27/01/06


          

 


من الخربة الى كاراكاس  ٠٠٠٠رحل أنيق الصحافة الليبية

  - سعيد مسعود الحامدي - ازول غفون


وقفت احتراما واجلالا  للشعر الشعبي في مناسبتين, الاولى عندما سمعت قصيدة (كبرت لوكربي)  للشاعر الليبي عبدالكريم عطية , وبالمناسبة اقول له (يسلم فمك ) والثانية عندما سمعت بيت شعر شعبي فيه كثيرا من الرجولة  يقول "ياصاحبي نعزيك وتعزيني وصبع ان لمس عينك لمسلي عيني.


بهذه البلاغة الشعبية تجود قريحة احد الشعراء بقصيدة يعزي فيها صديقه . لقد بكيت  ودرفت دموعا  غزيرة حارة مدرارة لم يمنعها  الحياء من الانحدار, سارع  اصدقاء الغربة بمناديلهم  ليكفكفوا دمعي , غير ان المصاب  كان اكبر من ان تلجمه  المناديل, ترى اي قلب يحتاجه الانسان ليصمد امام  خبر وفاة والده واستاذه دفعة واحدة؟ وفوق هذا يعجز عن الوقوف في طابور الاشقاء ليقبل التعازي في والده, أبي  يسلم انفاسه لله في كباو واستاذي  يسلم  انفاسه لله  في كاراكاس,  ياالله٠

 

وانا هنا في هذا البلد البارد تصلني   التعازي باردة عبر الخيوط ٠ كيف لمخلوق ان يحتمل لوعة عزيزين في خبر واحد ؟ ترجل الحاج ربيع عن حياتي  قبل ان ارتمي في حضنه  وامطره بالقبلات على  جبهته٠


مات شريفا في بيته وهو يشبك يداه خلف راسه يا الله ياحاج ربيع  يالوعة  قلبي عليك يا والدي ,,, كنت تعاملني برجولة، حتى عندما تناديني  كنت تقول لي " يا استاد محمد.


مات والدي الذي علمني كيف أعيش بعزة ومات استاذي سعيد مسعود الحامدي الذي تعلمت منه (صراكة) الصحافة, يا الله  ... والدي و استاذي في صفقة موت  واحدة .. لا اعترض على قضاء الله.

 

رحل الحامدي الذي وصل الي طرابلس مباشرة من الخربة (الحوامد) وفي رأسه ان يكون صحفيا، وصل الى طرابلس بأنفته الحامديه  وكبرياء اهل الخربة  الرائعين, وصل الى العاصمة  ليتصدر اسمه مع  القليلين الدين عرفوا كيف يمسكوا بلجام الجملة الصحفية٠


رحل سعيد  صاحب القلم الرشيق, رحل استاذى الضاحك دائما, ياالله  ياسعيد  كنت مثل النسمة تلفح وجوه الذين تقابلهم وترحل, كنت  صحفيا ليبيا بارعا رغم كل الظروف، رغم الغربة التى اكلت نصف حياتك ورغم المحطات الكثيرة التى قادتك من الخربة الى كاراكاس ومابينهما, كانت ضحكاتك تقهر الظروف وتسخر منها.


رحل سعيد الحامدي الصديق والاستاذ, رحل  الصحفي الليبي الصعلوك, رحل صاحب الخط الانيق - بنط تسعة - .


صائفة العام 1997 كنت ادخل الى مكتبة في حي الاندلس بطرابلس مع سعيد,  ووجدته يمسكني من يدي ويستعرض امامي مقدمات لاكثرمن اربعة عناوين – غابوا عن ذاكرتى الان - , مكتوبة باسلوب واحد وغير موقعة باسم صاحبها, استعرضت معه كل المقدمات وقلت له " هذا اسلوبك انت  استطيع ان اميزه حتى بدون توقيع, ثم سالته " لماذا لاتكتب اسمك على التقديم ؟’ وفهمت من ضحكته  انه رجل لايحب الاستعراض, يا الله ,,,, كم كنت عفيفا ياسعيد, حتى عندما لم يرق لهم ان تكون صحفيا ليبيا انيقا كان قرار وزير الاعلام وقتها (د رجب بودبوس) هو فصلك بتعسف شديد من السلك الصحفي الليبي, ولم تكن محنتك ستنتهي حتى يوم وفاتك بخلت عليك الصحف التى كنت ترأس تحريرها, بخلت عليك بتعزية مدفوعة الثمن على صفحاتها .. يا للعار على الصحافة الليبية، يموت قلمها الرشيق ولاتنعيه !!!!.

 

لقد كنت حامديا  عفيفا تاخدك عزتك عن الشكوى, فاترث ان ترتمي  في احضان  رفيقة دربك  وتعلن لنا وفاتك من هناك, من كاراكاس .


كنت دائما اقول لك " انت تعيس متعوس وليس سعيد مسعود وكنت تضحك ثم تضحك, كانك توافقني الراي .

 

رحل انيق الصحافة الليبية, ورحل صاحب البيت الشعبي يسلّم عليكم هاني يسلّم علي عمه وعمه الثاني . وهاني هو الابن الاكبر لسعيد, ترى هل كان - تعيس متعوس -  كما كنا نناديه تلطفا -  يريد ان يربط جسرا من الود بين كاراكاس والحوامد؟ هل كان بيت الشعر هذا رسالة مبكرة الى اعمام  هاني ونبيل  في الحوامد  للابقاء على جسر الود الذي دشنه سعيد من الخربة الى فنزويلا ؟


هل أعزيك ياهاني او تعزيني ؟ هل ارسل لك تعزيتي في والدك الى كاراكاس او الى الخربة ؟ .. هل ارسلها الى عمك مسعود في جنزور او الى ابناء عمك في غوط الشعال ؟.

 

في كل الاحوال مصابي في استاذي كبير ومصابي في والدي اكبر, لذلك ساتبادل معك التعازي على طريقة الشاعر الشعبي الليبي - خانتني الذاكرة في استحضار اسمه الان - يا هاني نعزيك وتعزيني وصبع ان لمس عينك لمسلي عيني .

 

محمد ربيع  ( كباون )

هولندا 26 يناير 2006 م - مازيغي 2956 ا

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة