11/08/2007
 


صيد الخواطر الليبية (10)
 
بقلم: صلاح عبد العزيز

 
شهد عقد السبعينيات من القرن العشرين موجة من الهجرة الطلابية بعد حصولهم على الثانوية العامة...و منهم من قطع دراسته الجامعية مفضلاً الهجرة للعالم الآخر حيث الأحلام تصبح واقعاً في مخيلة تلكم الطبقة من الشباب المتحمس ... وفي عام 1977 ميلادي.. كنت أدرس في مدرسة – بنغازي – الثانوية... وكانت تضم حوالي تسعة فصول للقسم العلمي... وفصلاً واحداً للقسم الأدبي.. ولست أدري لماذا كانت نظرتنا لزملائنا في القسم الأدبي يشوبها نوع من الإشفاق أو إن شئت قلت نظرة فيها نوع من التعالي... وهذه الحقيقة تحتاج منا لوقفة جادة لدراسة أسباب هذه الأفكار الخاطئة عن الدراسات الإنسانية... بمعنى أنني وبعد أن وفقني الله لأن أكون في البعثة الثامنة لشركة الخطوط العربية الليبية لدراسة الطيران المدني في سكوتلاندا – بريطانيا – بدأت أقرأ لكتاب ومفكرين لم يدرسوا الفيزياء ولا الكيمياء ولا الرياضيات... وغيرها من المواد العلمية التي كانت مناهجنا تمتلئ بها.. ثم مع انتهاء الحصول على الشهادة الثانوية.. تتبخر معظم هذه المعلومات ما لم يتخصص الطالب في علم معين...
 
لقد اكتشفت أن الأمم بحاجة إلى كل هذه العلوم التطبيقية.. ولكن معظم من أداروا دفة التاريخ وأحدثوا حراكاً سياسياً حقق للأمم عزتها و انتصاراتها.. كانوا أصحاب دراسات إنسانية (تاريخية – دينية – لغوية – ...) فمثلاً على مستوى الأمة الإسلامية... كان علماء الشرع من وراء تثبيت الجيوش أمام زحف جحافل أعداء الأمة... و لنا في سيرة شيخ الإسلام (ابن تيمية) و(العز ابن عبد السلام) خير مثل حينما نتعرض لدورهم في شحذ همم الرجال الذين تمكنوا من صد هجوم التتار والمغول الذين وصل بهم الأمر لغاية قتل الخليفة العباسي.. وكادوا أن يسيطروا على كافة بقاع العالم الإسلامي.
 
ولكي لا أطيل في هذه القضية آخذ مثلاً واحداً بخصوص الدولة البلشفية الشيوعية... فقد قامت على أفكار وكتابات (كارل ماركس) واستطاعت هذه الأفكار أن تتبلور في شكل دولة (الإتحاد السوفيتي) قرابة سبعة عقود .. كان ميزان القوى الدولي متحققاً بتواجد قوتين عالميتين هما (الولايات المتحدة الأمريكية) و(الإتحاد السوفيتي).
 
والآن يشهد العالم خللاً واضطراباً واضحين سببه بروز القطب الأوحد الأمريكي الذي انتهز فرصة سقوط وتحلل (الإتحاد السوفيتي) مغيراً وجهته نحو عدوه الأوحد (الإسلام) في فكرته وعقيدته ومنج حياته !!!فسارعت إلى التهام أجزاء مهمة من جسم الأمة الإسلامية بدءً بأفغانستان ثم عاصمة الخلافة العباسية (بغداد) حيث مكنت للموساد الصهيوني من اغتيال العقول العراقية خاصة أساتذة الجامعات أصحاب العلوم الإنسانية وغيرها!!! إن عدونا يقرأ تاريخنا أكثر وأعمق منا... أرجو أن تتأملوا هذا النص التاريخي معي: (كان أهل الدين في أعلى محل وأعظمه عند نور الدين محمود زنكي) كتاب مختصر الروضتين في إخبار الدولتين صفحة – 39 – للإمام أبي شامة - تصنيف – د. محمد موسى الشريف.
 
