو) ، (بلفور) ، (بيفن-سفورزا) ،
(بن غوريون-إيدن-منديس فرانس) ، (بروتوكولات....) ... إلى آخر ما عُرف وما لم
يُعرف بعد.
لكن محنة العراق قد أعادت إلى الذاكرة –ببساطة مذهلة وبإعلان صارخ- ليس فقط
بأن المؤامرة والتآمر هي من صميم ركائز السياسة الدولية، بل وأيضا أن
للمؤامرة نظريتها، ولها أيضا منظريها الذين لا يقتصرون على واضعي
الاستراتيجيات وصناع القرار والتنفيذيين المدنيين والعسكريين، بل يتعدونهم
ليشمل مفكرين وأكاديميين وإعلاميين وأساتذة جامعات وأعضاء مراكز دراسات ورجال
أعمال، بل ولفيفا لا يشق له غبار من القساوسة والحاخامات. محنة العراق قد
أعلنت مجددا –وبكل هذا السفور- أن "نظرية المؤامرة" حقيقة ولم تكن في يوم من
الأيام ضربا من الوهم أو الخيال. وإزاء هذا لم يجد بعض المفكرين والكتاب
العرب بدا من التوجه إلى الحكومات والأنظمة القائمة للعمل على وقاية البلاد
والعباد من أخطار هذه المؤامرة التي لم تعد تدبر في الخفاء، والتي أصبحت
أهدافها ونتائجها تعلن عن نفسها دون مراعاة لأية نواميس أو قوانين وأعراف.
وكما كان الخطأ بالغا في تضخيم دور المؤامرة ونظريتها، أو في جحود وجود
المؤامرة ونظريتها، كذلك فإن توقع أن تقوم الحكومات والأنظمة القائمة بفعل
شيء يقي المنطقة غوائل هذه المؤامرة، إنما يدل على أننا ما زلنا لم نفهم
أبعاد المؤامرة وحقيقتها، ولم ندرك بعد أن تلك الحكومات والأنظمة القائمة
(معظمها إن لم تكن كلها) إنما هي نتاج لهذه المؤامرة، وجزء من أدواتها
التنفيذية الفاعلة، وهي التي مهدت السبيل أمام المؤامرة لتحقق أهدافها.
وبدونها ما كان للمؤامرة أن تستفحل، وما كان لنظريتها أن تستقر وتُثبت
فرضياتها مرة تلو الأخرى، وما كان لمنظريها ومنفذيها أن يحتفلوا مرة تلو
الأخرى بصحة فرضياتهم وبنجاح تخطيطاتهم وبتحقق مقاصدهم وأهدافهم.
ولهذا فلن نمتلك القدرة والإرادة على الوقوف في وجه المؤامرة وإفشال نظريتها
إلا بعد أن نمتلك القدرة والإرادة على امتلاك زمام أمورنا، والعزيمة والإصرار
على نفض ما ران على نفوسنا من مخلفات عصر طويل مظلم، عندها تتهاوى مكونات
المؤامرة من جبهتنا الداخلية وتعود ماضيا تؤخذ منه العبر.
عندها .. وعندها فقط يكون التعويل على الشعوب وعلى قواها الحية.
إبراهيم عبدالعزيز صهّد
isahad@libya-nfsl.org
|