27/08/05


 

مشاهد ... في ذكرى الـ 36 العجاف .

 

ستة وثلاثون عاماً .. عمر من الضياع ، أنقضى في انتظار المجهول، في الاستماع  إلى الغثاء المتكرر، في  مشاهدة اندحار الحق وأهلة، وتسلط الباطل ومقترفيه، في رؤية تجريد شعب طيب من إنسانيته والرجوع به إلى مجاهل الانحطاط، إلى الجاهليات الأولى إلى ما قبل التاريخ. ولعل من لم يعايش هذه الستة والثلاثين العجاف، يعتقد إني مبالغاً، أو متحاملاً. ولكن ثق إن كل ما سأكتبه سيكون اقل من الحقيقة بمراحل، فقد أقف عند بعض المشاهد والمآسي محاولاً نقل الصورة المادية لها، ولكن من المؤكد عجزي عن وصف تأثيرها في نفوس ضحاياها والمصطلين بنارها.

 

المشهد الأول: الجماهير تخرج للهتاف باسم سعد الدين ( ابوشويرب) قائد الانقلاب المفترض؛ فهي لم تكن تعرف حتى لمن تصفق !! ثم تتضح الصورة في اليوم الثالث، عندما تعرف الجماهير إن (معمر) الذي كان يخفي أسمه جبناً  حتى يتأكد من نجاح الانقلاب، ولأنه كان نكرة لا يعرف أحد من هو، ولا من جاء به، أي أن المسألة بدأت بخديعة وفي الهزيع الأخير من ليل ٍشديد السواد.

 

المشهد الثاني: لتُـحكم الخديعة لابد من بطولة تلمع صورة (النكرة) زعيم العصابة، فتبدأ المفاوضات بشأن إجلاء القواعد الأجنبية، المنتهية أصلاً عقود بقائها في ليبيا أي (تحصيل حاصل) ساقه القدر لقائد الانقلاب أو سيق قائد الانقلاب له، وهنا تنسحب القواعد التي كانت عبئاً على أهلها، في زمن قياسي، ودون أدنى معارضة، ليطل البطل ويعلن ـ بعد الجلاء طبعاً ـ أنه كان يوجه مدافعه ويحاصر تلك القواعد ولو لم تخرج لكان دمرها وجعلها يباباً صفصفا !!.

 

فيبدأ الإعجاب بالبطل المخلص، وتبدأ المسيرات والهتافات المدوية، والتي تحت ضجيجها تحاك خيوط المؤامرة ، فيلغى الدستور، والحياة النيابية، وتقفل الصحف، وتظهر الشعارات الزائفة .. وطبعاً من يستطيع مراجعة أو الحديث إلى بطل الجلاء ومخلص البلاد من براثن (الانبريالية ).

 

المشهد الثالث: لا حديث للبطل إلا عن القوة وجمع السلاح والقتال ، وتجنيد الشعب، وتخصيص ميزانية الدولة بالكامل تقريباً في شراء السلاح الخردة ، وتحدث المآسي خلال تلك الفترة، حملات تجنيد بالقوة ولا عذر حتى لأصحاب الإعاقات الظاهرة، تدمير التعليم، وما بقي من مؤسسات الدولة (أو ما نبوش العمارات نبو جيش أو دبابات)  ويُجزُ بتلك الجموع الهزيلة التي أطلق عليها (الشعب المسلح) في حروب عديدة، وهزائم شنيعة، يحولها إعلام البطل إلى انتصارات وألقاب وأوسمة على صدره ، ولعل من أبرز تلك المآسي حرب أتشاد وما جرى فيها لكلا الشعبين الليبي والتشادي من ظلم لن تمحو آثاره الأيام.