ومن بعده صلاح الدين الأيوبي (يوسف ابن أيوب) كان يصطحب معه دائماً القاضي الفاضل ويستشيره في كل ما يُستجد من أمور الحرب و السلام... وكان السلطان (محمد الفاتح) يكن لأستاذه الشيخ (آق شمس الدين) مشاعر الحب، والإجلال، والتوقير، ويزوره على الدوام، حيث يستمع لأحاديثه ونصائحه، ويستفيد من علمه الغزير. وكان أستاذه هذا مهيباً لا يخشي سوى الله، لذا فإنه عند قدوم السلطان (محمد الفاتح) لزيارته، لا يقوم له من مجلسه، ولا يقف له. أما عند زيارته للسلطان (محمد الفاتح) فقد كان السلطان يقوم له من مجلسه توقيراً له، واحتراماً ويجلسه بجانبه ... لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته ومن أخصهم العالم الرباني "أحمد بن إسماعيل الكوراني(انظر سلاطين آل عثمان) وكان العلماء مبثوثين في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين معهم مما أثر في رفع معنوياتهم حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر ليؤدي ما عليه من واجب[انظر: الفتوحات الإسلامية عبر العصور، ص364]. كان محمد الفاتح يسأل الشيخ آق شمس الدين والمولى الكوراني عن رأيهما... وكان يثق بهما كل الثقة وكان السلطان كذلك يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً، وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بين السلطان محمد الفاتح لمن حوله – بعد الفتح – ذلك بقوله: إنكم ترونني فرحاً. فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة ... إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب، في عهدي، هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين.(العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص375.) ويذكر الدكتور – عبد العزيز الشناوي – في كتابه القيم (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها أن الشيخ (شمس الدين) كان يصلي و يُطيل السجود أثناء قيادة محمد الفاتح للجيش ... ويدخل القائد إلى خيمة الشيخ ويري عمامة شيخه تسقط من على رأسه و الدمع يهطل من عينيه وهو يدعو الله أن يحقق النصر للمسلمين ويبكي في دعائه وهو ساجد .. ومن هنا جاء النصر وفتح القسطنطينية... مدافع تدك أسوار المدينة.. وبنادق وسواعد تفتح الثغور.. وقبل كل ذلك تعلق بالله تعالى.. ودعاء علماء عالمين عاملين أمثال الشيخ (شمس الدين).
 
كانت هذه الخواطر تجول في ذاكرتي لأصل بها لاصطياد خواطرنا الليبية التي نحن بصددها... أذكر أنني قرأت بعد عودتي للبلد من دراستي بالخارج كثيراً من الكتب التي كانت تؤرخ لحقبة السادة السنوسية... كان محمد بن علي السنوسي على درجة كبيرة من العلم الشرعي مكنه من تربية جيل ليبي استطاع أن يكون مجلس شورى لابنه محمد المهدي السنوسي بعده... يذكر الشيخ – عبد المالك بن علي وهو تلميذ الشيخ (أحمد الشريف السنوسي) المجاهد الليبي الذي دوَّخ الفرنسيين في الجنوب الليبي.. والإنجليز على الحدود الشرقية مع مصر... ولم يهادن أو يداهن الطليان عند غزوهم ليبيا... أن (أحمد الشريف) كانت تحفه ثلة من الإخوان السنوسية ) تَرَبَوا على موائد القرآن في زاوية الجغبوب وبقية الزواية السنوسية المنتشرة في ربوع الوطن الليبي آنذاك... فكانوا له بمثابة مجلس شورى .. وعند اضطراره لمغادرة البلاد في غواصة ألمانية .. اصطحب معه من رأى فيهم أهل المشورة والعلم... وليته ما أقدم على ترك الوطن لتحل اللعبة السياسية الجديدة محل الأصل الذي كانت عليه الأمة.. لأنه:
 
إذا لم يكن من الله عون للفتى... فأول ما يجني عليه اجتهاده.
 
هذا ليس طعناً في سيرة الملك الراحل (إدريس السنوسي – رحمه الله) ولكننا نقف على حقيقة مرة أودت بنا إلى ما نحن عليه الآن... لقد كانت بطانة الملك الراحل إدريس السنوسي يقل فيها العلماء الراسخون في العلم... فقد كان (أحمد الشريف السنوسي) ومن خلال ما قرأت لبعض مؤلفاته المحدودة التي وصلت إلينا مثل كتاب (الورد السيفي) قد حظي بنشأة علمية دينية مكنته من الاستمرار في حمل لواء راية الجهاد .. حتى استلمها شيخ الشهداء (عمر المختار) الذي كان يمثل أخر جيل يحمل وراثة النبوة .. ذلك أن العلماء هم ورثة الأنبياء.. والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا دينارا...
 
وأعرف جيداً أن هذا الطرح لن يعجب كثيراً ممّن رأوا في الغرب نموذجاً واقعياً يُحتذى به .. ولسان حالهم يقول... ما علاقة الدين والعلم الشرعي بنهضة الأمم ؟! هذه أوروبا قد جعلت دينها وراءها ظِهريا.. وهذه اليابان نهضت من كبوتها بلا دين أصلا... الجواب على هؤلاء في سورة الإسراء محسوم لمن جعل القرآن له منهجا.. لأن جلت حكمة ربنا أنه يمد هؤلاء وهؤلاء من عطائه.. وسنة نبينا محمد تجيبهم أيضاً: أن الدنيا يعطيها الله لمن أحب ومن لا يُحب.. ولا يُعطي الآخرة إلا لمن أحب...
 
ولكن ما علاقة هذه المُحصلة بموضوع البداية.. ودراسة الطيران في بريطانيا... أقول: للأسف رجع كثير من أبناء أمتنا من الغرب وهم منهزمون داخلياً لمّا رأَوا العمران الغربي في أوّجه.. والنظام الإداري قد أحكم حركة الحياة وجعل كل شيء في نصابه... فكان الجواب المقنع له: هذا الغرب ما تقدم إلا بترك الدين.. وما درى ذلك المسكين أن الغرب ليس له دين أصلاً.. فهل هناك دين يقتل العلماء ويقيم لهم محاكم تفتيش عندما اكتشفوا أن الأرض كروية وتدور حول محورها!!! وهل أن الثلاثة تساوي واحداً!!! الرب والابن والروح القُدُس!!! هذا كله لم يقل به عيسى - عليه سلام الله.
 
أُوجه رسالتي هذه إلى من آتاه الله المًلك في ليبيا... أن يعيد النظر فيمن حوله من طبقة (التكنوقراط) ومعظمهم ممن تخصص في علوم تطبيقية جاء بها من الغرب... هل قدموا للبلد ما يُفيد.. لقد حازت الخطوط الجوية العربية الليبية على الجائزة الأولى عام – 1977 ميلادي – فأين هي الآن – لقد بنت دويلة قطر شركة طيرانها على سواعد أربعين طياراً ليبياً تركوا شركتهم الأم لما رأوا أن المسئولين قد تنكروا لهم...
 
الناس على دين ملوكهم... إن الله يؤتي الملك لمن يشاء .. و ينزعه ممن يشاء... لا يَهُمُنَا من يحكم... ولكن يهم كل ليبي وليبية... كيف يحكم الحاكم... ومن هي بطانته ؟ اللهم اجعل بطانة حكامنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.
 
صلاح عبد العزيز – جنيف – سويسرا
‏11‏/08‏/2007 - ‏28‏ رجب‏، 1428
 

أرشيف الكاتب بموقع ليبيا المستقبل

مدونة الكاتب "ليبيا..... يا نغماً في خاطري"


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 
صلاح عبد العزيز: الأخ العزيز أستاذ سعيد الجطلاوي.. تحية عطرة لقد وضعت النقاط على الحروف أخي سعيد.. المقصود من كلامي في هذا المقال هو أن نعيش في هذه الحياة الدنيا على الحلال... والحلال يعني أن كل مواطن قبل أن تمتد يده إلى المال العام .. عليه أن يسأل نفسه.. هل يحق له أن يطعم أولاده من السحت الحرام الذي إن دام فلن يبارك المولى فيه.. صحته في خطر.. صحة زوجته في تدهور.. دراسة أولاده في مهب الريح... نريد من يحكم ليبيا أن يستعين بمن يقول له.. اتق الله ولا تأكل حراما.. ومن ثم الرعية سوف ترى فيه مثالاً يحتذى به.. فتتورع هي بالتالي عن أكل المال العام الذي هو حق الآخر... حرام على أي مسئول مهما كانت مكانته في الدولة أن يمد يده لدرهم حرام.. لأن عاقبته هم... حرام على أي مسئول في النظام أن يمد يده إلى دينار حرام .. لأنه سوف ينقلب عليه ناراً بدلاً من ديناراً.. الحياة التي نريدها أخي سعيد هي العيش الحلال.. هناك.. وهناك فقط يأتي دور بطانة الخير لتعين الحاكم على العيش الحلال... لنرفع شعار درهم واحد حلال .. خير من ألف دينار حرام.. لأن النار أولى به.. (قل لي كيف تحكم.. أقل لك من أنت) اللهم أبرم لبلدي الحبيب ليبيا بطانة خير تعين الحاكم على الخير وتحري الحلال.. فهل جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليقول لحكامنا(اتبعوا المرسلين.. اتبعوا من لا يسألكم أجراً.. وهم مهتدون) هذا هو واجبنا الآن أخي سعيد.. النصح للحاكم بدلاً من قولنا (من هو الحاكم) فإن صلح الحاكم.. فإن الناس على دين ملوكها.. لكم مني عبق المودة وعطر التحية.

سعيد الجطلاوي: جزاك الله خيرا أخي الحبيب الحاج صلاح عبد العزيز على هذه الخاطرة الطيبة جعلها الله في ميزان حسناتكم. الحقيقة المرء يكاد يموت من ألما لما آل اليه حال بلادنا من تردي طال كل جوانب وأسس الدولة الليبية، وحتى معيار الوطنية دمر واغتيل ولم يتبقى له أثر فالشاطر هو من ينهب ويسرق وينبت لحم أولاده من السحت والزقوم الذي سيعود عليهم لاحقا وبالا ونارا، نرثي ليبيا حقيقة ولكن يحدونا ىمل في الله سبحانه وتعالى وفي بعض المخلصين ممن لازالت الوطنيه نبتا راسخا في أعماقهم.


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com