 

المشهد الرابع: صنع الأزمات في كل شيء من عود الكبريت، إلى السيارة فقد انتهج النظام الاشتراكية  اللينينية منهجاً  وأعلن الثورة الثقافية ( أسوة بموتسي تونج ) أحرقت الكتب ودمرت المكتبات وجرد الشعب من كل مظاهر الحياة، لا تجارة حرة بل ( أسواق اشتراكية الفقر العامة) والطوابير الطويلة على كل شيء ( و لقد شهدت طابوراً لا يعرف الواقفون في أخره أنه كان على ... كرش بقره ) !! لقد عاش الناس الأزمات حتى أنهم لم يعودوا يسألون عن أسباب الصفوف أمام أسواق الاشتراكية ( قاتلها الله) .. بل يقفون منتظرين دورهم فحسب.

 

المشهد الخامس: تجميع الناس في الساحات العامة في عدة مدن وفي شهر رمضان الكريم وتهديد من لا يحضر انعقاد تلك المؤتمرات لمحاكمة أعداء الثورة، والمجيء بالأبطال الحقيقيين مكبلين بالحديد ويؤتى بالمشنقة جاهزة قبل المحاكمة، والنطق بالحكم ، لتنته المهزلة بقراءة ملف أصفر أحضر مع البطل يفيد إن هذا المجرم قد تآمر على دولة الجماهير الاشتراكية، وتعلن أمانة المؤتمر البراءة منه والحكم عليه بالإعدام، ويتم وضع حبل المشنقة حول عنقه ويترك يتدلى، بينما يتعلق بجسده أعضاء حركة اللجان الثورية ( المبشرين بعصر الجماهير عصر الانعتاق ) كما يسمون أنفسهم.

 

المشهد السادس: شراذم الأمن المركزي، وما يسمى بكتائب الأمن، تلاحق الذين قالوا ربنا الله في كل مكان بعد أن نكل بهم الأمن الداخلي، مطاردة ومراقبة  لمساجد الله، تعذيب، وتهديد بالاغتصاب، وسخرية، واستهزاء بدين الله، المشهدُ لحفلات التمثيل بالجثث وجرها في الشوارع والهتافات والصياح المنكر بسحق ومحق لكل من يقول لا،  المشهدُ لسلاح جو الطغاة بعد أن جلبوا الطيارين المرتزقة من سوريا ( حافظ النعجة) وهو يقصف وديان ومرتفعات وكهوف الجبل الأخضر، تلك الكهوف التي تحصن بها مجاهدينا بعد أن قالوا لا للكفر والردة والظلم والعدوان كما فعل أجدادهم من قبل، المشهدُ لتلك الطائرات وهي تقصف بقنابل (النابالم) و الغازات السامة، وهي تحرق الغابات في أجمل مناطق ليبيا، وهي تقتل البشر والحيوان والنبات، وكأنها تقصف في أرض ألد الأعداء، ولا زالت آثارها شاهدة على عدالة ( أبو سيف ).

 

المشهد السابع: جنون العصابة عند سماعها أن هناك ليبيين اجتمعوا لدراسة سبل التغيير في بلادهم أسوة ببقية العالم . مؤتمرات تعقد ، يحضرها ذات الأشخاص الذين يعرفهم الشعب لليبي جيداً، فهم لا يجيدون شيئا أكثر من( الرديح ) ولعق الأحذية ، أشخاص رباهم النظام على يديه وجلهم من اللقطاء (أولاد الحرام ) والمنبوذين وضعاف النفوس الذين يستقوون بانتسابهم لحركة العار حركة اللجان الثورية ، المشهدُ لهم وقد أمرهم  كبيرهم  بصرف المال من الخزينة دون حساب لتجميع أكبر قدر من البشر حتى من خارج ليبيا ، لإظهار شعبية الجلاد أمام العالم وأن الشعب الليبي متمسك به، ومتعود على عصاه، وشتائمه، وأكاذيبه، ودجله، ولا يرضى بغير ذلك بديلا. ولعله آخر المشاهد وما ذلك على الله بعزيز.

 

صقر بلال

  


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع